تقدم سلطنة عُمان رؤية استراتيجية متكاملة لتعزيز الأمن الإقليمي تقوم على "دبلوماسية الحوار" ودبلوماسية "عدم الإعتداء" لنزع فتيل أزمات الإقليم، بالتوازي مع تطوير اقتصادي شامل عبر رؤية " عُمان 2040" وتفعيل أدوات الدبلوماسية الاقتصادية وهو الدور الأهم للبعثات الدبلوماسية العُمانية في الخارج.
تركز الرؤية العُمانية على التوازن السياسي، الشراكات الاقتصادية المستدامة من خلال الدبلوماسية الاقتصادية، والطاقة المتجددة، مما يعزز مكانتها كمركز إقليمي فاعل وموثوق في وقت تتزايد فيه التوترات والتحولات الجيوسياسية في المنطقة.
تنطلق الرؤية السياسية من "دبلوماسية السلام والثقة" ونزع فتيل التصعيد، إذ تكثف عُمان دبلوماسيتها الهادئة، تحت القيادة السياسية الحكيمة السلطان هيثم بن طارق، مستخدمةً حواراً مبنياً على الثقة والاحترام المتبادل، لتجنب الاصطفافات الحادة ونزع فتيل التوترات في المنطقة، فهي تعمل كأيقونة للسلام، حيث تساهم في تقريب وجهات النظر بين القوى الإقليمية والدولية.
فقد خطت سلطنة عُمان خطوة متقدمة حين طرحت أمام الاجتماع الوزاري العربي ما قد يشكل أساسا لاتفاق بين دول الإقليم يتضمن "عدم الاعتداء" كما طرحه وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، هذا الطرح يستحق أن يُقرأ الآن بالذات بوصفه فكرة سياسية عملية، لا مجرد دعوة أخلاقية إلى التهدئة. وقيمته أنه ينطلق من واقع المنطقة كما هو، لا كما يُفترض أن يكون. فالشرق الأوسط لا يعاني نقصا في موازين القوة، بقدر ما يعاني من غياب القواعد التي تضبط استخدامها. وهذا هو الفراغ الذي أنتج الحروب المتكررة، وليس غياب الردع وحده كما يعتقد البعض.
إذ قال البوسعيدي خلال مشاركته في اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب لبحث التصعيد العسكري في المنطقة، إن اللغة التصعيدية أو الاقتصار على بيانات التنديد والاستنكار لا يكفي لمعالجة الأزمة أو وقف الحرب، مؤكدا أن السبيل الأكثر فاعلية يتمثل في العمل بروح المسؤولية المشتركة، لحماية المصالح العليا للمنطقة. عبر تكثيف الجهود والعودة إلى مسارات الحوار والدبلوماسية لمعالجة الأسباب الجذرية للصراع.

وشدّد البوسعيدي في ذات السياق على أهمية التعبير بلغة الحق، والالتزام بالقيم والمبادئ الإنسانية، أساسًا للمواقف العربية في مواجهة الظلم والعدوان. أيًا كان مصدره، وحتى إن كان صادرًا عن طرفٍ صديق أو حليف، واقترح إجراء مفاوضات فورية، للتوصل إلى اتفاق ملزم، بعدم الاعتداء بين دول المنطقة. بما يسهم في تجنيبها الانجرار إلى هذا الصراع.
والواقع أن إقليم الشرق الأوسط، عاش طوال العقود الماضية في توازنات هشة ومتبدلة، تراوحت بين الاستناد إلى القوى الكبرى واعتماد كل طرف على إضعاف الطرف الآخر بوصفه صيغة للأمن. لكن ما لم يتشكل في كل هذه الفترة هو الحد الأدنى الضروري لأي نظام إقليمي: اتفاق، ضمني أو صريح، على أن الخلاف، مهما اتسع، لا يبرر تحويل المنطقة كلها إلى ساحة حرب مفتوحة. لذلك بقي الاستقرار مؤقتا، وبقيت كل هدنة قابلة للانهيار مع أول تغير في ميزان القوة.
