الوزير والنواب.. مَن أخطأ ؟!.. ومَن أساء لنا ؟!

الوزير والنواب.. مَن أخطأ ؟!.. ومَن أساء لنا ؟!سعيد صلاح

الرأى10-5-2026 | 15:30

أحيانًا لا تكون المشكلة الحقيقية في كلمة قيلت أو انفعال صدر، لكن في «الصورة» التي تصل للناس، والذي حدث في لقاء وزير الصحة مع عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ ، يبدو أنه من هذا النوع بالضبط.

روايات متعددة، تصريحات متضاربة، نواب يتحدثون عن انفعال وغضب ومغادرة مفاجئة، ومصادر بالوزارة تؤكد أن الأمر مجرد سوء تنظيم بسبب التكدس والزحام ونقل الاجتماع إلي قاعة أكبر، لكن بعيدًا عمن قال ماذا، ومن كان أكثر دقة في الرواية، هناك سؤال أهم بكثير: كيف وصل المشهد أصلًا إلي هذه الصورة التي أثارت كل هذا الجدل؟!.. ومن أساء للآخر الوزير أم النواب..

ومن أساء للشعب الوزير أم النواب؟!

الناس حين قرأت الأخبار لم تنشغل فقط بجملة «أنا غلطان إني جيت أقابلكم»، ولا بحكاية «الترابيزة البلاستيك»، ولا بمن غادر ومن بقي، الناس توقفت أمام مشهد كامل، نواب متزاحمون حول وزير، طلبات وتأشيرات، قاعة ضيقة، غضب، انفعال، ثم تراشق روايات بعد ذلك في الإعلام.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.. أولًا.. هل أخطأ الوزير أم النواب؟!.. لو أخذنا بالروايات المنشورة كما هي، فالحقيقة أن الطرفين يتحملان جزءًا من المسئولية، وإن اختلفت النسب، الوزير، بحكم منصبه، مطلوب منه دائمًا أن يتحلي بأعلي درجات الهدوء والانضباط، خصوصًا في التعامل مع ممثلي الشعب، ووزير الصحة ليس مسئولًا عاديًا، لكنه وزير في وزارة تمس كل بيت، وكل مواطن يدخل مستشفي أو وحدة صحية أو يبحث عن دواء أو سرير رعاية أو تكليف أو علاج، ولذلك أي كلمة أو تصرف يصدر عنه يتم تفسيره بدقة شديدة، وأحيانًا بحساسية كبيرة، فإذا صحت رواية بعض النواب بأن الوزير انزعج وغادر اللقاء وألقي القلم أو قال عبارة فهمت باعتبارها ضيقًا من النواب، فبالتأكيد هذا لم يكن أفضل تصرف ممكن، ليس لأن النواب فوق النقد، لكن لأن المنصب نفسه يفرض حسابات مختلفة، الوزير الناجح ليس فقط من يملك ملفات وأرقامًا وإنجازات، لكن أيضًا من يستطيع احتواء الغضب والتوتر والضغط، خاصة في الاجتماعات الصعبة، لكن في المقابل، هل النواب بلا مسئولية؟!.. بالتأكيد «لا».

المشهد نفسه يطرح علامات استفهام كبيرة حول طريقة إدارة مثل هذه اللقاءات، هل من الطبيعي أن يتحول لقاء رسمي بين وزير ونواب إلي حالة تزاحم حول مكتب أو توقيعات أو طلبات فردية؟! وهل هذا الشكل يليق أصلًا بمؤسسات الدولة؟! فالنائب في النهاية ليس صاحب طلب شخصي، لكنه ممثل دائرة كاملة، ومفترض أن العلاقة بينه وبين الوزير تكون عبر آليات مؤسسية واضحة ومحترمة، ولذلك حين يقول بعض النواب إن القاعة كانت صغيرة وغير مناسبة، فهذا في حد ذاته يكشف أزمة تنظيم حقيقية، لكن أيضًا، وجود هذا العدد الكبير دفعة واحدة، والتزاحم بهذا الشكل، لا يعكس الصورة التي ينتظرها المواطن من العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

