تتشكل ملامح مرحلة اقتصادية جديدة في سلطنة عُمان خلال الفترة المقبلة، على خلفية حزمة الاستثمارات الجديدة في المناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والحُرَّة والمُدُن الصناعيَّة، بعدما تجاوزت (1.4) مليار ريال عُماني خلال عام 2025، لترفع إجمالي الالتزامات إلى (22.4) مليار ريال بنُموٍّ بلغ (6.8) بالمئة مقارنةً بالعام السَّابق، حيثُ تكشف هذه القفزة أنَّ رأس المال يتحرك وفْقَ رؤية واضحة تستند إلى بيئة تنظيميَّة مستقرَّة تَقُودُها الهيئة العامَّة للمناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والمناطق الحُرَّة، لِتتحولَ الأرقام من مؤشِّرات محاسبيَّة إلى رسائل ثقة في متانة المسار الاقتصادي.
ويؤكِّد توقيع (325) اتفاقيَّة استثماريَّة خلال عام 2025 أنَّ الجاذبيَّة لم تَعُدْ قائمةً على الموقع الجغرافي وحده، وإنَّما على قدرة المنظومة المؤسَّسيَّة على اختصار زمن القرار وتوفير حوافز نوعيَّة تُعزِّز القِيمة المضافة، كما يعكس هذا الزخم أنَّ الاستثمار يؤدي وظيفة محوريَّة في تسريع التنويع الاقتصادي، وتحريك الدَّوْرة الإنتاجيَّة عَبْرَ سلاسل الإمداد والتصنيع والخدمات، بما يجعل كُلَّ ريال يدخل هذه المناطق نقطة انطلاق لنُموٍّ ممتدٍّ يتجاوز أثَره اللَّحظة الرَّاهنة نَحْوَ استقرار طويل الأمد.
الواقع أن المناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والحُرَّة والمُدُن الصناعيَّة ترسخ موقعها كمنصَّات إنتاج متكاملة تتجاوز مفهوم المساحات المحفِّزة إلى هندسة سلاسل قِيمة صناعيَّة مترابطة، حيثُ تمركز (97) بالمئة من الاستثمار المضاف خلال عام 2025 في القِطاع الصناعي بقِيمة تقارب (1.39) مليار ريال عُماني، في إشارة واضحة إلى توجُّه استراتيجي يُعلي من شأن التصنيع التحويلي، ويُعزِّز القاعدة الإنتاجيَّة الوطنيَّة.
وتأتي المنطقة الحُرَّة بصلالة والمنطقة الحُرَّة بصحار في صدارة المشهد من حيثُ حجم الاستثمار ونِسَب النُّمو، مدفوعةً باتفاقيَّات نوعيَّة في الصناعات التحويليَّة واللوجستيَّة، فيما تتقدم المنطقة الاقتصاديَّة الخاصَّة بالدُّقم بمشروعات نوعيَّة في الطاقة المُتجدِّدة والهيدروجين الأخضر، بما يعكس تنوعًا مدروسًا في التخصُّصات الاقتصاديَّة، ما يُعزِّز تطوير التجمُّعات الاقتصاديَّة المتخصِّصة في الألمنيوم وسلاسل التبريد والتعدين.
هذا التوجُّه نَحْوَ التكامل القِطاعي، حيثُ تنتقل المناطق من استضافة مشاريع منفردة إلى بناء منظومات صناعيَّة قادرة على تعميق المحتوى المحلِّي ورفع القدرة التصديريَّة، لِتتشكلَ خريطة إنتاج جديدة تَقُوم على التكامل بَيْنَ البنية الأساسيَّة والتشريعات والتمويل وسلاسل الإمداد، ما يمنح الاستثمار بُعدًا إنتاجيًّا مستدامًا يرسِّخ حضور عُمان في سلاسل القِيمة الإقليميَّة والدوليَّة.
