كشفت نتائج استطلاع للرأي أن 71 بالمئة من الإسرائيليين يعانون من ضغوط نفسية حادة منذ العام الماضي، في مؤشرٍ صارخ على تفاقم الأزمة النفسية داخل بيئات العمل، وسط موجة متصاعدة من الضغوط الاقتصادية والتوترات الأمنية المتواصلة وحالة عدم اليقين التي طال أمدها.
وأجرت مجموعة "جيوكارتوغرافي" للبحوث الاستطلاع بتكليف من علامة "ماي باتش" للعلاجات الطبيعية، وأظهرت نتائجه حجم المعاناة التي يتعرض لها الإسرائيليون منذ العام المنصرم؛ إذ تركزت بصورة لافتة لدى النساء، والمنتمين إلى الشريحة العمرية بين 35 و54 عامًا.
ووفقًا لشانا شيرا أميئيل، كبيرة أخصائيي الطب الطبيعي في شركة "ماي باتش"، جاء الوضع الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة في مقدمة أسباب التوتر، إذ أشار إليهما نحو 68% من المُستطلَعين، في حين احتلَّ الوضع الأمني المرتبة الثانية بنسبة 61%.
والأكثر إثارةً للقلق أن ثلثي المُستطلَعين - أي 66% منهم - أفادوا بتراجع ملحوظ في جودة نومهم مقارنةً بالسنوات الماضية، وهي نسبة ترتفع إلى 76% في صفوف من يعانون التوتر تحديدًا. بل إن أكثر من نصف هؤلاء ربطوا مشكلات نومهم مباشرةً بالقلق والضغط النفسي.
وأضافت أميئيل: "على مدار العام، لاحظنا تزايدًا ملحوظًا في عدد الشركات التي تطلب لصقاتنا لموظفيها، ولا سيما لصقات تخفيف التوتر ولصقات تحسين النوم، وذلك انطلاقًا من رغبة حقيقية لدى أصحاب العمل في دعم كوادرهم البشرية في هذه الأوقات العصيبة."
وأمام هذا الواقع الضاغط، بدأت بعض الشركات منذ فترة في إعادة النظر في مفهوم الرعاية الوظيفية بعد أن أثبتت الفوضى النفسية السائدة فشلَ النماذج التقليدية القائمة على المكافآت الترفيهية السطحية.
وتقول إينبار رودف-شالوم، مديرة الموارد البشرية في شركة "مافينز: "تروِج شركة مافينز لأهمية صحة الموظفين ورفاهيتهم النفسية منذ سنوات، إدراكًا منها بأن العافية الوظيفية تتجاوز بكثير حفلات المكتب وخدمات التغذية المقدمة فيه. وقد حرصنا على الاستثمار باستمرار في مبادرات تدعم الصحة الجسدية والنفسية معًا، انطلاقًا من قناعتنا بأن الموظف المعافى ركيزةٌ أساسية لبيئة عمل صحية."
وأوضحت أن هذه الجهود تشمل التأمين الصحي الشامل، واستشارات الطب الطبيعي المدعومة، وحصص اليوغا، وورش العلاج بالصوت، فضلًا عن دعم الموظفين الذين يواجهون تحديات نفسية أو صحية، بما في ذلك تمويل الرعاية المهنية الخاصة حين تستدعي الحاجة دعمًا إضافيًّا.
كما أطلقت الشركة ما باتت تُعرف بـ"أيام إعادة الشحن" الفصلية، حيث يتوقف جميع الموظفين عن العمل في عطلة نهاية أسبوع مطوَّلة بعيداً تماماً عن البريد الإلكتروني والمكالمات، إلى جانب "أيام التركيز" الخالية من الاجتماعات، لإتاحة العمل دون انقطاع أو تشتيت.
وقالت جافريئيلي شوارتز: "الأهم من كل ذلك أننا ندرِّب مديرينا على إجراء محادثات إنسانية رفيعة المستوى، وعلى استشعار معاناة الموظف أحياناً قبل أن يفصح عنها بنفسه. فدعم موظفينا عاطفياً، بالنسبة لنا، جزءٌ لا يتجزأ من معنى أن تكون صاحب عمل حقيقياً."
غير أن ثمة من يرى أن ما تبذله الشركات لا يزال دون مستوى حجم الأزمة الفعلية. فمن جهته، أكد نيتسان رون، الرئيس التنفيذي لشركة "موست وونتد" للبحث عن الكفاءات التنفيذية، أن هذا التحول يعكس تغيُّراً جوهرياً في المعايير التي يقيم بها الموظفون والكفاءات الرفيعة بيئاتِ عملهم.
وقال رون: "ولَّت إلى غير رجعة تلك الحقبة التي كانت تُقاس فيها رفاهية الموظف بحفلات المكتب وثلاجات الآيس كريم المكتظة. فعلى خلفية الواقع الإسرائيلي المعقَّد والتوترات المتواصلة، فإن المؤسسات وفرق القيادة التي تُخفق في تقديم الصحة النفسية والعاطفية لموظفيها أولويةً خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2027، لن تصمد ببساطة."
وحذَّر من أن الشركات العاجزة عن بناء هذه المنظومة الداعمة تُخاطر بخسارة كفاءاتها الجوهرية في سوق تشتد فيه المنافسة يوماً بعد يوم، مُختتماً بالقول: "الشركات التي تفشل في إرساء هذا الإطار الشامل والقيادة بالتعاطف، ستخسر ببساطة أبرز مواهبها لصالح المنافسين."
تكشف هذه الأرقام عن أزمة هيكلية أعمق تطال بنية المجتمع والاقتصاد الإسرائيلي برمَّته، في وقت لا تزال فيه الحلول المُقترَحة تعالج الأعراض دون أن تمسَّ جذور الأزمة الحقيقية.