في اللحظات الأولى بعد ولادة الطفل، يحرص أفراد العائلة على محاولة اكتشاف ملامحه ومقارنتها بملامح الوالدين أو الأجداد، وغالبًا ما تتكرر عبارات مثل: "يشبه والدته" أو "ملامحه قريبة من والده". لكن في كثير من الأحيان لا يكون الشبه واضحًا، الأمر الذي يثير تساؤلات لدى بعض الآباء حول سبب اختلاف ملامح المولود في البداية.
ويؤكد متخصصون في علم الوراثة أن هذا الأمر طبيعي تمامًا، إذ إن الصفات الجينية لا تظهر كلها فور الولادة، بل تتشكل تدريجيًا مع نمو الطفل وتفاعُل الجينات مع بعضها البعض.
كيف تنتقل الصفات الوراثية إلى الطفل؟
يحمل الإنسان 23 زوجًا من الكروموسومات، يحصل الطفل على نصفها من الأم والنصف الآخر من الأب.
وتضم هذه الكروموسومات آلاف الجينات المسؤولة عن تحديد العديد من الصفات الجسدية مثل لون العينين، ولون الشعر، وبنية الوجه، ولون البشرة والطول.
لكن انتقال الصفات ليس عملية نسخ مباشرة من الوالدين؛ فبعض الجينات تكون سائدة وتظهر بسهولة، بينما تبقى جينات أخرى متنحية وقد لا تظهر إلا في أجيال لاحقة أو في ظروف جينية معينة.
ولهذا قد لا يكون الشبه واضحًا فور الولادة.
لماذا تبدو ملامح حديثي الولادة متقاربة؟
خلال الأيام الأولى بعد الولادة قد تبدو ملامح معظم الأطفال متشابهة إلى حد ما.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل مؤقتة مرتبطة بعملية الولادة نفسها، من بينها:
وجود تورم خفيف في الوجه نتيجة الضغط أثناء الولادة.
تجمع بعض السوائل في أنسجة الوجه.
تغير لون الجلد ليبدو مائلًا إلى الاحمرار أو الزرقة.
ظهور الأنف بشكل مفلطح مؤقتًا.
كل هذه التغيرات تجعل الحكم على الشبه بين الطفل ووالديه في الأيام الأولى غير دقيق.
متى تبدأ ملامح الطفل في الظهور بوضوح؟
خلال الأشهر الثلاثة الأولى
تبدأ ملامح الوجه في الاستقرار تدريجيًا بعد زوال الانتفاخ المرتبط بالولادة، وتصبح تعابير الوجه أكثر وضوحًا، وقد يبدأ الشبه في الظهور في بعض التفاصيل مثل الابتسامة أو حركة العينين.
بين ستة أشهر وعام
في هذه المرحلة يبدأ لون العينين في الاستقرار تدريجيًا.
فكثير من الأطفال يولدون بعيون داكنة نسبيًا، ثم يتغير اللون مع مرور الوقت تبعًا للجينات الموروثة.
بين عمر سنتين وثلاث سنوات
تصبح ملامح الوجه أكثر وضوحًا وثباتًا، ويصبح الشبه بين الطفل وأحد الوالدين أو أفراد العائلة أكثر قابلية للملاحظة.
خلال مرحلة المراهقة
التغيرات الهرمونية التي ترافق البلوغ قد تعيد تشكيل بعض الملامح مثل الفك والأنف وبنية الوجه، وقد يظهر شبه جديد لم يكن واضحًا في الطفولة.
هل يمكن أن يشبه الطفل الأجداد أكثر من والديه؟
هذا الاحتمال وارد علميًا. فالجينات التي يحملها الطفل لا تقتصر على صفات الوالدين فقط، بل قد تتضمن صفات موروثة من أجيال سابقة.
وفي بعض الأحيان تظهر صفات كانت كامنة لدى الأجداد نتيجة ما يُعرف بالجينات المتنحية.
ولهذا قد يفاجأ الوالدان بملامح في طفلهم تشبه أحد الأجداد رغم عدم وضوحها لدى الأب أو الأم.
هل تؤثر البيئة على ملامح الطفل؟
الوراثة تحدد الإطار الأساسي للشكل الخارجي، لكن البيئة يمكن أن تؤثر في بعض التفاصيل مع مرور الوقت.
فالتغذية والصحة العامة وحتى التعبيرات الوجهية المتكررة قد تلعب دورًا في تشكيل بعض ملامح الوجه.
فعلى سبيل المثال، قد يبدو الطفل أكثر شبهًا بأحد والديه نتيجة تشابه طريقة الضحك أو الابتسام وليس بسبب البنية الجسدية فقط.
هل عدم الشبه سبب للقلق؟
في معظم الحالات لا يدعو اختلاف الملامح بين الطفل ووالديه إلى القلق.
فالتنوع الوراثي طبيعي، والجينات قد تعبر عن نفسها بطرق مختلفة وغير متوقعة.
ولا يُعد اختلاف الشكل مؤشرًا على مشكلة صحية ما لم يصاحبه أعراض طبية أخرى تتعلق بالنمو أو الصحة العامة.
يفضل مراجعة طبيب الأطفال أو مختص الوراثة إذا لاحظ الوالدان وجود مشكلات مرتبطة بتأخر النمو أو علامات صحية غير طبيعية لدى الطفل.
أما اختلاف الملامح وحده فلا يُعد سببًا طبيًا يدعو للقلق.
في النهاية، يؤكد الخبراء أن ملامح الطفل تتشكل تدريجيًا عبر سنوات من النمو، وأن الشبه الحقيقي لا يقتصر على الشكل فقط، بل قد يظهر لاحقًا في السلوك أو طريقة الحركة أو حتى أسلوب الضحك والتعبير.