ويُعزِّز الاستثمار حضوره كقوَّة تشغيل مباشرة تدفع بسوق العمل نَحْوَ اتِّساع مستدام، بعدما وفَّرت المناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والحُرَّة والمُدُن الصناعيَّة خلال عام 2025 نَحْوَ (4467) فرصة عمل للعُمانيين متجاوزة المستهدف المعلن، ليرتفعَ إجمالي عدد العُمانيين العاملين في هذه المناطق إلى (30) ألفًا و(780) موظفًا من أصل نَحْوِ (85) ألف عامل، بنسبة تعمين بلغت (36) بالمئة.
إذ تكشفَ هذه المؤشِّرات أنَّ الاستثمار يؤدِّي دَوْرًا اجتماعيًّا متقدمًا يرتبط ببناء مهارات وطنيَّة وتوسيع قاعدة الدخل وتحفيز الطلب الداخلي، بما يخلق حلقة نُمو متكاملة بَيْنَ الإنتاج والاستهلاك، كما يُعزِّز وجود (4774) مؤسَّسة صغيرة ومتوسِّطة داخل هذه المناطق هذا المسار التشاركي، حيثُ تندمج الشركات المحليَّة في سلاسل التوريد والمشروعات الكبرى، فتنتقل من موقع المساندة إلى موقع الشريك في القِيمة المضافة، ويؤكِّد التكامل بَيْنَ رأس المال الكبير والقاعدة المؤسَّسيَّة المحليَّة أنَّ التنمية الاقتصاديَّة تتَّجه نَحْوَ نموذج أكثر توازنًا، يربط بَيْنَ جذب الاستثمار الأجنبي وتعميق المحتوى المحلِّي، بما يُعزِّز الاستقرار الاجتماعي ويمنح النُّمو بُعدًا إنسانيًّا يتجاوز الحسابات الرقميَّة إلى أثَر ملموس في حياة المواطنين.
ولا شك أن التحوُّل المؤسَّسي المتسارع الذي تشهده عُمان يُعزِّز قدرة المناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والحُرَّة والمُدُن الصناعيَّة على ترسيخ تنافسيَّتها الدوليَّة، في ظلِّ تحديث الإطار التشريعي وصدور قانون المناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والمناطق الحُرَّة، وإنشاء مناطق اقتصاديَّة جديدة في الظاهرة والروضة، بما يمنح البيئة الاستثماريَّة وضوحًا واستقرارًا يُعزِّزان ثقة المستثمِرِين.
ويأتي الانضمام إلى المنظَّمة العالميَّة للمناطق الحُرَّة لِيضعَ هذه المناطق ضِمن شبكة عالميَّة من أفضل الممارسات في الإدارة والتشغيل، ما يرفع معايير الأداء ويُعزِّز الارتباط بسلاسل القِيمة الدوليَّة، كما يعكس إطلاق المنصَّات الرقميَّة لِتتبُّع المشروعات الاستراتيجيَّة وربط المورِّدين المحلِّيين بالمناقصات الحكوميَّة توجُّهًا نَحْوَ حوكمة ذكيَّة تختصر زمن القرار وتسرِّع دَوْرة التنفيذ، وتتَّسق هذه الخطوات مع مشروعات نوعيَّة في الطاقة المُتجدِّدة والهيدروجين الأخضر والتصنيع المتقدم، لِتؤكدَ أنَّ الاستثمار تحوَّل إلى مسار استراتيجي يُعِيدُ تشكيل الجغرافيا الإنتاجيَّة لعُمان، ويمنحها موقعًا أكثر تأثيرًا في الاقتصاد الإقليمي والدّولي خلال السنوات المقبلة.
ولعل الحزم المتتالية من الحوافز الإستثمارية التي تمنحها عُمان لجذب المشروعات الاستثمارية أعادت تشكيل خريطة القرار الاقتصادي العالمي، حيثُ تضع نفْسها في قلب المنافسة الإقليميَّة على رأس المال الصناعي، ولم يَعُدِ المستثمر يبحث عن أرض صناعيَّة أو مجرَّد إعفاء ضريبي، وإنَّما يفتش عن منظومة متكاملة تقلِّل المخاطر وتختصر الزمن، وتُعزِّز الربحيَّة المستدامة.
