في زمنٍ يتسارع فيه حضور الذكاء الإصطناعى داخل مختلف مجالات المعرفة، تطرح ترجمة النصوص الفلسفية سؤالا جوهريا: هل يمكن للآلة أن تنقل الفكر، أم أنها تكتفي بنقل الكلمات؟، من هنا حرصت على المشاركة فى صالون الترجمة بالمركز القومى للترجمة وبين صرامة الفكر وخوارزميات الآلة، لقد سعدت وتشرفت بالمشاركة فى ذلك الصالون تحت عنوان: "ترجمة الفلسفة في ظل هيمنة الذكاء الاصطناعي"، وذلك تحت رعاية د.جيهان زكى وزيرة الثقافة وفي إطار توجهات وزارة الثقافة لدعم الحوار الفكري ومواكبة تطورات مجالات المعرفة.
وقد شارك في الصالون ا.د.كرم عباس، ا.مارك مجدي، د.مايكل مدحت، وأدار اللقاء ا.د. أنور مغيث، بحضور ا.د.محمد نصر الجبالى، وفى هذا المقال أحاول توثيق ما إستوعبته متضمنا وجهة نظرى فى هذه القضية، فالنص الفلسفي لا يقوم على المعنى المباشر، بل يتأسس على طبقات من الدلالة، وسياقات تاريخية، ومفاهيم تتشكل داخل منظومات فكرية معقدة، وهو ما يجعل ترجمته فعلًا تأويليا بإمتياز، لا مجرد عملية لغوية، وأتاح الذكاء الإصطناعى أدوات سريعة ودقيقة نسبيا في التعامل مع النصوص، ونجح في تقليص المسافات بين اللغات، لكنه ما زال يفتقر إلى الحس الفلسفي الذي يدرك الفروق الدقيقة بين مفهوم وآخر، أو يستوعب الخلفيات المعرفية التي تشكّل بنية النص، فترجمة مصطلح فلسفي واحد قد تستدعي معرفة بتاريخ الفلسفة، ومدارسها، وتحولاتها، وهو ما لا يتوفر للآلة إلا في حدود البيانات التي دُرّبت عليها، على الجانب الآخر، لا يمكن إنكار أن الذكاء الإصطناعى أصبح شريكا مهما للمترجم، يختصر الوقت، ويقترح بدائل، ويفتح أفقا أوسع للمقارنة بين الترجمات، غير أن الخطورة تكمن في الإعتماد الكلي عليه، بما قد يؤدي إلى تسطيح النصوص الفلسفية، وفقدان خصوصيتها، وتحويلها إلى عبارات ملساء خالية من التوتر المعرفي الذي يميزها، وبشكل شخصى وإضافة لما تم طرحه بالصالون لعل المثال الأبرز يتمثل في ترجمة مصطلح "Being" عند هايدغر؛ فالترجمة الآلية قد تكتفي بكلمة "الوجود"، بينما يدرك المترجم الفلسفي أن المصطلح يحمل حمولة أنطولوجية دقيقة تختلف عن "existence"، وقد يختار مقابلات مثل "الكينونة" أو "الوجود من حيث هو"، تبعا للسياق.
كذلك الحال مع مفهوم "Dasein" الذي لا يمكن إختزاله في "الإنسان" أو "الوجود-هنا"، بل يحتاج إلى شرح وتأويل يراعي المشروع الفلسفي الكامل، وأضيف لما تم طرحه مثالا آخر في ترجمة مفهوم "Deconstruction" لدى دريدا؛ إذ قد تترجمه الآلة إلى "تفكيك"، وهو مقابل شائع، لكنه لا ينقل دائما البعد الإجرائي والنقدي المركّب الذي قصده دريدا، ما لم يُدعَّم بسياق شارح يوضّح آلياته وحدوده، حقا إن هذا الصالون المتميز الذى سعدت بتواجدى به أثار لدى تساؤلات وأفكار كثيرة ولكن تظل قناعتى أن ترجمة الفلسفة في هذا السياق تظل مسؤولية إنسانية في المقام الأول، حيث يتداخل الفهم بالتأويل، والمعرفة بالخبرة، فالآلة قد تساعد، لكنها لا تستطيع أن تحل محل العقل القادر على مساءلة النص، وإعادة إنتاجه داخل ثقافة جديدة دون أن يفقد روحه، وللحديث بقية إن شاء الله.
للتواصل مع الكاتب من خلال هذا الإيميل [email protected]