المشكلة الحقيقية ليست في المشادة.. بل في «ثقافة العلاقة»، الأزمة الحقيقية ليست في جملة قيلت أو رد فعل لحظي، لكن في الطريقة التي تُدار بها العلاقة أصلًا بين بعض الوزراء والنواب، المفترض دستوريًا وسياسيًا أن البرلمان يراقب الحكومة، ويحاسبها، ويناقش سياساتها، ويضغط لتحسين الخدمات، والمفترض أيضًا أن الوزير يحترم البرلمان لأنه ممثل الشعب، لكن ما يحدث أحيانًا في الواقع يخلق صورة مختلفة تمامًا، وبدلًا من أن تكون العلاقة مؤسسية، تتحول أحيانًا إلي علاقة «طلبات فردية»، ونواب ينتظرون توقيعًا أو موافقة أو نقلًا أو استثناءً أو حل مشكلة خاصة بدائرة معينة، وهنا يختلط الدور الرقابي بالدور الخدمي، وتتحول اللقاءات إلي زحام وضغط وانفعالات.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا وأراه منطقيًا جدًا، إذا كان النواب أنفسهم يجدون صعوبة في الوصول للوزير أو تنظيم لقاء معه، فماذا يفعل المواطن العادي؟! وهذه نقطة مهمة جدًا، لأن المواطن لا ينظر فقط لمن أخطأ، لكنه ينظر لما هو أعمق، ينظر إلي المنظومة نفسها هل تعمل بشكل منظم ومحترم أم لا؟!

يا سادة: الشعب هو صاحب السيادة.. وهذه هي النقطة الأهم، في النهاية،الوزير ليس صاحب فضل علي الشعب، والنائب أيضًا ليس صاحب سلطة فوق الناس، الاثنان يعملان باسم الشعب ومن أجل الشعب، والدستور نفسه واضح»الشعب هو مصدر السلطات»، فالنائب يستمد شرعيته من الناس اللي انتخبته، والوزير يستمد موقعه من الدولة التي تعمل لخدمة المواطنين.

ولذلك أي مشهد يشعر الناس بأن هناك تعاليًا أو استعلاءً أو فوضي أو غياب احترام، يخلق حالة غضب عامة حتي لو لم تكن التفاصيل كاملة واضحة، الناس تريد أن تري دولة منظمة، مؤسسات تعرف حدودها، وعلاقة محترمة بين المسئولين، لا أحد يريد أن يري وزيرًا غاضبًا، ولا نوابًا متزاحمين، ولا قاعات غير مناسبة، ولا روايات متضاربة، المواطن في النهاية يسأل سؤالًا بسيطًا جدًا:هو إحنا ناقصين مشاكل؟!

وسؤال آخر يطرح نفسه وأراه مهما جدااااا هل أساء الوزير للشعب؟!.. هنا يجب أن نكون منصفين، فلا يمكن تحميل الواقعة أكثر مما تحتمل، ولا تحويلها إلي معركة شخصية ضد الوزير، الدكتور خالد عبد الغفار، سواء اختلف البعض معه أو اتفقوا، يتحمل ملفًا شديد الصعوبة، في وزارة من أكثر الوزارات ضغطًا وتعقيدًا في مصر، والرجل واجه خلال السنوات الماضية ملفات ضخمة مثل التأمين الصحي، أزمة الأطباء، نقص بعض الأدوية، تطوير المستشفيات ، قوائم الانتظار ، والطوارئ الصحية المختلفة، لكن في الوقت نفسه، هذه ليست أول مرة تخرج تصريحات أو مواقف منسوبة لوزير الصحة تثير جدلًا أو يتم فهمها شعبيًا بشكل سلبي.

