أطفال الانفصال.. ضحايا صراع لا ينتهي بين الكبار

أطفال الانفصال.. ضحايا صراع لا ينتهي بين الكبارصورة تعبيرية

آدم وحواء23-4-2026 | 01:38

في كثير من حالات الانفصال الأسري، لا تنتهي العلاقة بين الزوجين بمجرد الطلاق، بل تتحول في بعض الأحيان إلى ساحة صراع ممتدة، تتداخل فيها المشاعر الغاضبة، ومحاولات الانتقام، وتصفية الحسابات، ليصبح الأطفال في النهاية هم الضحية الأكبر في معركة لم يختاروها ولم يكونوا طرفًا فيها منذ البداية.

تؤكد الدكتورة شيماء عراقي، استشاري الإرشاد الأسري وتعديل السلوك، أن الطلاق لا يحدث في الأغلب إلا بعد وصول العلاقة الزوجية إلى مرحلة استحالة العشرة، إلا أن ما يلي الانفصال قد يكون أكثر قسوة، حين يتحول إلى صراع قائم على استنزاف كل طرف للآخر نفسيًا وماديًا، باستخدام مختلف أدوات الضغط، وعلى رأسها الأطفال.

الأطفال.. أول أدوات الصراع

تشير د. شيماء إلى أن استغلال الأطفال يُعد من أخطر أشكال الصراع بعد الانفصال، خاصة في مراحل الطفولة المبكرة، حيث يصبح الطفل غير قادر على فهم ما يدور حوله، بينما يُستخدم كوسيلة ضغط بين الطرفين.

ويظهر ذلك في صور متعددة، مثل التحكم في الرؤية، أو منع أحد الوالدين من التواصل مع أطفاله، أو حتى محاولة شحن الأطفال ضد الطرف الآخر، مما يخلق لديهم اضطرابًا نفسيًا وسلوكيًا قد يمتد آثارُه إلى مراحل لاحقة من حياتهم.

وتوضح أن هذه الممارسات لا تترك أثرًا لحظيًا فقط، بل تؤثر على تكوين الطفل النفسي، وتنعكس على تحصيله الدراسي، وسلوكه الاجتماعي، وقدرته على بناء علاقات صحية مستقبلًا.

دور الأسرة في تأجيج الصراع

وترى استشاري الإرشاد الأسري أن النزاع بين الزوجين لا يبقى محصورًا بينهما، بل غالبًا ما تمتد أطرافه إلى الأسر المحيطة، سواء أسرة الزوج أو الزوجة، حيث يساهم كل طرف في دعم موقف أحد الزوجين، ما يزيد من حدة الصراع ويطيل أمده.

وتشير إلى أن بعض الأسر تسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تغذية فكرة الانتقام أو تحقيق مكاسب مادية أكبر، بدلًا من التركيز على مصلحة الأطفال أو إنهاء النزاع بشكل صحي.

استنزاف نفسي وقانوني متبادل

تؤكد د. شيماء أن أحد أبرز ملامح ما بعد الانفصال هو الاستنزاف المتبادل بين الطرفين، سواء عبر الحيل القانونية لإطالة أمد التقاضي، أو عبر إخفاء مصادر الدخل والثروة، أو نقل الممتلكات بأسماء أطراف أخرى بهدف التهرب من الالتزامات المالية.

وتشير إلى أن هذه الممارسات تؤدي إلى إطالة النزاع داخل أروقة المحاكم، ما ينعكس سلبًا على الحالة النفسية لجميع الأطراف، وخاصة الأطفال الذين يعيشون حالة من عدم الاستقرار المستمر.

العنف النفسي واللفظي داخل النزاعات

توضح د. شيماء أن بعض حالات الانفصال تشهد مستويات مختلفة من العنف، قد تصل في بعض الأحيان إلى العنف اللفظي الحاد أو حتى الجسدي، سواء داخل جلسات الرؤية أو في محيط المحاكم.

وتضيف أن هذا العنف لا يقتصر على الكبار فقط، بل يمتد أثره إلى الأطفال، الذين يتعرضون لمشاهد أو مواقف صادمة تترك أثرًا نفسيًا طويل الأمد، وتؤثر على إحساسهم بالأمان والاستقرار.

الوصمة الاجتماعية وتأثيرها على المرأة والطفل

وتشير إلى أن المرأة المطلقة في بعض المجتمعات قد تواجه نظرة اجتماعية سلبية، ما يضيف عبئًا نفسيًا إضافيًا عليها، ويجعلها في حالة ضغط مستمر، تنعكس بدورها على قدرتها في إدارة علاقتها بأطفالها بعد الانفصال.

كما أن الطفل نفسه قد يتأثر بهذه الوصمة، سواء داخل المدرسة أو في محيطه الاجتماعي، مما يضاعف من شعوره بالاختلاف أو العزلة.

حين يتحول الطفل إلى أداة ضغط

تحذر د. شيماء من استخدام الأطفال كوسيلة لتصفية الحسابات بين الطرفين، سواء عبر تحريضهم ضد أحد الوالدين، أو إجبارهم على تبني مواقف معينة، أو حتى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في بث رسائل سلبية موجهة للطرف الآخر.

وتؤكد أن هذه الممارسات تُعد من أخطر أشكال العنف غير المباشر ضد الأطفال، لما تسببه من تشوه في علاقتهم النفسية بوالديهم، وزرع مشاعر الكراهية والارتباك داخلهم.

آثار طويلة المدى على الطفل

وتوضح استشاري الإرشاد الأسري أن الأطفال الذين ينشأون في بيئات نزاع مستمر بعد الانفصال غالبًا ما يعانون من تأخر دراسي، واضطرابات سلوكية، ومشكلات في الثقة بالنفس، فضلًا عن صعوبات في تكوين علاقات مستقرة في المستقبل.

كما أن بعضهم قد يحمل آثارًا نفسية ممتدة حتى مرحلة البلوغ، نتيجة ما تعرض له من ضغط عاطفي وصراعات أسرية خلال سنوات التكوين الأولى.

دعوة لإعادة ضبط المشهد الأسري

في ختام حديثها، تؤكد د. شيماء عراقي أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب وعيًا مجتمعيًا أكبر، وإدراكًا حقيقيًا بأن الطلاق لا يعني نهاية المسؤولية تجاه الأطفال، بل بداية مرحلة أكثر حساسية تتطلب تعاونًا وتوازنًا في إدارة العلاقة بعد الانفصال.

وتشدد على أن حماية الطفل يجب أن تكون الأولوية الأولى، بعيدًا عن أي صراعات شخصية أو محاولات انتقام، لأن أي استنزاف نفسي أو استخدام للطفل كأداة ضغط يترك آثارًا لا تُمحى بسهولة.

وتختتم قائلة إن "أطفال الانفصال ليسوا طرفًا في الصراع، بل ضحاياه الحقيقيون، وأي خسارة نفسية يتعرضون لها اليوم ستنعكس على المجتمع كله غدًا".

أضف تعليق