في قلب القاهرة المزدحمة، لا يقتصر المشهد اليومي على الازدحام المروري وضجيج الحياة، بل تمتد الصورة إلى ظاهرة باتت أكثر حضورًا في السنوات الأخيرة: كلاب الشوارع التي تنتشر في عدد من الأحياء السكنية، لتتحول من مشهد عابر إلى ملف يثير نقاشًا متصاعدًا حول الصحة العامة وإدارة المدن.

ظاهرة تتسع على أرض الواقع
في مناطق متعددة مثل عين شمس، المرج، بولاق الدكرور، وأطراف المدن الجديدة، يرصد السكان تزايدًا ملحوظًا في أعداد الكلاب الضالة، خاصة خلال الليل والصباح الباكر، حيث تتحرك في مجموعات بحثًا عن الطعام.
ويقول سكان إن الظاهرة أصبحت جزءًا من المشهد اليومي، ما دفع بعض الأسر إلى تغيير عاداتها، خصوصًا فيما يتعلق بخروج الأطفال أو العودة في ساعات متأخرة.
شهادات ميدانية: بين الخوف والتعايش
تقول "مروة. س"، من سكان شرق القاهرة:
"بقينا نتعود نبص حواليينا كويس قبل ما ننزل، خصوصًا بالليل.. الموضوع مش خوف مبالغ فيه، لكن احتياط".
بينما يرى "خالد. أ"، سائق، أن الأزمة مرتبطة بالبنية الأساسية: "طالما القمامة موجودة بالشكل ده، طبيعي نشوف كلب الشارع بيعيش ويكتر".

البعد الصحي: مخاطر قائمة وإن كانت محدودة
يحذر أطباء بيطريون من أن الكلاب الضالة قد تحمل أمراضًا مشتركة مثل داء الكلب، مؤكدين أن الخطر لا يكمن فقط في الانتشار، بل في غياب منظومة شاملة للتطعيم والمتابعة.
ويشير أحد الأطباء إلى أن "الوعي المجتمعي مهم، لكن الأهم هو وجود برنامج مستمر للتطعيم والتعقيم، وليس حملات موسمية متقطعة".
جذور الأزمة: القمامة وإدارة المخلفات
يرى خبراء البيئة أن السبب الرئيسي لاستمرار الظاهرة يعود إلى منظومة إدارة المخلفات، حيث توفر القمامة المكشوفة مصدر غذاء دائمًا للحيوانات الضالة.
ويؤكد خبير بيئي أن "أي معالجة لا تبدأ من إصلاح منظومة النظافة ستظل حلولًا جزئية لا توقف النمو الطبيعي للظاهرة".

غياب الإحصاءات الدقيقة
رغم تصاعد النقاش المجتمعي، لا توجد أرقام رسمية حديثة معلنة توضح الحجم الحقيقي للكلاب الضالة في القاهرة الكبرى، وهو ما يصفه مختصون بأنه "فراغ معلوماتي" يعيق وضع خطة علمية دقيقة.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن الأعداد في تزايد تدريجي، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية وضعف الخدمات.
الجهود الحالية: خطوات قائمة ولكن غير كافية
تعمل جهات بيطرية على تنفيذ حملات تطعيم ضد الأمراض المشتركة، إلى جانب تطبيق برامج "التعقيم والإطلاق" في بعض المناطق، وهي سياسة تهدف إلى تقليل التكاثر بدلًا من الإزالة الكاملة.
لكن هذه الجهود، بحسب مختصين، ما تزال محدودة من حيث التغطية والاستمرارية، ولا تتناسب مع اتساع نطاق الظاهرة.
مقارنة دولية: ماذا تفعل مدن أخرى؟
في مدن مثل إسطنبول، تعتمد السلطات على برامج طويلة الأمد تجمع بين التعقيم، والرعاية البيطرية، وإدارة الإطعام في مناطق محددة، ما ساعد على تقليل المخاطر دون القضاء الكامل على الحيوانات.
وفي نيودلهي، تم تطبيق برامج تطعيم موسعة ضد داء الكلب، إلى جانب تسجيل الحيوانات ومتابعتها ميدانيًا، وهو ما ساهم في تقليل الإصابات البشرية بشكل ملحوظ.
ويرى خبراء أن الاستفادة من هذه التجارب قد يكون خطوة مهمة في تطوير النموذج المحلي، مع مراعاة اختلاف البنية السكانية والبيئية.
سيناريوهات مستقبلية
يحذر مختصون من أن استمرار الوضع الحالي دون تدخل شامل قد يؤدي إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة:
زيادة تدريجية في أعداد الكلاب الضالة داخل المدن.
ارتفاع حالات العقر في بعض المناطق الأكثر كثافة.
استمرار الضغط المجتمعي دون حلول مستدامة.
في المقابل، يشيرون إلى أن تبني استراتيجية متكاملة قد يقود إلى:
استقرار تدريجي في الأعداد.
انخفاض المخاطر الصحية.
تحسين جودة البيئة الحضرية بشكل عام.
خاتمة
تبقى كلاب الشوارع في القاهرة أكثر من مجرد ظاهرة بيئية، فهي مرآة لتداخل عناصر متعددة: من إدارة المخلفات إلى التخطيط الحضري والصحة العامة. وبين الواقع الحالي والتجارب الدولية، يظل السؤال مفتوحًا: هل تتجه المدينة إلى إدارة مستدامة للظاهرة، أم تستمر في التعامل معها كأزمة طارئة تتكرر كل يوم؟