فتحت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى جزيرة إيتوروب في منطقة سخالين بالشرق الأقصى الروسي - إحدى الجزر الأربع المتنازع عليها مع اليابان - ضمن ما يُعرف بجزر الكوريل، الحديث عن النزاع الإقليمي طويل الأمد بين موسكو وطوكيو حول تلك الجزر.
وتقع جزر الكوريل في أقصى شرق روسيا الاتحادية، وهي سلسلة جزر قليلة السكان تفصل بحر أوخوتسك عن المحيط الهادئ، وتمتد لمسافة 1300 كيلومتر تقريبًا، من جزيرة هوكايدو اليابانية الواقعة في أقصى شمال البلاد إلى الطرف الجنوبي لشبه جزيرة كامتشاتكا الروسية.
ووصفت وسائل الإعلام الروسية الرسمية هذه الزيارة بأنها أول زيارة شخصية يقوم بها بوتين إلى أرخبيل الكوريل، نظرًا لأهميتها السياسية بالنسبة إلى روسيا، إذ قام بجولة في عدد من المصانع والمستشفيات المحلية والمدارس، كما التقى بأسطول المحيط الهادئ المتمركز هناك.
لكن تلك الزيارة تسببت في غضب داخل الدوائر الحكومية اليابانية، إذ أصدرت الخارجية اليابانية على الفور بيان احتجاج رسمي، وصرّحت رئيسة الوزراء اليابانية تاكايتشي، وفقًا لوكالة كيودو للأنباء، بأن جزيرة إيتوروب جزء لا يتجزأ من اليابان، مشددة على أن الأراضي الشمالية، بما في ذلك جزيرة إيتوروب، تنتمي حصريًا إلى اليابان.
وأكدت أن هذه ليست مجرد مسألة تتعلق بالسياق التاريخي فحسب، بل تتعلق أيضًا بالقانون الدولي، ووفقًا لرئيسة الوزراء اليابانية، فإن زيارة بوتين الأخيرة تتعارض مع موقف اليابان الثابت فيما يتعلق بجزرها، وأعلنت استدعاء السفير الروسي لدى اليابان، نيكولاي نوزدريف، لتقديم احتجاج رسمي.
وتعود الجذور التاريخية للنزاع، بحسب مجلة Air University، المتخصصة في شؤون منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلى معاهدة شيمودا لعام 1855، التي منحت اليابان السيادة على الجزر الأربع الواقعة في أقصى جنوب البلاد: "كوناشير، وإيتوروب، وشيكوتان، ومجموعة هابوماي".
أما في اليابان فتعرف الجزر الأربع باسم "كوناشيري، وإيتوروب، وشيكوتان، وهابوماي" على التوالي، وتُسمى مجتمعةً بالأراضي الشمالية اليابانية، لكن في العقود اللاحقة، طرأت تقلبات على حقوق التنازل عن جزيرة سخالين، وهي جزيرة روسية كبيرة تقع شمال اليابان.
في نهاية الحرب العالمية الثانية، تحدد وضعهم الحالي بقرار اتخذه الرئيس الروسي جوزيف ستالين، إذ أمر عقب هزيمة اليابان بالاستيلاء على الجزر الأربع بالقوة، حيث طُرد السكان اليابانيون، واستوطنها روس، وظلت جزر الكوريل تحت الإدارة الروسية المستمرة منذ عام 1945.
لكن طوكيو لم تعترف بشرعية هذا الضم مطلقًا، كونه حدث بعد استسلام اليابان للولايات المتحدة، وطوال تلك السنين، لم تتمكن أي حكومة يابانية من تقديم أي تنازلات، ونتيجة لذلك، لم تُبرم اليابان والاتحاد السوفيتي معاهدة سلام رسمية لإنهاء الحرب العالمية الثانية حتى الآن.
وازدادت المسألة تعقيدًا بسبب غموض القانون الدولي فيما يتعلق بالمطالبات الإقليمية بالجزر، وفقًا للتحليل، إذ نصت معاهدة سان فرانسيسكو للسلام، الموقعة عام 1951، على أن اليابان تنازلت عن "جزر تشيشيما" فقط، دون الإشارة صراحةً إلى الجزر الأربع المتنازع عليها.
