«الدعم» كان مسار حديث للدكتور مصطفي مدبولي رئيس الوزراء في المؤتمر الصحفي الأسبوعي الأخير، أكد خلاله أن الدولة لا تستهدف تقليله، بل كل هَمّها هو كفاءة توزيعه ووصوله إلي مستحقيه، وأن الدولة تستهدف التحول إلي الدعم النقدي العام المقبل وكان قد سبق حديث الدكتور مدبولي ، مقال لوزير التموين نشر في الصحف عن الدعم النقدي، وهذا أمر بالضرورة يتزامن معه كلما استجد حديثًا متوجسًا وآخر غاضبًا وثالث متخوفًا، وهو ما يجعلني أقول وأنا أكتب عنه: «والله علي ما أقول شهيد».
مسألة « الدعم »، مسألة شائكة، ونحن كصحفيين وإعلاميين، ليست مهمتنا أن نكون أبواقًا، ولا محرضين، بل أن نكون «بوصلة»، تذكر بضرورة وأهمية الدراسة الجيدة من كافة النواحي، لأننا نقف أمام لحظة فارقة، إما أن نحول الدعم إلي أداة تمكين حقيقية، أو نجعله «مغامرة».
«الدعم» أداة اقتصادية تحتمل الخير والشر، إذا نفذت بآليات جامدة، فقد تؤدي إلي الضغط علي الطبقات المتوسطة والفقيرة تحت وطأة الغلاء، أما إذا نُفذت برؤية إنسانية، مع ضمانات ربط التضخم، ودعم الإنتاج، وحماية السلع الاستراتيجية، فقد تكون هي السبيل لتحقيق «عدالة توزيعية» أكثر كفاءة، ويتحقق الهدف الذي تحدث عنه الدكتور مدبولي وهو «الوصل إلي المستحقين الحقيقيين»..
لقد ارتبط الدعم في الوجدان المصري دائمًا بفكرة الحماية، فالمواطن لم ينظر إلي رغيف الخبز المدعم أو السلع التموينية باعتبارها مجرد منفعة اقتصادية، وإنما باعتبارها أحد أدوار الدولة الأساسية في مساندة الفئات الأقل قدرة علي مواجهة أعباء الحياة وتقلبات الأسعار، ولهذا ظل الدعم يحمل قيمة اجتماعية تتجاوز قيمته المالية المباشرة.
ومن هنا جاءت حساسية هذا الملف في أي عملية إصلاح اقتصادي، فالقضية لا تتعلق فقط بإعادة توزيع الموارد أو ترشيد الإنفاق ، وإنما تتعلق أيضًا بشكل الضمانات التي يشعر المواطن بوجودها في حياته اليومية،أنا معاك أنه من من الناحية النظرية، تبدو فكرة الدعم النقدي جذابة ومنطقية، فبدلًا من أن تحدد الدولة للمواطن نوع السلع التي يحصل عليها، تمنحه مبلغًا ماليًا يتيح له اختيار احتياجاته بنفسه، فقد تحتاج أسرة إلي توجيه جزء من هذا الدعم للعلاج، بينما تري أسرة أخري أن التعليم أو متطلبات المعيشة الأخري أكثر أولوية، وهذه المرونة تعد من أهم مزايا الدعم النقدي، ولذلك اتجهت إليه دول عديدة حول العالم، كما أنه يساعد في تقليل تكاليف التخزين والنقل والتوزيع، ويحد من بعض صور الهدر التي قد تصاحب نظم الدعم العيني التقليدية.
لكن يا صديقي التطبيق العملي يختلف أحيانًا عن الحسابات النظرية، فنجاح الدعم النقدي لا يعتمد فقط علي تحويل الأموال إلي المستفيدين، وإنما علي البيئة الاقتصادية المحيطة، وهناك فرق كبير بين تقديم دعم نقدي في اقتصاد مستقر نسبيًا من حيث الأسعار، وبين تطبيقه في اقتصاد تتغير فيه الأسعار بوتيرة سريعة، وهنا تبرز القضية الأساسية.
ف الدعم النقدي لا يوفر السلع بشكل مباشر، بل يمنح المواطن القدرة علي شرائها، وإذا تراجعت القوة الشرائية للنقود بسبب التضخم، فإن قيمة الدعم الفعلية تنخفض حتي لو بقيت قيمته المالية كما هي، لهذا السبب، يعد الحفاظ علي القوة الشرائية للدعم أحد أهم شروط نجاح أي منظومة للدعم النقدي، فالمواطن لا يقيس الدعم بعدد الجنيهات التي يحصل عليها، وإنما بما يستطيع أن يشتريه بهذه الجنيهات.
والأمر لا يرتبط بالتضخم وحده، فهناك جانب اجتماعي مهم يتعلق بطبيعة المجتمع المصري نفسه، ف الدعم العيني، وخاصة دعم الخبز ، لا يؤدي وظيفة اقتصادية فقط، بل يمنح المواطنين قدرًا من الاطمئنان والاستقرار، فالمواطن يعرف أن احتياجات أساسية معينة ستظل متاحة له بغض النظر عن ظروف السوق وتقلبات الأسعار، ولهذا لا تزال دول كثيرة تحتفظ بأشكال مختلفة من الدعم العيني حتي مع توسعها في برامج الدعم النقدي، فبعض السلع ترتبط ب الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي بقدر ارتباطها بالجانب الاقتصادي، وفي مصر، يحتل الخبز مكانة خاصة في هذه المعادلة، فهو ليس مجرد سلعة غذائية، بل عنصر أساسي في حياة ملايين الأسر، وجزء من منظومة الأمن الغذائي الوطني، لذلك تبدو فكرة الإبقاء علي دعم الخبز ضمن أي تصور مستقبلي مسألة تستحق دراسة متأنية.
وفي المقابل، وللأمانة المهنية لا يمكن تجاهل التحديات التي تواجهها منظومة الدعم العيني، فتكلفتها المالية كبيرة، كما أن تطوير آليات الاستهداف وضمان وصول الدعم إلي المستحقين يظل تحديًا مستمرًا يتطلب تحديثًا دائمًا للبيانات وتحسينًا لأساليب الإدارة والرقابة، وخلال السنوات الماضية، حققت الدولة تقدمًا ملحوظًا في هذا المجال من خلال تحديث قواعد البيانات والتوسع في الرقمنة وتحسين نظم المتابعة، وهو ما أتاح قدرة أكبر علي تحديد المستفيدين ومراجعة استحقاقهم للدعم.
طيب نعمل إيه.. نقدي ولا عيني؟! في الحقيقة التطورات الأخيرة فتحت الباب أمام حلول أكثر مرونة من فكرة الاختيار بين نظامين متعارضين وهي - حلول كثر الحديث عنها -، فبدلًا من النظر إلي الدعم النقدي و الدعم العيني باعتبارهما خيارين متنافسين، يمكن التفكير في نموذج يجمع بين مزايا الاثنين، بمعني الإبقاء علي الدعم العيني للسلع الأساسية ذات الحساسية الاجتماعية المرتفعة، مع التوسع في الدعم النقدي الموجه للفئات الأكثر احتياجًا وفق معايير واضحة ودقيقة، مثل هذا النموذج قد يوفر توازنًا معقولًا بين الكفاءة الاقتصادية والحماية الاجتماعية، ويمنح الدولة مساحة أكبر لتوجيه مواردها بكفاءة دون الإضرار بالفئات المستحقة.
لكن وللعلم، نجاح أي نموذج للدعم يظل مرتبطًا بعامل مهم آخر، وهو كفاءة الأسواق، فإذا كان المواطن سيحصل علي جزء من الدعم في صورة نقدية، فإن الأسواق تصبح شريكًا مباشرًا في نجاح المنظومة، فكلما زادت المنافسة والشفافية وتراجعت الممارسات الاحتكارية، ازدادت قدرة الدعم النقدي علي تحقيق أهدافه الحقيقية، أما إذا كانت الأسواق تعاني من تشوهات أو ممارسات غير منضبطة، فقد تتآكل قيمة الدعم قبل أن تصل فائدته الكاملة إلي المواطن، علشان كده تطوير منظومة الدعم لازم يتزامن معه تعزيز الرقابة علي الأسواق، وتشجيع المنافسة، وزيادة الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، حتي تتحقق الاستفادة القصوي من أي إصلاحات يتم تطبيقها، ومن المهم أيضًا النظر إلي الدعم باعتباره جزءًا من منظومة تنموية أشمل.
يجب أن نعلم أيضا أن الدعم يخفف أعباء المعيشة ويحمي الفئات الأكثر احتياجًا، لكنه لا يمثل وحده حلًا دائمًا لمشكلة الفقر أو انخفاض الدخل، فالحل الحقيقي يبدأ عندما يمتلك المواطن فرصة عمل مستقرة ودخلًا كافيًا يتيح له تحسين مستوي معيشته والاعتماد بدرجة أقل علي المساعدات و الدعم مع مرور الوقت، لذلك لا يقاس نجاح سياسات الدعم فقط بعدد المستفيدين بل أيضًا بعدد من تمكنوا من تحسين أوضاعهم الاقتصادية والخروج تدريجيًا من دائرة الاحتياج بفضل فرص العمل والاستثمار والتنمية.
ولنا يا سادة في تجارب الدول الأخري أسوة وعبرة، فالتجارب الدولية الناجحة تؤكد أن تقليل الاعتماد علي الدعم لم يتحقق من خلال خفض الإنفاق الاجتماعي فقط، وإنما من خلال توسيع النشاط الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتحسين التعليم والتدريب، ورفع إنتاجية الاقتصاد بشكل عام، لذلك فإن الحديث عن مستقبل الدعم في مصر لا يمكن فصله عن الحديث عن التنمية والإنتاج والاستثمار والتشغيل، فكلما توسعت قاعدة الاقتصاد وارتفعت مستويات الدخل، تراجعت الحاجة إلي الدعم بوصفه أداة للحماية، وأصبح أكثر تركيزًا علي الفئات التي تحتاجه بالفعل.
الهدف في النهاية ليس الانتصار لنوع معين من الدعم، بل تحقيق أفضل حماية ممكنة للمواطن، مع الحفاظ علي قدرة الدولة علي الاستمرار في أداء دورها التنموي، وإذا كان الإصلاح الاقتصادي يستهدف بناء اقتصاد أكثر كفاءة وقدرة علي النمو، فإن العدالة الاجتماعية تستهدف بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستقرارًا، ويبقي التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين هذين الهدفين في الوقت نفسه، وعندما يتحقق هذا التوازن ، لن يكون السؤال : كم تنفق الدولة علي الدعم ؟ بل: ما الأثر الذي حققه هذا الدعم في حياة الناس؟ وإلي أي مدي ساهم في تعزيز قدرتهم علي العمل والإنتاج وتحسين ظروفهم المعيشية والمشاركة في بناء المستقبل؟ عندها فقط يمكن القول إن منظومة الدعم نجحت في أداء رسالتها، ليس باعتبارها بندًا من بنود الإنفاق، بل باعتبارها استثمارًا في الإنسان وفي استقرار المجتمع وقدرته علي التقدم.