ويأتي طرح عُمان فرص الصناعات التحويليَّة عَبْرَ منصَّة «استثمر في عُمان» لِيُعَبِّرَ عن انتقال من منطق الترويج إلى منطق التأطير، حيثُ تعرض مشاريع مدروسة، واضحة البيانات، قابلة للتنفيذ، ومسنودة ببيئة تنظيميَّة تدعم سرعة التأسيس والتشغيل، وتتجاوز الرسالة هنا فكرة الإعلان عن مشروعات متاحة، لِتؤكِّدَ أنَّ القرار الاستثماري يجد أمامه شريكًا مؤسَّسيًّا يدرك أنَّ الحوافز استثمار في بناء قاعدة إنتاجيَّة تعمِّق المحتوى المحلِّي وترفع القِيمة المضافة، وتجعل رأس المال يختار البقاء والنُّمو داخل الاقتصاد الوطني بثقة واستدامة.
وتتضاعف أهميَّة الحوافز عِندَ الانتقال إلى قِطاع الصناعات التحويليَّة؛ نظرًا لطبيعته الرأسماليَّة الثقيلة، وطول دَوْرة استرداد رأس المال، حيثُ تشابك سلاسل الإمداد الَّتي يتطلبها؛ فالمشروعات الصناعيَّة الَّتي تتراوح قِيَمها بَيْنَ (2.4) مليون دولار وتصل إلى أكثر من (90) مليون دولار تُبنَى على حسابات دقيقة توازن بَيْنَ تكلفة الأرض والطاقة والتمويل، وسهولة النفاذ إلى الأسواق.
وفي هذا السياق، تصبح الحوافز عنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل الجدوى الاقتصاديَّة للمشروع؛ إذ ينعكس كُلُّ تخفيض في كلفة التشغيل أو تسريع في الإجراءات على معدَّل العائد الداخلي، وعلى قدرة المصنع على التموضع داخل سلاسل القِيمة الإقليميَّة والعالميَّة.
ومن هذا المنطلَق تتجاوز الحوافز دَوْرها التقليدي كأداة جذب، لِتصبحَ محددًا استراتيجيًّا لموقع الصناعة العُمانيَّة في خريطة الإنتاج والتصدير، خصوصًا عِندَما ترتبط بقِطاعات ذات أولويَّة مثل الصناعات المعدنيَّة، ومواد البناء، والصناعات الكهربائيَّة، بما يُعزِّز عُمق القاعدة الصناعيَّة، ويرسِّخ انتقال الاقتصاد من تصدير المواد الأوَّليَّة إلى تصنيعها وتصديرها بقِيمة مضافة أعلى.
وبهذا المعنى، تصبح الحوافز أداة لإعادة هيكلة الاقتصاد، حيثُ يتمُّ توجيه رأس المال نَحْوَ القِطاعات الَّتي تمتلك قابليَّة النُّمو طويل الأمد، وتُحقق تكاملًا بَيْنَ المحافظات، وتُعزِّز قدرة سلطنة عُمان على المنافسة داخل سلاسل القِيمة الإقليميَّة والعالميَّة.
وفي سياق رؤية "عُمان 2040"، لا تعد الحوافز كأداة آنيَّة لزيادة عدد المشاريع، وإنَّما كجزء من منظومة متكاملة تهدف إلى تعميق المحتوى المحلِّي، وتعزيز الصادرات غير النفطيَّة، وربط الاقتصاد الوطني العُماني بسلاسل القِيمة العالميَّة، بحيثُ يصبح جذب الاستثمار نتيجة طبيعيَّة لمسار اقتصادي منظَّم، ويغدو القرار الاستثماري انعكاسًا لثقة متراكمة في بيئة عمل قادرة على تحويل الفرص إلى أثَر مستدام طويل الأمد.

ـــــــ كلام الصورة/ من المشروعات المتكاملة في عُمان