وفي عهد الرئيس فلاديمير بوتين، دارت تكهنات حول صفقات مختلفة، تراوحت بين إعادة الجزيرتين الجنوبيتين إلى حل وسط يمنح اليابان السيادة مع السماح ل روسيا بالبقاء مسؤولة عن الإدارة، وكانت آخر مرة بدا فيها التوصل إلى حل وسط ممكنًا عام 2018،
كان ذلك عندما التقى بوتين برئيس الوزراء الياباني آنذاك شينزو آبي - الذي تم اغتياله فيما بعد- بعد عودته إلى منصبه عام 2012، إذ سعى آبي إلى تحسين العلاقات مع موسكو من خلال بناء علاقة شخصية مع بوتين، وبحلول عام 2017، كانا قد التقيا 20 مرة.
ولا تزال اليابان تدّعي أن الجزر الأربع الواقعة في أقصى الجنوب ليست جزءًا من جزر الكوريل، بل تُشكّل الأراضي الشمالية، وتؤكد كذلك أنه نظرًا لأن الاتحاد السوفيتي لم يكن طرفًا في معاهدة سان فرانسيسكو، فلا يمكن استخدام هذه المعاهدة لتبرير المطالبات الروسية بالجزر.
ويتمثل موقف اليابان في أنها اكتشفت الجزر الأربع وقامت بمسحها قبل وصول روسيا، وأنها أحكمت سيطرتها عليها بشكل فعّال بحلول نهاية القرن التاسع عشر، وأن معاهدة عام 1855 بين اليابان و روسيا أكدت الحدود المتأصلة بين إيتوروفو وجزيرة أوروبو الروسية.
ووفقًا لصحيفة اليابان تايمز، شن الاتحاد السوفيتي هجومًا على اليابان، أغسطس 1945، في انتهاك لمعاهدة الحياد التي لا تزال سارية بين اليابان والاتحاد السوفيتي، واحتلت القوات السوفيتية جميع الجزر الشمالية الأربع من أغسطس إلى 5 سبتمبر 1945.
وبحسب الصحيفة، كان يعيش نحو 17.500 مواطن ياباني في الجزر الأربع، أغسطس 1945، عندما أجبرهم السوفيت على مغادرة أراضيهم، واليوم، لم يتبق منهم سوى نحو 5.000، ويبلغ متوسط أعمارهم 89.8 عامًا، وكانت جزيرة إيتوروفو موطنًا لنحو 3608 من السكان اليابانيين.
بسبب جائحة كوفيد-19 عُلّقت الزيارات التي تنظمها الحكومة عام 2020، التي كانت تتيح لسكان الجزر السابقين وأقاربهم زيارة قبور أجدادهم مباشرةً في الجزر الأربع، ولم تُستأنف منذ بدء روسيا حربها على أوكرانيا، وسط تدهور العلاقات الثنائية.
وبدلًا من ذلك، أقام السكان السابقون مراسم تأبين في عرض البحر، التي بدأت منذ عام 2022، وفي 25 يوليو الماضي، أقام 47 شخصًا، من بينهم ثلاثة من سكان الجزيرة السابقين وأحفادهم وحاكم هوكايدو ناوميتشي سوزوكي، حفلًا على متن سفينة قبالة رأس نوسابو في شرق هوكايدو.
أما بالنسبة ل روسيا فتشكل الجزر أهمية إستراتيجية كبيرة، لما تتمتع به من موقع مميز عند مدخل مناطق تمركز الأسطول الروسي في المحيط الهادئ، بحسب منظمة GIS المتخصصة في التقارير الاستخباراتية والجيوسياسية، إذ أسست روسيا وجودها البحري في المحيط الهادئ لأول مرة.
