تحت هدير الطائرات الإسرائيلية والضربات التي طالت مناطق متفرقة من لبنان ، يعيش اللبنانيون واقعًا جديدًا؛ لم يعد فيه الخوف من تهديدات القصف أو إقامة منطقة عازلة هو الهاجس الأكبر، بل تحوّل كثيرون إلى نازحين أو مصابين أو مفجوعين بفقدان منازلهم وأحبّتهم.
أما اللاجئون الفلسطينيون هناك، فلا يختلف واقعهم كثيرًا، إذ يعيشون معاناة مضاعفة؛ لا تقتصر على كونهم لاجئين في بلدٍ مجاور، بل تمتد لتجعلهم في مواجهة المصير ذاته.
وفي هذا المشهد القاسي، يروي لبنانيون ولاجئون فلسطينيون لـ« بوابة دار المعارف » شهادات الألم التي يعيشونها لحظة بلحظة، تحت وقع القصف الإسرائيلي على لبنان .
يبدأ عبدالله نعمة، أحد سكان حي الرمل بمدينة صور جنوبي لبنان، والذي فقد منزله ومنازل عائلته بالكامل جراء الغارات الإسرائيلية على المدينة، حديثه قائلًا: "أصعب ما في الحياة أن تنزح عن مدينتك، عن المكان الذي نشأت فيه وعشت فيه، خاصة بعدما تخسر بيتك وذكرياتك."
أصعب جملة في الحياة
ثم بتر حديثه، وعاد واستطرد بهدوء: "أصعب جملة تمر على أذن الإنسان هي عندما يقول له أحد: «بيتك راح»، لكننا نحمد الله أن المصيبة كانت في الحجر وليس في الأبناء، فنحن في النهاية، ورغم كل ما نمر به من أزمات متلاحقة ومستمرة، ما زلنا نحب تراب هذا البلد الذي نشأنا وتعلمنا وعشنا على أرضه."

وعاد «نعمة» بذاكرته عقدين للوراء ليروي معاناة قديمة أعادتها الجديدة إلى سطح مخيلته، قائلًا: "في حرب 2006 خسرت في مدينة صور ما يقارب 260 ألف دولار من جني شبابي، وعدت من الصفر ورممت ما هُدم، فنحن نعرف جيدًا طعم الاحتلال المر، وكل لبناني يدفع هذا الثمن من أرزاقه وأرواح أحبته، لكن أكثر ما نخشاه هو المجهول: ماذا يحمل المستقبل لأطفالنا؟ وإلى متى سيستمرون في المعاناة؟"
عدم أمان
أما تمارة حسام، وهي إحدى ساكنات مدينة صور، فبملامح يكسوها القلق، أوضحت كيف تغيّرت حياتها رأسًا على عقب جراء ما حدث، قائلة: "حياتنا اليومية فقدت الروتين الذي اعتدنا عليه قبل الحرب، ما جعلني أشعر بعدم الأمان والضجر بشكل مستمر."
وأضافت بحديثٍ متعب: "من أبرز التحديات التي أواجهها تغيّر مكان سكني، حيث تفتقر المنطقة الجديدة إلى مستلزمات الحياة اليومية، كما أن المياه هناك غير صالحة للاستخدام بسبب ملوحتها."
خيبة أمل
وأوضحت بحزنٍ واضح أن الوضع الحالي أثّر عليها نفسيًا، حيث تجد نفسها أحيانًا تهرب للجلوس بمفردها، ولا تفعل شيئًا سوى البكاء والإحساس بخيبة الأمل.
وأكدت أن الأسر في حاجة ماسة إلى مساعدات مالية لتوفير مستلزمات الحياة اليومية في ظل الظروف الراهنة.
معاناة متضاعفة
وبينما تتقاطع الحكايات تحت القصف، برز صوت اللاجئ الفلسطيني خالد خير الله، الذي اضطر إلى النزوح بحثًا عن مأوى آمن لأطفاله الثلاثة من منطقة الشبريحا إلى مدينة صيدا.
وقال في حزنٍ شديد: "نحن كسكان الجنوب بشكل عام، ولاجئين فلسطينيين بشكل خاص، نعيش وضعًا صعبًا في الجنوب نظرًا لقربه من الحدود مع شمال إسرائيل، ما يجعله دائمًا عرضة للتهديد حتى في غياب الأزمات."
وأضاف: "اليوم أصبحت الأمور أكثر قتامة، خاصة مع تفاقم الأوضاع وارتفاع الأسعار ونقص المواد الغذائية. نحن نعاني منذ أكثر من 75 عامًا، وحتى اليوم، من سلسلة طويلة من المعاناة بين الحروب والتهجير والحرب الأهلية وجائحة كورونا، فضلًا عن تقليص خدمات الأونروا."
وتابع بأسى: "أصبحت أصعب التحديات التي نواجهها هي الخوف من القصف في أي لحظة، وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية مثل الطعام والدواء، إلى جانب مشاكل الكهرباء والمياه، وصعوبة التنقل بسبب الأوضاع الأمنية."