وهنا المشكلة ليست دائمًا في «القصد»، لكن من وجهة نظري في «الرسالة»، الوزير الخدمي، تحديدًا، مطلوب منه أن ينتبه جدًا لطريقة الكلام، ونبرة الحديث، والصورة التي تصل للناس، لأن المواطن المرهق من الأسعار والعلاج والدواء لا يتعامل مع التصريحات بمنطق سياسي بارد، لكنه يتعامل معها بإحساسه الشخصي، وأحيانًا كلمة عابرة تتحول إلي أزمة ثقة كاملة.

وإن كنا سألنا السؤال السابق فيجب أن نسأل السؤال التالي «هل النواب أساءوا للشعب؟! البعض رأي أن المشهد لا يليق ب النواب أنفسهم، لأن النائب المفترض أنه يملك أدوات دستورية واضحة مثل طلب إحاطة، سؤال برلماني، استجواب، لجنة نوعية، وغيرها، لكن حين يتحول الأمر إلي تكدس حول الوزير للحصول علي «تأشيرات» أو موافقات مباشرة، يشعر المواطن بأن العمل المؤسسي يغيب أحيانًا لصالح العلاقات المباشرة والضغوط الفردية، وهنا يبقي السؤال مشروعا، هل المطلوب من النائب أن يراقب الوزير أم أن يطارده لإنهاء طلبات؟!.. طبعًا الواقع معقد، و النواب يتحملون ضغطا رهيبًا من المواطنين يوميًا، والناس تريد حلولًا فورية لمشاكل العلاج والتكليف والنقل والمستشفيات، لكن في النهاية لابد أن تكون هناك قواعد واضحة تحفظ هيبة الجميع.

إذًا ما الذي كان يجب أن يحدث؟.. الإجابة ببساطة شديدة، لقاء منظم، جدول واضح، قاعة مناسبة، عدد محدد بكل اجتماع، ملفات مرتبة، آلية رسمية للطلبات، احترام متبادل، عدم تحويل اللقاء إلي حالة عشوائية، وما أتحدث عنه ليس رفاهية.. والله، لكنه أساس إدارة الدولة الحديثة، ولذلك كثيرون رأوا أن الأزمة في جوهرها «إدارية وتنظيمية» أكثر منها سياسية، لأن أي ضغط أو ازدحام أو سوء تنسيق يمكن أن يتحول في لحظة إلي توتر أو سوء فهم أو انفعال.

المطلوب في هذا النوع من الأزمات ليس التصعيد.. بل التصحيح، تصعيد الأزمة لن يفيد أحدًا، لا البرلمان سيكسب من معركة مفتوحة مع وزير، ولا الحكومة ستكسب من توتر علاقتها بالنواب، المطلوب ببساطة مراجعة طريقة إدارة هذه اللقاءات، ووضع قواعد واضحة تحفظ كرامة الجميع وهيبة الدولة، الوزير يجب أن يدرك أن النواب ليسوا مجرد أفراد، لكنهم ممثلو الشعب، و النواب أيضًا يجب أن يدركوا أن إدارة الدولة لا تتم بالضغط والزحام والعشوائية.

ربما أهم ما كشفته هذه الأزمة هو أن المواطن أصبح شديد الحساسية تجاه صورة الدولة، الشعب يريد أن يري مؤسسات تعمل بهدوء وتنظيم، لا أحد يريد مشاهد انفعال أو خلافات أو اتهامات متبادلة، لأن المواطن في النهاية لا يعنيه من انتصر في المشادة، لكنه يريد أن يشعر أن من يديرون شئونه يعملون بشكل متحضر ومنظم.

هذه هي القضية الحقيقية، ليس من أخطأ أولًا، ولا من قال ماذا، ولا من غادر الاجتماع، لكن: كيف نبني علاقة صحية ومتحضرة بين الحكومة والبرلمان، يكون فيها الشعب فعلًا هو «الطرف الأول»، وليس مجرد متفرج علي الأزمات؟.. هذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل الجميع.

أضف تعليق

بطل الحكاية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان