ما كان إسماعيل عليه السلام طفلًا تلقَّته الأرض كما تتلقى سائر الأطفال، ثم دفعته الأيام في طريق الرجال، بل كان غرسًا من غراس السماء، تتعاهده عناية الله قطرةً قطرة، حتى ينمو قلبه على عين الوحي، لا على عين الدنيا. وكان الله ـ سبحانه ـ يُعدّه منذ نعومة أظفاره لمشهدٍ تهتز له الإنسانية كلها، مشهدٍ يقف فيه الابن بين يدي أبيه، كما تقف الشاة الوديعة بين يدي الذابح، فلا يضطرب له جفن، ولا ترتعد له روح، لأنه يرى وراء السكين وجه الأمر الإلهي.
وما أعظم الفرق بين من يرى السكين، ومن يرى الآمر بالسكين!
لقد بدأ إعداد إسماعيل قبل أن يفقه الكلمات، يوم حمله أبوه إلى وادٍ موحش، كأن الأرض قد نفضت يدها منه، فلا ماء يترقرق، ولا شجر يورق، ولا حياة إلا ذلك الصمت الثقيل الذي يخيم على الصحارى كأنه ليلٌ لا ينقضي.
هناك ترك إبراهيم فلذة كبده مع أمه، ثم انصرف وقلبه يلتفت وراءه التفات الطائر الجريح إلى فرخه الصغير. وما كان أشقّها من خطوات! كأن كل خطوةٍ كانت تنتزع عرقًا من قلبه. حتى إذا سألته هاجر: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم.
فهدأت النفس، وسكن الروع، لأن القلوب إذا سمعت اسم الله ذابت مخاوفها كما تذوب قطع الثلج تحت شمس الربيع.
وفي تلك الصحراء نشأ إسماعيل..
نشأ والريح تعصف حوله كأنها تُلقنه منذ طفولته أن الحياة ليست مهدًا من حرير، بل طريقٌ من أشواك الصبر. وكان يرى السراب يمتد في الفلاة كأنه نهرٌ هارب من عيون العطاش، فيتعلم منذ صباه أن الدنيا كثيرًا ما تخدع الأبصار، وأن الحقيقة الكبرى ليست فيما تراه العين، بل فيما يثبته اليقين في القلب.
ثم فجّر الله زمزم تحت قدميه الصغيرتين، فكأن الرحمة الإلهية شقّت صدر الصحراء اليابسة، وأخرجت من قلب الموت نبع الحياة. ومن يومها تعلّم إسماعيل أن الفرج لا يولد من الأسباب، بل يولد من رحمة الله حين تنقطع الأسباب.
وكبر الغلام، حتى صار يمشي إلى جوار أبيه، كالغصن النديّ إلى جوار الشجرة العتيقة. وكان إبراهيم إذا نظر إليه رأى في وجهه شيخوخته المزهرة، ورأى فيه الدعوة التي طالما سألها ربّه بدموع الانتظار.
ثم جاء البلاء..
آهٍ لذلك البلاء!
رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه. ولم تكن رؤيا الأنبياء ظلال أحلامٍ عابرة، بل كانت أمرًا إلهيًّا ينزل على القلب نزول القدر المحتوم.
أي قلبٍ احتمل تلك اللحظة؟
أي أبٍ يستطيع أن يحمل بيده السكين إلى عنق ابنه الذي طالما ضمه إلى صدره؟
لقد كان الأمر كأن التكليف الإلهي قد وضع في قلب إبراهيم نارًا لا تنطفئ، ثم قال له: سر بها وحدك.
ومع ذلك مضى، لأن الأرواح الكبيرة تعرف أن أوامر الله فوق حنين القلوب، وأن المحبة الحقيقية لله لا تكتمل حتى يُقدَّم بين يديها كل محبوب.
ثم وقف أمام ولده يحدثه حديثًا تقطر حروفه ألمًا وإيمانًا:
﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾
ولم يُتم الجملة حتى ارتجفت الإنسانية كلها في ذلك المشهد، كأن الزمان توقف ينتظر جواب الغلام.
