من الإسكندرية.. القانون يحتاج لفهم الإنسان

من الإسكندرية.. القانون يحتاج لفهم الإنساندكتور يحيى هاشم

الرأى13-4-2026 | 16:30

في ظل التحديات المتسارعة التي يعيشها المجتمع المصري والعالم من حوله لم يعد مقبولاً أن تظل القوانين و التشريعات حبيسة الرؤية القانونية البحتة دون النظر إلى أبعادها الاجتماعية و النفسية و الإنسانية فالقانون في جوهره لم يوجد ليكون نصاً جامداً بل ليكون أداة لتحقيق العدالة و تنظيم حياة الناس بما يتوافق مع واقعهم المتغير.

إن صياغة القوانين من قبل أهل القانون تمثل خطوة أساسية و مهمة لكنها تظل ناقصة إذا لم تكتمل برؤية علماء الاجتماع الذين يمتلكون أدوات تحليل المجتمع و فهم سلوك أفراده و دراسة العوامل التي تدفعهم إلى اتخاذ قراراتهم سواء كانت إيجابية أو سلبية فالقانون الذي لا يراعي طبيعة المجتمع قد يتحول إلى عبء بدلاً من أن يكون وسيلة للحل.

علماء الاجتماع لا ينظرون إلى النصوص بل إلى تأثيرها الفعلي على الناس يدرسون البيئة الاجتماعية و الضغوط الاقتصادية و التحولات الثقافية و يرصدون الفجوة بين ما يجب أن يكون و ما هو كائن بالفعل و من هنا تأتي أهميتهم في تقديم رؤية مكملة للمشرع تضمن أن تكون القوانين قابلة للتطبيق و مؤثرة في الواقع و ليست مجرد حبر على ورق.

و لعل ما شهدته محافظة الإسكندرية في حادثة السيدة التي واجهت ضغوطاً اجتماعية قاسية يكشف بوضوح حجم الفجوة بين النص القانوني و الواقع الإنساني فقد عاشت هذه السيدة ظروفاً معقدة و تحديات متراكمة تجاوزت قدرتها على التحمل و هو ما يعكس وجود خلل في المنظومة الاجتماعية التي لم تستطع احتواءها كما يعكس في الوقت ذاته قصوراً في القوانين التي لم تنجح في حمايتها أو إنصافها بالشكل الكافي.

هذه الواقعة ليست حالة فردية بل تمثل نموذجاً متكرراً لمشكلات تعاني منها شرائح واسعة من المجتمع حيث تتداخل العوامل الاقتصادية و الاجتماعية و النفسية لتشكل أزمات مركبة لا يمكن حلها بنص قانوني مجرد دون فهم عميق لطبيعتها و من هنا يصبح إشراك علماء الاجتماع في صياغة التشريعات ضرورة لا رفاهية.

إن التكامل بين القانون و علم الاجتماع يفتح الباب أمام تشريعات أكثر واقعية و إنسانية تشريعات تستند إلى فهم حقيقي لاحتياجات الناس و تراعي اختلاف الظروف و تعمل على الوقاية من المشكلات قبل وقوعها بدلاً من الاكتفاء بمعالجتها بعد حدوثها و هو ما يحقق الهدف الأسمى للقانون و هو تحقيق العدالة الاجتماعية و الاستقرار المجتمعي.

كما أن إشراك علماء الاجتماع يسهم في تقليل الفجوة بين المواطن و الدولة حيث يشعر الفرد بأن القوانين تعبر عنه و تحميه و تعكس واقعه و هو ما يعزز الثقة في مؤسسات الدولة و يزيد من الالتزام بالقانون و يحد من الظواهر السلبية التي تنشأ غالباً نتيجة شعور بالظلم أو التهميش.

إن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة النظر في آليات إعداد التشريعات بحيث تصبح عملية تشاركية تضم القانونيين و علماء الاجتماع و خبراء النفس و الاقتصاد و ذلك لضمان إنتاج قوانين قادرة على مواجهة التحديات المعقدة التي يعيشها المجتمع فالقانون القوي ليس فقط في نصوصه بل في قدرته على التفاعل مع الواقع و تغييره نحو الأفضل.

و في النهاية تبقى الرسالة الأهم أن العدالة لا تتحقق بالنصوص وحدها بل بالفهم العميق للإنسان و المجتمع وأن أي تشريع لا ينطلق من هذا الفهم مصيره أن يظل بعيداً عن تحقيق أهدافه مهما بلغت دقته القانونية فالمجتمع هو الغاية و القانون هو الوسيلة و لا يمكن أن تنجح الوسيلة إذا انفصلت عن غايتها و سلاما عليكي يا بلادي في كل وقت و في كل حين.

أضف تعليق