خوف لا يتوقف
ثم قال بنبرة يغلب عليها القلق: "لا أعلم عمّن أخاف أكثر؛ على من أتركهم خلفي أم على من معي الآن، فوالدي ما زال في مدينة صور، بينما نزحت أنا وعائلتي إلى صيدا، فهنا خوف دائم على أبنائي، وهناك خوف آخر على من بقي والدي."
وأضاف: "هذا أكبر ما يرهقنا: الخوف من الفقدان، سواء للأحبة أو للمنزل الذي بنيته بجهدي طوال سنوات، والذي أخشى أن يُقصف في أي لحظة. ففي كل يوم أعود لأتأمل صور بيتي، الذي ربما يبدو بسيطًا، لكنه بالنسبة لي بمثابة قصر."
لا وصف
وليس ببعيد عن خالد، جلس حسن العلي، اللاجئ الفلسطيني في أحد مخيمات اللجوء في جنوب لبنان، والذي اضطر للنزوح هو الآخر، وتحدث قائلًا: "الوضع في الجنوب أسوأ مما يوصف، وخاصة في المخيمات، حيث لا يتلقون أي مساعدات في ظل الحصار المطبق على المنطقة والهجمات."
وبصوتٍ يغلب عليه الحزن، أضاف: "هناك ما يقارب 150 ألف لاجئ موجودين في هذه المخيمات، مع غياب شبه تام للأونروا وللفصائل والجمعيات، كما أن هناك حالات مرضية كثيرة دون تلقي علاج"، واختصر المشهد قائلًا: «الوضع سيئ جدًا بشكل عام».
انقطاع الإمدادات
وواصل حديثه: "حجم الخسارة والتأثير كبير، سواء من ناحية الطبابة أو مقومات الحياة، بدأ يتضاءل شيئًا فشيئًا، والوضع الإنساني للاجئين أصبح مزريًا، في ظل التصعيد الذي طال الجسور وقطع جميع الطرقات المؤدية إلى الجنوب."

لا مكان آمن
وعن الأوضاع الإنسانية والإغاثية، قالت مي الصايغ ، مديرة الإعلام في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر و الهلال الأحمر، لـ« بوابة دار المعارف »، إن أبرز التحديات التي يواجهها المدنيون اليوم تتمثل في الوضع الأمني، مشيرة إلى أن بعض المناطق كانت تُعتبر آمنة نسبيًا، إلا أن ما حدث في العاصمة بيروت أثبت أنه لا يوجد مكان آمن في لبنان، بعد سقوط مئات الضحايا وآلاف الجرحى.
وأضافت أن الوضع الأمني لا يقتصر على المدنيين فقط، بل يشمل أيضًا العاملين في المجال الإنساني، ولا سيما فرق الإسعاف والطوارئ التي هرعت إلى مواقع التفجيرات ونقلت الجرحى والمصابين.
وأشارت «الصايغ» إلى وجود عدد كبير من الأشخاص تحت الأنقاض، بالإضافة إلى آخرين مفقودين لم تتضح بعد تفاصيل وضعهم.
اليوم الأسود
وأكدت أن حجم وكثافة ما حدث يُعد من بين أسوأ ما شهده لبنان، واصفة إياه بـ"اليوم الأسود"، نتيجة تزامن الاعتداءات وكثافتها، ما أدى إلى ضغط كبير على المستشفيات والعاملين في القطاع الصحي والإنساني لتقديم الاستجابة اللازمة للمتضررين.
وفيما يتعلق بالأولويات ، أوضحت أن هناك ضغطًا كبيرًا على الخدمات الصحية، في ظل ارتفاع أعداد الجرحى والحاجة الماسة إلى الإمدادات الطبية .
كما لفتت إلى أن العديد من الأشخاص فقدوا منازلهم نتيجة الأضرار، ما دفعهم للتوجه إلى مراكز الإيواء والبحث عن أماكن بديلة للسكن، الأمر الذي زاد من الضغط على الخدمات الأساسية، بما في ذلك الصحة والمياه والإيواء والغذاء.
لا تزال الحاجة مستمرة
وعن تقييم الاتحاد الدولي للاحتياجات الإنسانية، أكدت «الصايغ» أن الاحتياجات ضخمة جدًا في الوقت الراهن، موضحة أن هناك موارد متاحة لدى الصليب الأحمر اللبناني، لكنها غير كافية لتلبية حجم الاستجابة المطلوبة.
وأشارت إلى أن الاتحاد الدولي قدّم دعمًا للصليب الأحمر اللبناني بقيمة مليوني فرنك سويسري لمواصلة الاستجابة الميدانية، بما يشمل دعم سيارات الإسعاف، والدعم الصحي واللوجستي، وإدارة مركز الإيواء في المدينة الرياضية، بالإضافة إلى توزيع مساعدات على النازحين.
واختتمت بالتأكيد على أن هذا الدعم لا يزال غير كافٍ، موضحة أنه تم توسيع نداء الطوارئ الخاص بالاتحاد الدولي لمساعدة الصليب الأحمر اللبناني ، ومناشدة بضرورة التبرع لتأمين الاستجابة للاحتياجات الإنسانية الملحة على الأرض.