من هذا المنطلق، تبدو فكرة (عدم الاعتداء) مدخلا إلى إعادة تعريف الأمن الإقليمي نفسه. ليس المطلوب إلغاء التنافس، ولا تجاوز التناقضات العميقة بين دول المنطقة، وهذا غير واقعي. المطلوب هو نقل هذه التناقضات من المجال العسكري المفتوح إلى المجال السياسي المنظم. أي وضع قاعدة حاسمة: يمكن للدول أن تختلف وتتنافس وتتنازع على النفوذ، لكن من دون انتهاك السيادة، أو استهداف البنى الأساسية، أو استخدام أراضي الغير في حروب متبادلة، أو تحميل الإقليم كله كلفة صراعات تخص طرفا واحدا.
إن الحديث عن اتفاق "عدم اعتداء" في لحظة الحرب هو قمة الدبلوماسية والشجاعة السياسية، لأن الحرب الجارية أثبتت مرة أخرى أن أمن المنطقة لم يعد قابلا للتجزئة. الممرات البحرية، والطاقة، والأسواق، والطيران، والاستثمارات، وحتى الاستقرار الداخلي في دول بعيدة عن خط النار، باتت جميعها رهينة لأي مواجهة تتجاوز حدودها الأولى. وهذا يعني أن بقاء الإقليم بلا قواعد متفق عليها يتجاوز القصور السياسي إلى العبء الاستراتيجي الذي ينهك الجميع.
المؤكد أن جوهر ما تقترحه سلطنة عُمان هو كسر الحلقة المفرغة من الصراعات والحروب، واغتنام فرصة السيولة السياسية الحالية باعتبارها فرصة لوضع قواعد تنظم الإقليم، تغلب قيم حسن الجوار وعدم الاعتداء على قيم القوة الخشنة التي تأتي على الأخضر واليابس.
وحتى يُكتب للرؤية العُمانية النجاح، فلابد من وضع إطار واضح للعلاقات يشمل: احترام السيادة، والامتناع عن التهديد أو استخدام القوة، وتحييد الممرات والمنشآت الحيوية، وإنشاء قنوات اتصال دائمة، وربط أي تصعيد بمسار وساطة إقليمي سابق عليه.
ولا شك أن رؤية "عدم الإعتداء" تعضدها الدبلوماسية الاقتصادية وتؤسس عالم تنموي اقتصادي متشابك العلاقات والمصالح،وقد نجحت عُمان في تأسيس تلك الدبلوماسية وحققت من خلالها العديد من الصداقات والشراكات الاقتصادية التي تأخذ بالعالم إلى آفاق أرحب يسودها السلام والتنمية والنماء للجميع. وباتت الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة تتقدم إلى واجهة المشهد العُماني بوصفها إحدى أهمِّ آليَّات تعزيز النُّمو وبناء الشراكات بَيْنَ الدول، لا الصراعات والحروب.
ومن هذا المُنطلَق تكتسب الأمسية الرمضانية الَّتي أقامتها مبادرة «استثمر في عُمان» بالتعاون مع وزارة الخارجيَّة دلالةً تتجاوز كونها فعاليَّة اجتماعيَّة؛ إذ تعكس توجُّهًا واعيًا نَحْوَ المزيد من توظيف الحوار المباشر مع البعثات الدبلوماسيَّة والمكاتب التجاريَّة الخارجيَّة كمنصَّة لتعزيزِ التواصُل الاقتصادي وتبادُل الرُّؤى حَوْلَ فرص الاستثمار والتعاون.
فالعلاقات الاقتصاديَّة المعاصِرة تنمو عَبْرَ مساحات الحوار المباشر، وبناء الثقة المتبادلة بَيْنَ صنَّاع القرار الاقتصادي وممثِّلي الدول الشريكة، وهو ما يجعل مثل هذه اللقاءات أدوات فاعلة في فتح قنوات جديدة للتعاون وتوسيع آفاق الاستثمار، لِتتجلَّى الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة كجسر يربط بَيْنَ الرُّؤية التنمويَّة الوطنيَّة والاقتصاد العالمي، حيثُ تتحول السفارات والبعثات الدبلوماسيَّة إلى منصَّات حيويَّة للتعريف بالفرص الاستثماريَّة، وتعزيز حضور الدول على خريطة الاقتصاد الدولي، بما يرسِّخ مفهوم الشراكة الاقتصاديَّة بوصفه ركيزةً أساسيَّة في إدارة العلاقات الدوليَّة المعاصِرة.
