لن ينال الله من الأضحية لحومها ولا من دمائها، إنما فضل من الله على من أحبه، فكان السبيل لتحريره من عبوديته للمال، وكذلك كانت مشيئة المولى تعالى لاستجابة أبى الأنبياء للرؤيا، وأرادت الحكمة الإلهية أن التعلق لا يكون إلا بالله وحده دون سواه من ولد أو مال، وحتى تصبح سيرة الذبيح نبراسًا إلى يوم الدين تهدى كل من يتوق إلى حرية الملائكة والنفوس الطاهرة.
لم يمهل أبو الأنبياء لنفسه الاختيار بين تلبية الأمر الإلهى وبين الانكسار بين يدى خالقه ليرفع عنه هذا البلاء، ولبّى النبى الأواه نداء ربه مُسلّمًا أمره إليه، رغم ما انطوت عليه نفسه من ألم الفراق، ويتبع الإبن نهج أبيه، ويقول بصوت مطمئن افعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين، ويكون الجزاء من جنس جلال الإيمان واليقين بالمولى، وفى ذلك يقول الله تعالى: "وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الآخِرِينَ، سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ"، ويردد الله فى آياته قوله كذلك نجزى المحسنين إشارة لرفعة منزلة النبى وابنه إسماعيل.
ورؤيا الذبح ابتلاء، فقد سبق الرؤيا أمر إلهى بوقف التنفيذ، والإنسان مكرم عند الله على جميع مخلوقاته، و الذبح نعمة اختص بها الإنسان لينال لحومها، وسبق امتثال إبراهيم بالرؤيا يقينه مع أول خطوات رسالته، وحين جاءه جبريل عليه السلام يسأله: ألك حاجة وهو يلقى فى النار؟ ويجيب أبو الأنبياء فى لحظة فارقة: أما إليك فلا وأما إلى الله فحسبى الله ونعم الوكيل، ويضحى فى هذا الموقف الجلل بكل ما يثنى عزيمته عن تمام اليقين بوجود الخالق بجواره.
والتضحية تحرر من عبودية الشهوات والهوى، وتطهير النفس من الشح، ويحل احتفال المسلمين بعيد الأضحى تتويجًا لنجاة إسماعيل، واحتفاء باستجابة النبى الأواه للأمر الإلهى مهما كان وقعه على النفس، ولكى ينال الفقراء والمساكين فرحة الإطعام، ويشهد المسلمون فى أنحاء المعمورة دماء الأضاحى تطهر أوزار كانت الأرض شاهدة عليها.
ومن الآباء من يضحى بنفسه لإسعاد أبنائهم لوجه الله تعالى، وهذا يضحى بناء على دافع غريزى عاطفى، وهناك من يضحى فى سبيل مبادئ شتى.. لكن تضحية إبراهيم تبقى متميزة عن سائر نظائرها، والتضحية فى سيرة أبى الأنبياء سلسلة طويلة لا تقف على الذبح ، ويشهدها حجاج بيت الله الحرام الذين يؤدون مناسك الحج ، يتذكرون فيه جانبا آخر من تضحيات إبراهيم، حينما استجاب لأمر الله تعالى تاركا ابنه الوحيد وزوجته فى تلك البقعة القاحلة، التى لا زرع فيها ولا ماء ولا أنيس.