في السنوات الأخيرة، أصبحت معدلات الطلاق ترتفع بصورة لافتة، حتى باتت الظاهرة تفرض نفسها بقوة داخل المجتمع، وسط تساؤلات عديدة حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التزايد الملحوظ. وبين ضغوط الحياة اليومية، والتغيرات الاجتماعية، وغياب التأهيل النفسي، يرى متخصصون أن الأزمة لم تعد في الزواج نفسه، بل في الطريقة التي يدخل بها البعض هذه العلاقة دون استعداد حقيقي لتحمل مسؤولياتها.
ويؤكد الدكتور حسين أيمن، اخصائي نفسي، أن كثيرين ما زالوا يتعاملون مع الزواج باعتباره “خطوة اجتماعية حتمية”، بينما هو في الحقيقة مسؤولية نفسية وإنسانية عميقة تحتاج إلى نضج وفهم وقدرة على الاحتواء والتواصل.
وأوضح أن البعض يدخل الحياة الزوجية دون إدراك كافٍ لطبيعة العلاقة، أو لفكرة أن الزواج في الأساس “اختيار” وليس “إجبارًا”، وهو ما يؤدي لاحقًا إلى صدامات متكررة قد تنتهي بالانفصال.
وأشار إلى أن نشأة بعض الفتيات أو الشباب داخل ما يُعرف بـ”بيت العائلة”، حيث تغيب الخصوصية وتختلط الحدود بين الأفراد، قد تؤثر على قدرتهم لاحقًا في بناء حياة مستقلة قائمة على المشاركة وتحمل المسؤولية، موضحًا أن المشكلة لا تكون دائمًا في غياب الحب، بل أحيانًا في غياب الوعي.
وأضاف أن التأهيل النفسي قبل الزواج أصبح ضرورة حقيقية، لأن الحياة الزوجية لا تقوم فقط على المشاعر، وإنما على إدارة الاختلافات، وفهم شخصية الطرف الآخر، وتحمل الضغوط اليومية بصورة صحية.
وأكد أن فترة الخطوبة يجب ألا تقتصر على تبادل الكلمات الرومانسية، بل يجب أن تكون مساحة للتعرف الحقيقي على الطباع المختلفة، وتعلم مهارات الحوار والتفاهم، وكيفية التعامل مع الخلافات دون أن تتحول إلى أزمات.
ولفت إلى أن كثيرًا من الأزواج يصطدمون بعد الزواج بحقيقة أن الشريك ليس نسخة مطابقة لهم، فتبدأ الخلافات نتيجة عدم تقبل الفروق الفردية، وضعف التواصل، وغياب النضج النفسي.
كما أوضح أن المرأة تمر بتغيرات نفسية وجسدية طبيعية تحتاج إلى تفهم ودعم، بينما قد يفسر بعض الرجال هذه التغيرات بصورة خاطئة، ما يؤدي إلى تراكم المشكلات وتصاعد التوتر داخل العلاقة.
وشدد الدكتور حسين أيمن على أن الطلاق ليس دائمًا فشلًا أو شرًا مطلقًا، بل قد يكون أحيانًا نتيجة طبيعية لعدم القدرة على التعايش، لكن الخطر الحقيقي يكمن في الوصول إليه دون محاولات جادة للفهم أو الإصلاح.
وأشار إلى أن ارتفاع نسب الطلاق يعكس حاجة المجتمع إلى نشر ثقافة الوعي الأسري والتأهيل النفسي، خاصة أن الزواج ليس مجرد مناسبة اجتماعية أو احتفال عائلي، بل مشروع حياة يحتاج إلى دراسة وفهم واستعداد نفسي حقيقي.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الزواج الناجح لا يقوم على الحب وحده، وإنما على الوعي والنضج والقدرة على الحوار وتقبل الاختلاف، أما الطلاق، فليس دائمًا نهاية، بل قد يكون أحيانًا بداية لفهم أعمق للحياة وللنفس أيضًا.