وتكتسب قنوات الحوار المباشر مع البعثات الدبلوماسيَّة والمكاتب التجاريَّة الخارجيَّة أهميَّة متزايدة في عالم الاقتصاد المعاصِر، إذ تُمثِّل هذه القنوات أحد أقصر الطُّرق لنقلِ الفرص الاستثماريَّة من مرحلة التعريف إلى مرحلة التنفيذ، كما يُمثِّل السُّفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسيَّة في الواقع بوَّابات اقتصاديَّة لدولهم، وقنوات فاعلة لنقلِ المعلومات حَوْلَ الفرص التجاريَّة والاستثماريَّة المتاحة في الدول الَّتي يعملون فيها.
ومن هنا تأتي أهميَّة اللقاءات الاقتصاديَّة المباشرة الَّتي تجمع المسؤولين وصنَّاع القرار الاقتصادي مع ممثِّلي الدول المختلفة، حيثُ تُسهم هذه اللقاءات في بناء جسور من الثقة والتفاهم تمهِّد الطريق أمام شراكات اقتصاديَّة أوسع. وتُتيح مثل هذه المبادرات مساحة للحوار حَوْلَ القِطاعات الاقتصاديَّة الواعدة، وتفتح المجال أمام تبادل الخبرات والتجارب في مجالات الاستثمار والتجارة والتقنيَّة، بما يُعزِّز فرص التعاون بَيْنَ سلطنة عُمان وشركائها الدوليين، ويمنح المستثمِرِين صورةً أوضح عن البيئة الاستثماريَّة وما توفِّره من مُقوِّمات الاستقرار والفرص طويلة الأمد.
ويكتسب هذا النَّهج أهميَّة خاصَّة في بيئة استثماريَّة عالميَّة تتَّسم بدرجة عالية من المنافسة، حيثُ أصبح جذب الاستثمار يعتمد على توافر الفرص، وعلى قدرة الدول على تسويق هذه الفرص بوضوح، وتوفير المعلومات الدقيقة عنها، وتقديم صورة متماسكة عن البيئة التشريعيَّة والتنظيميَّة الَّتي تحكمها. ومن خلال هذا التنسيق المؤسَّسي تتعزز قدرة السَّلطنة على عرض مُقوِّماتها الاستثماريَّة أمام المُجتمع الدّولي، سواء من حيثُ الموقع الجغرافي الاستراتيجي، أو البنية الأساسيَّة المتطورة في الموانئ والمناطق الصناعيَّة واللوجستيَّة، أو منظومة الحوافز والتشريعات الَّتي صمِّمتْ لتسهيلِ حركة الاستثمار وتوطين المشروعات الاقتصاديَّة ذات القِيمة المضافة.
إنَّ تعزيز الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة في هذا التوقيت يحمل دلالة تتجاوز حدود الترويج للاستثمار إلى ترسيخ موقع سلطنة عُمان كشريك اقتصادي موثوق في منظومة الاقتصاد العالمي. فالعالم اليوم يشهد تنافسًا متصاعدًا بَيْنَ الدول على جذب الاستثمارات النوعيَّة القادرة على خلْق قِيمة مضافة حقيقيَّة للاقتصادات الوطنيَّة. وتأتي مثل هذه المبادرات لِتعكسَ قدرة سلطنة عُمان على تقديم نموذج متوازن يجمع بَيْنَ الاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي والوضوح التشريعي، وهي عناصر تُشكِّل في مجموعها البيئة الَّتي يبحث عنها المستثمِر طويل الأمد، كما أنَّ تسليط الضوء على قِطاعات واعدة مثل الاقتصاد الرَّقمي والسياحة والخدمات اللوجستيَّة والصناعات المتقدِّمة ينسجم مع مستهدفات رؤية « عُمان 2040» الَّتي تسعى إلى بناء اقتصاد متنوع وأكثر قدرة على التكيُّف مع التحوُّلات العالميَّة. ومن هنا تتجلى أهميَّة استمرار مثل هذه اللقاءات الاقتصاديَّة الَّتي تفتح قنوات الحوار مع الشركاء الدوليين، وتُعزِّز حضور السَّلطنة على خريطة الاستثمار الدوليَّة، بوصفها بيئةً مستقرَّة ومنفتحة على التعاون الاقتصادي القائم على المصالح المشتركة والتنمية المستدامة.