الكاتبة منى حارس: للرعب وجوه كثيرة أهمها نفسي!

الكاتبة منى حارس: للرعب وجوه كثيرة أهمها نفسي!لعنة الضريح

في عالم تتقاطع فيه العوالم الواقعية مع الخيال، ويصبح الخوف وسيلة لاكتشاف النفس قبل أن يكون مجرد إحساس عابر، يبرز أدب الرعب كأحد أكثر الأجناس قدرة على الغوص في أعماق الإنسان وكشف تناقضاته.

وبين الأصوات العربية التي اختارت هذا المسار، تلمع الكاتبة والأديبة منى حارس، التي قدمت عبر أعمالها تجربة تجمع بين الرعب النفسي والبُعد الإنساني، مع وعي واضح بأن الخوف ليس غاية في حد ذاته، بل مدخل لفهم أعمق للحياة وما وراءها.

في هذا الحوار، نقترب من رحلتها مع الكتابة، وبداياتها، وتأثير قراءاتها وتجاربها الشخصية، ورؤيتها لموقع أدب الرعب في المشهد الأدبي العربي.



★ كيف بدأت علاقتك بأدب الرعب؟ وهل كانت وليدة شغف مبكر أم تجربة محددة أثرت فيك؟
بدأت علاقتي ب أدب الرعب منذ الطفولة، من خلال قراءة روايات مصرية للجيب، والقصص العالمية المترجمة، وقصص الرعب والألغاز. كان شغفًا مبكرًا بكل ما هو غامض ومخيف وما وراء الطبيعة. ومع مرور الوقت، تطور هذا الشغف ليصبح وسيلة لفهم النفس البشرية بشكل أعمق، وما تخفيه من تعقيدات وآلام، خاصة من خلال الرعب النفسي. فأنا أؤمن أن للرعب وجوهًا كثيرة، وليس وجهًا واحدًا فقط.

★ ما أول نص كتبته في هذا المجال، وهل كنتِ واثقة منذ البداية أنك ستستمرين فيه؟
أول نص كتبته كان محاولة بسيطة على أحد المنتديات النسائية، وكان الهدف منه مساعدة المرأة على التغلب على خوفها، وكانت رواية "لعنة الضريح". هذا العمل كشف لي أن لدي صوتًا خاصًا في هذا المجال، خاصة مع تفاعل متابِعات من دول عربية مختلفة أحببن ما أكتب. لم أكن واثقة من الاستمرار في البداية، لكن تفاعل القراء وتشجيعهم كان الدافع الحقيقي للاستمرار.

★ إلى أي مدى تأثرتِ بكتاب رعب عالميين أو مصريين في تشكيل أسلوبك؟
تأثرت ببعض الأسماء منذ الصغر، مع حبي الشديد للقراءة والروايات العالمية، لكنني حرصت على ألا أكون نسخة من أحد. كنت أبحث عن بصمتي الخاصة، خصوصًا في الرعب النفسي المرتبط بالواقع والغوص في أعماق النفس البشرية.

★ ما الذي يميز الرعب النفسي في كتاباتك عن الرعب القائم على الأحداث أو الصدمات المباشرة؟
الرعب النفسي في كتاباتي لا يعتمد على المفاجأة اللحظية، بل على التسلل التدريجي إلى عقل القارئ، وجعله يشك في كل شيء، حتى في نفسه، مع محاولة الوصول إلى أعمق طبقات النفس البشرية وفهمها رغم الظلام المحيط بها.

★ كيف تبنين أجواء الخوف في النص؟ هل تعتمدين على اللغة أم الفكرة أم البناء الدرامي؟
أعتمد على الثلاثة معًا، لكن الأهم هو تحقيق التوازن بينها. الفكرة تزرع الخوف، واللغة تنقله وتمنحه الإحساس، بينما البناء الدرامي يعمل على تصعيده تدريجيًا حتى يصل إلى ذروته في النهاية.

★ هل تفضلين النهايات المفتوحة أم الصادمة؟ ولماذا؟
أفضل النهايات الصادمة التي تترك أثرًا نفسيًا عميقًا، لكنني أستخدم النهايات المفتوحة أحيانًا عندما أريد إبقاء القارئ داخل حالة التفكير بعد انتهاء العمل، أو عندما يكون هناك جزء ثانٍ مخطط له.

★ كيف ترين حضور المرأة الكاتبة في أدب الرعب العربي؟ وهل تواجه تحديات خاصة؟
أصبحت المرأة الكاتبة حاضرة بقوة في المشهد الأدبي، لكن لا تزال هناك تحديات تتعلق بنظرة المجتمع، خاصة عند التطرق لموضوعات نفسية مظلمة أو دموية. ومع ذلك، هناك كاتبات متميزات استطعن فرض حضورهن بقوة.

