بأي حال عدت يا عيد الأم في زمن الإبادة، الأم في غزة وكردفان تتذوق عيدها بطعم الحنظل، ويدمي قلبها دما، ويحترق حلمها، ويطير كالدخان، وتتحول الأمنيات إلي بكاء مكتوم في صدرها، ويصيب رصاص الغدر فلذاتها، فمنهم من يلقي حتفه ومنهم من ينتظر، وتتمزق في أحشائها غريزة الأمومة، لكنها تقاوم بعزيمة الرجال.
أمام مستشفيات غزة لا ينقطع رجاء الأمهات، وفي نجوع السودان تنكفئ الأم علي رضيعها لينجو من قذائف الباطل، وتبتهل إلي الله ليسقط عليها رطبا، تذهب عنها مرارة الألم، وتجعلها تبقي واقفة علي قدميها، تحمل وليدها، وتشعل فيها غريزة الأمومة، لكي تنبت في الأرض الخراب براعم الحياة.
والعدو منذ أن وطأت قدمه فلسطين يضع نصب عينيه وأد غريزة الأمومة، خشية ولادة جيل يتحدي حصونه ومدرعاته، وفاطمة لا تزال صامدة أمام القصف، زوجها يرقد جريحا، تخرج في البكور، تبيع قليلا من الحلوي، التي صنعتها بمكونات بسيطة، وفي خيمتها المهترئة ينتظرها صغارها، أملا في لقيمات تصرف عنهم الجوع.
وتنقل لنا الكاميرات معاناة أسماء وهي تتغشي أبناءها بجسدها، لا تعبأ الموت، الأهم أن تبقي البراعم تنبض، حتي تبني من جديد جدران البيت، وتعيد المياه تجري في الأودية، وترفع سواعدهم سقف المدرسة، وتزرع شجر الزيتون، وتصدح أصواتهم علي المآذن بنداء
الله الأكبر.
وزينب جارة فاطمة تفقد أبناءها، وتواري بيديها أجسادهم بالتراب، وبرغم أن قلبها ينزف هما، لكنها تأمل في عودة زوجها من سجون الاحتلال، أملا أن ينمو في أحشائها بطل، يثأر لدماء سالت علي كل شبر من أرض اغتصبها عدو بلا وطن، ويفتح أبواب المسجد الأقصي ليؤتي إليه من كل فج عميق.
وفي عيد الأم تكابدن أمهات غزة أوجاع الولادة والمخاض دون تخدير أو رعاية صحية، وأوجاع قلوبهن في زمن الإبادة لا تقتصر علي أبنائهن، فالحرب قتلت آباءهن وأشقاءهن، وما يزيد الأمر حسرة أن أغلبهن تحتضن بين أطفالهن صغارًا أيتام فقدوا آباءهم، وبات النوم عزيزًا، فكيف تغمض جفونهن وهذا يصرخ جوعًا وذاك يبكي ألما، ولا نبالغ أن كل أم في غزة هي جميلة أبو حريد.
وكل يوم يمر علي أمهات غزة يعلون علي معاناتهن، ويزرعن شجرة، وينسجن ثوبًا، ويلقن أبناءهن درسًا عن الكرامة، ويضمدن جراح الأزواج والأبناء والأشقاء، ويحملن أكياس الطحين، ويرسمن بسمة تضيء الظلام، وينثرن زهور المحبة والألفة بين جموع الأهل.