ويزداد الأمر أهميةً مع سهولة الوصول إلى مقر قيادة الأسطول في فلاديفوستوك، الواقعة على الساحل الغربي لبحر اليابان، إذ يتعين على السفن التي تنطلق في دوريات بالمحيط الهادئ عبور مضيق لا بيروز الضيق، الواقع بين هوكايدو وجزيرة سخالين الروسية، قبل المرور بجزر الكوريل.
وارتبطت معارضة روسيا الشديدة لأي تنازلات إقليمية بشكل متزايد بطموحها لاستعادة مكانتها كقوة عظمى من خلال إعادة تنشيط جيشها، إذ بدأ الكرملين في عسكرة الجزر المتنازع عليها، وتم تزويد القوات المتمركزة في الجزر عام 2015 بنظام صواريخ أرض-جو.
وفي عام 2017، نُشرت كتيبة صواريخ باستيون المضادة للسفن في إيتوروب، وكتيبة صواريخ بال المضادة للسفن في كوناشير، وأعقب هذا الانتشار نشاط إنشائي مكثف في كلتا الجزيرتين، شمل بناء ثكنات لإيواء ما يُقدَّر بنحو 3500 جندي من فرقة المدفعية الرشاشة الـ18.
وفي ديسمبر 2020، عُزِّزت قدرات الدفاع الجوي بنشر بطارية صواريخ إس-300 في إيتوروب، كما كثّفت روسيا أنشطتها العسكرية في جزر تقع شمالًا ضمن سلسلة جزر الكوريل، حيث أُقيمت منصات إطلاق إضافية، علاوة على تشييد مهابط طائرات بجانب مجمعات ثكنات عسكرية واسعة.
ومنذ الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، حظيت جزر الكوريل باهتمام متزايد، وبات السيطرة على سلسلة الجزر لا يوفر ل روسيا مواقع هجومية أمامية بالغة الأهمية فحسب، بل تضمن للجيش الروسي وقواته البحرية والجوية مسارات أكثر أمانًا لجميع معداتها.
ورسمت المنظمة المتخصصة في التقارير الاستخباراتية والجيوسياسية، عدة سيناريوهات تفضي في النهاية لحل النزاع الإقليمي المتوتر بين البلدين منذ خمسينيات القرن الماضي، يتمثل أولها في حصول اليابان على السيادة القانونية على جزر الكوريل.
ويعد ذلك السيناريو الأقل ترجيحًا، إذ إن السبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو انفصال روسيا الاتحادية، ما سيؤدي إلى عزل شرقها الأقصى، وحينها يمكن لليابان أن تتدخل كحامية للأراضي الشمالية التي ستكون في وضع حرج لولا ذلك، إلا أنه يبقى مستبعدًا نظرًا للاعتراضات المتوقعة من القوى الإقليمية الأخرى.
أما السيناريو الأكثر ترجيحًا فيتمثل في انهيار الاتحاد الروسي، الذي سيضع الصين أمام خيار صعب بشأن أفضل السبل لحماية مصالحها، وتختار تعزيز موقفها العسكري ضد اليابان، من خلال حماية المنشآت العسكرية الروسية في جزر الكوريل، بما في ذلك الجزر الشمالية.
السيناريو الأرجح، وفقًا للتحليل، هو أنه مع تزايد التدهور الاقتصادي الذي تواجهه روسيا نتيجة حربها في أوكرانيا، ستصبح تدريجيًا دولة تابعة للصين، وقد تتخذ بكين موقفًا أكثر حزمًا تجاه تايوان، وتشجع تحركات روسية في جزر الكوريل، ونتيجة لذلك، ستحتاج اليابان إلى متانة ضماناتها الأمنية مع الولايات المتحدة.
الأن، تفرض موسكو سيطرتها الكاملة على الجزر الأربعة وتديرها ضمن مقاطعة ساخالين، بينما تتمسك طوكيو بمطالباتها القانونية والتاريخية بها، وتطلق عليها لقب "الأراضي الشمالية"، ما يجعلها واحدة من أبرز الخلافات العالمية على الأراضي، التي باتت دون حل منذ الحرب العالمية الثانية.