★ هل تختلف نظرة الكاتبة الأنثى للرعب عن نظرة الكاتب الرجل من وجهة نظرك؟
لا أعتقد أن هناك فرقًا جوهريًا، فالقلم في النهاية لا يُصنّف حسب الجنس، والمعيار الحقيقي هو الموهبة والقدرة على تقديم عمل مؤثر.

★ هل تتعمدين طرح قضايا نسوية أو اجتماعية داخل إطار الرعب؟
نعم، أرى أن الرعب وسيلة قوية لطرح القضايا المؤلمة، لأنه يكشف الحقيقة دون تجميل. وقد قدمت ذلك في أعمال مثل "ساديم" و"رحيل"، حيث تمت معالجة قضايا اجتماعية داخل إطار رعبي مؤثر.

★ من أين تستمدين أفكار قصصك؟ هل من الواقع أم من الخيال الخالص؟
معظم أفكاري تنطلق من الواقع، سواء من مواقف حقيقية أو قصص سمعتها، ثم يأتي الخيال ليأخذها إلى مناطق أكثر عمقًا وظلامًا، وفق رؤيتي الخاصة.

★ هل مررتِ بتجارب شخصية مخيفة انعكست بشكل مباشر في كتاباتك؟
مررت بمواقف وتجارب لا أجد لها تفسيرًا منطقيًا أو علميًا، إلى جانب تجارب إنسانية قاسية تركت أثرًا نفسيًا عميقًا، وقد انعكس ذلك بوضوح في كتاباتي.

★ إلى أي مدى تؤمنين بأن الرعب يمكن أن يكون وسيلة لفهم النفس البشرية؟
أؤمن بذلك بشدة، لأن الخوف يكشف ما نحاول إخفاءه داخلنا، ويُظهر الجوانب المظلمة في النفس البشرية بشكل صادق ومباشر.

★ ما ردود الفعل التي تسعدك أكثر: الخوف، الدهشة، أم التأمل؟
التأمل… لأن الخوف لحظة عابرة، بينما الفكرة التي تدفع القارئ للتفكير تبقى وتستمر.

★ هل تلقيتِ ردود فعل غير متوقعة من القراء بسبب أعمالك؟
نعم، أخبرني بعض القراء أنهم أعادوا التفكير في حياتهم بعد قراءة أعمالي. ومن أبرز الأمثلة رواية "قسم سليمان"، حيث ذكر أحدهم أنها غيّرت نظرته لأفكار كان يؤمن بها حول تحضير الجن.

★ كيف تتعاملين مع القراء الذين لا يفضلون هذا النوع من الأدب؟
أحترم جميع الأذواق، فالرعب ليس للجميع. لذلك أقدم أيضًا أعمالًا في مجالات أخرى مثل القضايا الاجتماعية والنفسية وأدب الأطفال وأعمال كوميدية.

★ كيف تقيمين وضع أدب الرعب في مصر حاليًا؟
يشهد تطورًا ملحوظًا واهتمامًا متزايدًا من القراء، لكنه لا يزال بحاجة إلى دعم أكبر. كما أرى أن بعض الأعمال يمكن أن تقدم محتوى أعمق وأكثر ارتباطًا بالقضايا الحقيقية، كما في أعمال مثل "المبروكة" و"قلادة الجحيم" و"الأرملة السوداء" و"جمعية قتل الرجال"، التي تحمل كل منها رسالة إلى جانب عنصر الرعب.

★ هل تعتقدين أن هذا النوع ما زال مهمشًا مقارنة بأنواع أدبية أخرى؟
إلى حد ما نعم، لكنه بدأ يفرض نفسه بقوة في السنوات الأخيرة ويكسب جمهورًا أوسع.

★ من الكتّاب الذين ترين أنهم أثّروا فيكِ أو في هذا المجال؟
منذ الصغر تأثرت بالدكتور أحمد خالد توفيق والدكتور نبيل فاروق، وهناك العديد من الأسماء، كما أن الجيل الجديد يقدم محاولات جادة وأفكارًا مختلفة.

★ ما المشروع الأقرب إلى قلبك من بين أعمالك؟
كل أعمالي قريبة إلى قلبي، لكن هناك أعمال لها مكانة خاصة مثل "ماوو" و"لعنة الضريح"، إلى جانب أعمال مثل "رحيل" و"ساديم" و"ابنة سراحديل" و"رعب التجربة الأمريكية" و"مقبرة جلعاد".

★ هل هناك عمل تتمنين إعادة كتابته بشكل مختلف؟
أحيانًا أشعر أن بعض الأعمال كان يمكن أن تكون أكثر عمقًا أو قسوة، لكنني أؤمن أن كل عمل يعبر عن مرحلته الزمنية ولا يمكن فصله عنها.

★ ما الذي تطمحين لتحقيقه في مسيرتك الأدبية خلال السنوات القادمة؟
أطمح إلى الوصول لأكبر عدد من القراء عربيًا وعالميًا، وأن تتحول بعض أعمالي إلى أعمال سينمائية، وأن تستمر أفكاري في الوصول والتأثير في القارئ بشكل أعمق.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان