تحل اليوم ذكرى ميلاد الفنان الكبير توفيق الدقن، أحد أبرز نجوم السينما المصرية، الذي حقق نجاحًا استثنائيًا من خلال عشرات الأعمال الفنية التي لا تزال علامات بارزة في تاريخ الفن المصري، بعدما استطاع أن يترك بصمة خاصة في كل دور قدمه، حتى تحولت إفيهاته الشهيرة إلى جزء من ذاكرة الجمهور المصري والعربي.
ويُعد توفيق الدقن نموذجًا فنيًا استثنائيًا، إذ نجح في المزج ببراعة بين أدوار الشر وخفة الظل المصرية، ليؤسس مدرسة خاصة جعلت من "الشرير" شخصية ينتظرها الجمهور بشغف، بل ويحفظ عباراتها عن ظهر قلب.
لا يزال الجمهور يتذكر جملته الشهيرة: "أحلى من الشرف مافيش.. يا آه يا آه"
وتُعد هذه العبارة واحدة من أشهر الإفيهات في السينما المصرية، وهي جملة ارتجالية من تأليفه الشخصي.
وكان توفيق الدقن معروفًا بعفويته وسرعة بديهته، إذ كان يدرس الشخصية جيدًا قبل تقديمها، ثم يبتكر لها أسلوب حوار خاصًا ولزمة مميزة، وهو ما دفع كثيرًا من المخرجين إلى منحه مساحة واسعة للارتجال داخل المشهد.
استطاع توفيق الدقن بهذه الطريقة أن يصنع لنفسه مكانة مميزة وسط كبار نجوم الشر في السينما المصرية، وعلى رأسهم فريد شوقي ومحمود المليجي.
ومنذ ظهوره اللافت في فيلم "أحبك يا حسن" عام 1958، الذي شاركه بطولته شكري سرحان، نعيمة عاكف، حورية حسن، عبد المنعم إبراهيم، واستيفان روستي، وقصة وتأليف وسيناريو وإخراج حسين فوزي وحوار زكريا الحجاوي، حيث قدم شخصية "عبده دانص"، أصبح واحدًا من أبرز نجوم الشاشة.
قدم الفنان الكبير خلال مشواره الفني ما يقرب من:
120 عملًا مسرحيًا
450 فيلمًا سينمائيًا
ومن أبرز مسرحياته:
بداية ونهاية، سكة السلامة، انتهى الدرس يا غبي، عيلة الدوغري، الفرافير، البلدوزر.
أما أبرز أفلامه:
ابن حميدو، أنا وهو وهي، أحبك يا حسن، سر طاقية الإخفاء، في بيتنا رجل، على باب الوزير، الناصر صلاح الدين، مراتي مدير عام، البحث عن فضيحة،ملف في الآداب، ظهور الإسلام، درب المهابيل، صراع في الميناء، الشيطان يعظ، بورسعيد، الشيماء، خلخال حبيبي، سعد اليتيم.
وُلد توفيق أمين الشيخ الدقن، الشهير بـ توفيق الدقن، في 3 مايو بقرية هورين التابعة لمركز بركة السبع بمحافظة المنوفية.
وتشير بعض الروايات إلى أنه وُلد عام 1923، بينما تذكر أخرى أن ميلاده كان عام 1924.
وقبل دخوله عالم الفن، عمل:
موظفًا بالسكة الحديد
كاتب مخالفات في النيابة الجزئية بالمنيا
كما كان من هواياته لعب كرة القدم في نادي الزمالك.
لم يكن الفن هدفه الأول، إذ كان عاشقًا للرياضة.
لكن الصدفة غيرت حياته عندما شاهدته الفنانة روحية خالد داخل النادي، ورشحته للمشاركة في عرض مسرحي.
وبعد إصابة بطل العرض ليلة الافتتاح، تم تدريبه سريعًا على الدور، وما إن صعد إلى المسرح وسمع تصفيق الجمهور، حتى قرر أن يكرس حياته للفن.
التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وتخرج عام 1950.
وكانت لجنة اختباره تضم:
زكي طليمات
طه حسين
جورج أبيض
حسين رياض
نجيب الريحاني
ورغم رفض نجيب الريحاني قبوله في البداية، عاد زكي طليمات وطلب منه التقدم مرة أخرى.
بدأ بأدوار صغيرة في المسرح والسينما، قبل أن ينطلق بقوة في فيلم "ظهور الإسلام" عام 1951، بعدما اختاره الدكتور طه حسين بنفسه لتجسيد شخصية خباب بن الأرت.
التحق بفرقة المسرح الحر لمدة 7 سنوات، إلى جانب:
عبد المنعم مدبولي
كمال يس
شكري سرحان
صلاح منصور
ثم انضم إلى فرقة إسماعيل يس، وبعدها أصبح عضوًا بالمسرح القومي حتى إحالته إلى المعاش.
كما قدم عددًا من أعمال سعد الدين وهبة مثل: السبنسة، سكة السلامة، المحروسة، كوبرى الناموس، بير السلم.
شهدت مسيرته خلافًا شهيرًا مع المخرج يوسف شاهين أثناء تصوير فيلم "الأرض"، بعدما رفض تقديم أحد المشاهد الذي اعتبره قد يثير غضب الجمهور.
وأدى ذلك إلى قطيعة استمرت نحو 15 عامًا، قبل أن يجتمعا مجددًا في فيلم "إسكندرية ليه؟"
تزوج الفنان الكبير من السيدة نوال الرخاوي من خارج الوسط الفني.
ورُزق منها بابنه ماضي توفيق الدقن، المحامي بالنقض.
ومن المفارقات اللافتة، أنه عاش بشهادة ميلاد شقيقه الراحل الذي كان يحمل نفس اسمه، بعدما رفض والده استخراج شهادة ميلاد جديدة له.
وكان يقول دائمًا إنه عاش في الدنيا "بدل فاقد".
حصل توفيق الدقن على العديد من الجوائز والأوسمة، أبرزها:
وسام العلوم والفنون عام 1966 من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر
شهادة تقدير من الرئيس أنور السادات عام 1978
وسام الجدارة والاستحقاق
كما حصل على تقدير كبير باعتباره أحد أهم فناني الزمن الجميل.
في جانب إنساني مؤثر، أوصى قبل وفاته:
بسرعة دفنه
وضع وردة حمراء على قبره
الاكتفاء بقراءة الفاتحة
وأكد لأسرته أنه لم يترك ما يخجلهم.
رحل الفنان الكبير توفيق الدقن عام 1988، لكنه ترك خلفه مدرسة فنية متفردة لا تزال حاضرة بقوة.
ويبقى " شرير السينما المحبوب" حاضرًا في وجدان الجمهور، ليؤكد أن الدور الثاني قد يسرق الأضواء من البطولة المطلقة إذا امتزج بالموهبة الحقيقية والإخلاص للفن.