في خضم النزاعات الأسرية التي تمتد لسنوات داخل أروقة المحاكم، قد يظن البعض أن نهاية الأزمة تكمن في صدور حكم قضائي، لكن الحقيقة، كما يوضحها الدكتور عبد العزيز آدم، أخصائي علم النفس السلوكي وعضو الاتحاد العالمي للصحة النفسية، أن بعض القضايا لا تُغلق أبدًا، لأنها تظل مفتوحة داخل النفس.

يرى د. عبد العزيز أن أخطر ما في قضايا الأسرة ليس فقط تعقيد الإجراءات أو طول أمد التقاضي، بل الأثر النفسي العميق الذي تتركه هذه الصراعات، خاصة لدى النساء اللاتي يجدن أنفسهن عالقات بين معركة قانونية لا تنتهي وضغوط نفسية تتراكم بصمت. ويؤكد أن "المتاهة ليست في المحاكم بقدر ما هي كامنة داخل النفس"، حيث تتحول القضايا إلى جروح خفية لا تُرى، لكنها تنزف يومًا بعد يوم.
ويشير إلى أن سنوات التقاضي الطويلة لا تستنزف الوقت فقط، بل تستهلك طاقة الإنسان وقدرته على الاحتمال، فتعيش المرأة في حالة دائمة من القلق والترقب، تنتظر حكمًا ثم تنتظر تنفيذه، لتدخل في دائرة مستمرة من الضغط النفسي، قد تصل إلى الاضطراب المزمن، في ظل شعور دائم بعدم اليقين والخوف من المستقبل.
وتتفاقم المأساة، بحسب د. عبد العزيز، حين يدخل الأطفال دائرة الصراع، ليس فقط كضحايا، بل كأدوات ضغط بين الأبوين، وهنا يظهر ما يُعرف بالاغتراب الأسري، حيث يميل الطفل إلى أحد الطرفين نتيجة الضغوط النفسية، ما يضاعف من ألم الأم، التي لا تفقد فقط دورها، بل إحساسها بذاتها أيضًا.
ويؤكد أن العنف النفسي في هذه الحالات هو الأخطر، لأنه غير مرئي، ولا يترك آثارًا جسدية، لكنه يُحدث شروخًا عميقة في النفس، من تهديد مستمر وابتزاز عاطفي وسيطرة نفسية، قد لا يعاقب عليها القانون بوضوح، لكنها تدفع الإنسان تدريجيًا نحو حافة الانهيار.
ويحذر من أن الانتحار لا يحدث فجأة، بل هو نتيجة تراكم طويل للحظات لم يجد فيها الإنسان من يسمعه أو يحتويه، مؤكدًا أن السؤال الأهم ليس "لماذا انهارت؟" بل "كم مرة حاولت أن تستغيث ولم تجد من يستجيب؟".
وفي ختام حديثه، يشدد د. عبد العزيز على أن مواجهة هذه الأزمات لا تتطلب قوانين أسرع فقط، بل وعيًا أعمق وأنظمة تحمي الصحة النفسية، لأن بعض القضايا لا تُحسم في المحاكم، بل داخل الإنسان، وحماية النفس تظل أولوية لا تقل أهمية عن حماية الحقوق، بل قد تفوقها.