يعد الصداع النصفي من أكثر المشكلات الصحية شيوعًا بين الناس، إذ يعاني منه عدد كبير من الرجال والنساء علي حد سواء. وتزداد نوبات الصداع لدي البعض بعد انتهاء شهر رمضان وإجازة عيد الفطر، نتيجة تغير نمط النوم والسهر لفترات طويلة، إلي جانب الإكثار من بعض الأطعمة والمشروبات التي قد تحفز حدوث النوبات.
في هذا السياق، تقول د. سالمة مرزوق، أستاذ طب المخ والأعصاب بالقصر العيني، إن الصداع النصفي يعد من أكثر أنواع الصداع إيلامًا، وقد يؤثر بشكل كبير في قدرة الشخص علي ممارسة حياته اليومية بصورة طبيعية.
وأوضحت أن أعراض الصداع النصفي مميزة إلي حد كبير، حيث يشعر المريض بصداع شديد غالبًا في جانب واحد من الرأس، ويكون مصحوبًا بنبض مؤلم، وقد يترافق مع الشعور بالغثيان أو القيء، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلي ضعف القدرة علي أداء العمل أو القيام بالأنشطة اليومية.
وأضافت أن الصداع النصفي لا يظهر بنفس الصورة لدي جميع المرضي، إذ توجد أنواع مختلفة منه. فهناك ما يعرف بـ" الصداع النصفي العرضي"، وهو الذي تحدث نوباته أقل من 15 يومًا في الشهر، بينما إذا تجاوزت النوبات هذا العدد فيُصنف حينها كـ"صداع نصفي مزمن"، كما قد يكون الصداع النصفي مصحوبًا بما يسمي "الهالة"، وهي مجموعة من الأعراض التي تسبق نوبة الصداع مثل اضطرابات الرؤية أو رؤية ومضات ضوئية، إلا أنها غالبًا ما تستمر لفترة قصيرة قبل بدء الألم.
وأشارت د. سالمة إلي أن السبب الرئيسي لنوبات الصداع النصفي يرتبط بنشاط العصب الثلاثي التوائم والأوعية الدموية المرتبطة به داخل الجمجمة، حيث تؤثر بعض المواد الكيميائية في الجسم مثل السيروتونين والببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين في حدوث هذه النوبات، وهو ما يؤدي إلي تمدد الأوعية الدموية والشعور بالألم الشديد.
كما أوضحت أن العامل الوراثي يلعب دورًا مهمًا في الإصابة بـ الصداع النصفي ، إذ تشير الدراسات إلي أن أكثر من نصف الحالات لديها استعداد وراثي للإصابة به.
ومع ذلك، فإن وجود هذا الاستعداد لا يعني بالضرورة أن المرض سيظهر لدي جميع أفراد العائلة، لكنه يزيد فقط من احتمالية الإصابة به.
وأكدت أستاذ طب المخ والأعصاب أن هناك عوامل أخري قد تؤدي إلي زيادة نوبات الصداع النصفي، من أبرزها الإجهاد البدني أو النفسي، إذ يعد التوتر المستمر من أكثر المحفزات شيوعًا لنوبات الصداع، كما أن اضطرابات النوم، سواء قلة النوم أو زيادته، قد تؤدي إلي تفاقم الحالة لدي الكثير من المرضي.
ولفتت إلي أن النظام الغذائي يلعب دورًا مهمًا أيضًا، حيث توجد بعض الأطعمة التي قد تسهم في تحفيز نوبات الصداع النصفي لدي بعض الأشخاص، مثل الجبن والمكسرات والشوكولاتة، وهي أطعمة يكثر تناولها عادة في فترات الأعياد والمناسبات، مما قد يفسر زيادة الشكوي من الصداع بعد انتهاء هذه الفترات.
وأضافت أن النشاط البدني المكثف والتعرض للإجهاد الشديد قد يسهمان كذلك في ظهور النوبات، مشيرة إلي أن تنظيم نمط الحياة وتجنب المثيرات المعروفة لدي كل مريض يمكن أن يساعد بشكل كبير في تقليل تكرار نوبات الصداع.
وأكدت د. سالمة أهمية التشخيص الدقيق للحالة، حيث يجب علي الطبيب تحديد ما إذا كان الصداع الذي يعاني منه المريض هو صداع نصفي بالفعل أم نوع آخر من الصداع، وكذلك تحديد ما إذا كان عرضيًا أو مزمنًا، لأن ذلك يساعد في اختيار العلاج المناسب.
كما يجب علي الطبيب التعرف علي المشكلات الصحية المصاحبة التي قد يعاني منها المريض، مثل آلام العضلات أو اضطرابات النوم أو الأرق أو القلق والاكتئاب، لأن علاج هذه المشكلات قد يسهم في تقليل شدة نوبات الصداع النصفي وتحسين الحالة الصحية للمريض بشكل عام.
وتقدم د. سالمة مرزوق مجموعة من النصائح التي تساعد علي تقليل حدة نوبات الصداع النصفي ، من بينها الابتعاد قدر الإمكان عن المشروبات، التي تحتوي علي نسب مرتفعة من الكافيين مثل القهوة والشاي والمشروبات الغازية، إضافة إلي تقليل تناول الشوكولاتة وبعض الأطعمة التي قد تحفز الصداع لدي بعض الأشخاص.
كما نصحت بتقليل التعرض المباشر لأشعة الشمس لفترات طويلة، مع الحرص علي ارتداء النظارات الشمسية أو قبعة الرأس عند الخروج في الأوقات الحارة.
وأشارت أيضًا إلي ضرورة تجنب التوتر والضغوط النفسية قدر الإمكان، سواء كانت مرتبطة بالعمل أو بالمشكلات الشخصية، لأن الإجهاد العصبي يعد من أهم العوامل التي قد تؤدي إلي حدوث نوبات الصداع النصفي أو زيادة شدتها.
وأكدت أن الالتزام بنمط حياة صحي يشمل النوم المنتظم، والتغذية المتوازنة، والابتعاد عن مسببات التوتر يمكن أن يسهم بشكل كبير في الحد من تكرار نوبات الصداع النصفي وتحسين جودة الحياة لدي المصابين به.