وكان يمكن لإسماعيل أن يبكي، أن يتعلق بثياب الحياة، أن يفرّ كما يفرّ العصفور من مخالب الصقر، لكنه كان قد تربّى طويلًا في مدرسة التسليم. لقد هذّبت المحن قلبه حتى صار صافيًا كالمرآة، لا يعكس إلا أمر الله.
فقال في سكينة المؤمن الذي ألقى نفسه في بحر اليقين:
﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾
ما هذه الكلمات؟
أهي كلمات غلام؟ أم هي نداء روحٍ بلغت من الصفاء مبلغًا لم تعد ترى معه الألم ألمًا، ولا الموت موتًا، ما دام الطريق ينتهي إلى رضوان الله؟
لقد خرجت العبارة من فمه هادئةً، ولكنها هزّت أركان الدنيا. كانت كالماء البارد ينزل على قلب إبراهيم الملتهب، وكالنور يشرق في ظلام الابتلاء.
"افعل ما تؤمر"
لم يقل: افعل ما تريد
لأنه أدرك أن القضية ليست رغبة أبٍ، بل أمر ربّ. ولم ينظر إلى السكين، بل نظر إلى الإرادة التي أمرت بالسكين.
وهكذا يبلغ الإنسان ذروة العبودية؛ حين يصبح قلبه مستسلمًا لله استسلام الورقة اليابسة للريح، لا تعترض على الطريق، ولا تسأل إلى أين تمضي، لأنها تعلم أن الذي يحركها حكيم.
ثم مضى الأب بابنه إلى موضع الذبح، والكون كله يكاد يبكي. الجبال الصامتة كانت كأنها تخفي أنينًا في أعماقها، والريح تمرّ بطيئةً كأنها تخشى أن توقظ الفاجعة، والسكين تلمع تحت الشمس كأنها برقٌ تجمّد في قطعة حديد.
ووضع إبراهيم ابنه على الأرض، ذلك الابن الذي طالما حمله صغيرًا بين ذراعيه، ثم أهوى بالسكين..
لكن رحمة الله تأبى أن تُذْبَح القلوب التي نجحت في الامتحان..
فما إن اكتمل التسليم، حتى جاء الفداء من عند الله، كأن الرحمة الإلهية قد فتحت أبوابها فجأة، فأغرقت الكون كله نورًا وطمأنينة.
ومن يومها لم يعد إسماعيل مجرد غلامٍ نجا من الذبح، بل صار رمزًا خالدًا للعبد الذي انتصر على نفسه، فلم يعد يملكها، بل سلّمها كاملةً لله
ولذلك لم يكن عجيبًا أن يختاره الله بعد ذلك ليشارك أباه في بناء البيت العتيق.
فالكعبة لم تُبنَ بالحجارة وحدها، بل بقلوبٍ صهرتها الطاعة حتى صارت أصلب من الصخور. ولم يكن يليق أن يرفع قواعدها قلبٌ ما يزال متعلقًا بالدنيا، خائفًا على نفسه، مترددًا بين أمر الله وهوى الحياة.
إن القلوب التي استسلمت للسكين، هي نفسها التي ارتفعت تحمل حجارة البيت الحرام.
وكأن الله سبحانه أراد أن يعلّم البشرية كلها أن بيوت الإيمان لا يبنيها إلا الذين قالوا بصدق: افعل ما تؤمر.
ولهذا بقي الحج إلى يوم القيامة رحلةً كبرى لتعليم الناس معنى التسليم.
فالحاج يخلع ثيابه كما تخلع الروح زخارف الدنيا، ويترك وراءه وطنه وماله وأهله، ثم يمضي ملبّيًا: "لبيك اللهم لبيك"، كأنه يردد صدى تلك الكلمة القديمة التي قالها إسماعيل يوم الذبح: افعل ما تؤمر.
فالحج ليس انتقال جسدٍ إلى مكة، بل انتقال قلبٍ من هوى النفس إلى مراد الله.
ومن لم يتعلم في الحج أن يسلّم قلبه لله كما سلّمه إسماعيل، فما ذاق من الحج إلا عناء السفر، وما اقترب من سرّ البيت العتيق الذي بناه المستسلمون لله وحده.