شهد القصر الرئاسي فى الأسبوع الماضي زيارتين فى غاية الأهمية، الأولى كانت زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ، والثانية زيارة الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي ، هاتان الزيارتان جاءتا فى توقيت ذي دلالة مهمة تزامن مع أحداث وتصريحات وتحركات سياسية مهمة تماست مع «أقليم أرض الصومال»، لذلك فإن هذا النوع من الزيارات وخاصة عندما تكون على المستوى الرئاسي لا تُعد مجرد بروتوكولات عابرة، بل هي نبض حي يكشف عن اتجاهات بوصلة الدول فى أوقات التحول.
حينما استقبلت القاهرة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، وتلا ذلك بأيام استقبال الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي، لم يكن المشهد عادياً، لقد كان انعكاساً لسياسة خارجية مصرية بلغت مرحلة النضج فى قراءة الجغرافيا السياسية، والانتقال من مرحلة «رد الفعل» إلى مرحلة «صياغة المبادرات»، مصر اليوم لا تكتفى بمتابعة ما يجري فى محيطها الإفريقي، بل تعيد هندسة أدواتها لتكون طرفاً فاعلاً فى رسم خرائط النفوذ والأمن.
وبين القرن الإفريقي، الذي يمثل خاصرة مصر الاستراتيجية، وحوض النيل الذي يمثل شريان حياتها، تتحرك القاهرة بخطوات محسوبة ومدروسة، وهو بالطبع تحرك ليس وليد الصدفة، بل هو استجابة لواقع إفريقي شديد السيولة، يتسم بتصاعد التنافس الدولي، وتفاقم الصراعات المسلحة، وتغير أنماط التهديدات التي باتت تتجاوز الحدود التقليدية لتصل إلى أمن المياه والممرات البحرية.
وحينما نتحدث عن السياسة المصرية فى إفريقيا، يظل ملف المياه هو «الخيط» الرابط والمنظم لكل التحركات،وقد أدركت القاهرة أن صراع المياه لا يحسم فقط على طاولات المفاوضات الفنية بشأن سد النهضة، بل يدارعبر «دبلوماسية التنمية» وبناء شبكة علاقات متينة مع دول الحوض، وكلنا نتذكر الجولة الإفريقية التي قام بها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي لبعض الدول الإفريقية الشهر الماضي.
لقد حملت زيارة الرئيس تشيسيكيدي دلالة استراتيجية عميقة، فالكونغو الديمقراطية ليست مجرد دولة فى وسط إفريقيا، بل هي ثقل إقليمي يمتلك تأثيراً معنوياً وسياسياً داخل منظومة حوض النيل، حرص الرئيس السيسي على التنسيق مع كينشاسا يعكس فهماً مصرياً بأن استعادة التوافق بين دول الحوض تتطلب حلفاء يؤمنون بمبدأ «الإدارة المشتركة» ورفض السياسات الأحادية.
ومصر هنا- وهو معلوم للجميع - ، لا تطلب معروفاً، بل تقدم رؤية تنموية تقوم على تبادل المنافع،حيث إن دعم القاهرة لمشروعات الري والبنية التحتية فى دول إفريقية ليس مجرد نشاط إنساني أو تنموي، بل هو استثمار طويل الأمد يهدف إلى خلق «مصلحة مشتركة» تجعل من الحفاظ على الحقوق المائية المصرية قضية أمن جماعي، لا تقتصر على القاهرة وحدها، و إن الهدف هو تحويل ملف المياه من مصدر للتوتر إلى مساحة للتعاون، وهو رهان مصري يتجاوز الأطر التقليدية للصراع.
وعلى الضفة الأخرى ضفة «القرن الإفريقي» حيث تبرز أهمية أن يعاد تعريف «الجوار الاستراتيجي»، تأتي زيارة الرئيس أفورقي لتسلط الضوء على هذه المنطقة الاستراتيجية والمهمة، والتي تتعامل معها مصر اليوم بوصفها «دائرة أمن قومي مباشرة» وليس مجرد جار إقليمي، إن التنسيق المصري الإريتري يتجاوز التوافقات السياسية التقليدية، ليشمل رؤية أمنية مشتركة لمضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر.
ومصر تعي جيداً أن أي هزات أمنية فى القرن الإفريقي ستكون لها ارتدادات فورية على الملاحة فى البحر الأحمر،وفى ظل التكالب الدولي على هذه المنطقة، تسعى القاهرة لتعزيز وجودها ليس عبر القواعد العسكرية فقط، بل عبر بناء شراكات استراتيجية تجعل من إريتريا ودول المنطقة الأخرى ركائز لاستقرار يعترف بالدور المصري المحوري، لذلك تهدف التحركات المصرية لقطع الطريق على القوى الإقليمية والدولية التي تسعى لتحويل القرن الإفريقي إلى ساحة لتصفية الحسابات أو تهديد المصالح المصرية.
وليس فقط الأمن المائي أو الملاحة فى البحر الأحمر فقط محور هذه التحركات، ففى قلب هذه التحركات أيضا، تبرز الأزمة السودانية كعقدة مركزية، حيث إن استمرار الحرب فى السودان ليس مجرد شأن داخلي لجارتنا الجنوبية وامتدادنا الاستراتيجي الجنوبي ، بل هو جرح مفتوح يهدد استقرار القارة بأكملها، لذلك كان الملف السوداني حاضراً بقوة فى مباحثات القاهرة مع ضيفيها، لأن مصر تدرك تماما أن انهيار الدولة السودانية أو استمرار الفوضى فيها يمنح قوى خارجية موطئ قدم فى العمق الإفريقي المصري.
لذا يتركز الخطاب المصري مع قادة إفريقيا على حتمية الحفاظ على «وحدة الدولة الوطنية» فى السودان،وهذه كما يقال «استراتيجية تحصين» ، فالقاهرة لا تبحث عن بدائل للدولة السودانية، بل تحاول حشد إرادة إقليمية لإيقاف النزيف، هذا الموقف يمنح مصر مصداقية لدى الأطراف السودانية الباحثة عن الأمن والاستقرار، ويقدمها كطرف «ضامن» للاستقرار، لا كطرف منحاز لأجندات خارجية.
ويمكن لكل متابع ومدقق أن يقرأ الاستراتيجية المصرية الحالية على أنها سياسة «التمركز على قدمين، أما القدم الأولى، الانخراط الفاعل فى القرن الإفريقي والبحر الأحمر لتأمين الممرات الاستراتيجية وحماية الأمن القومي من التهديدات الخارجية، والقدم الثانية هى التعمق فى وسط القارة وحوض النيل لترسيخ الوجود المصري كشريك تنموي لا غنى عنه، وضمان عدم المساس بالحقوق المائية.
إن ما يميز هذا التحرك هو «الشمولية»، فمصر لم تعد تتعامل مع ملفاتها الإفريقية كجزر منعزلة، الربط بين أمن الكونغو (وسط إفريقيا) وأمن إريتريا (القرن الإفريقي) يكشف عن عقلية استراتيجية ترى القارة كمنظومة مترابطة الأجزاء،النجاح هنا لا يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرة القاهرة على التحول إلى «مركز ثقل» أو «حجر زاوية» يمكن للجميع الرجوع إليه لفض النزاعات أو بناء التوافقات.
والقاهرة بهذه «الشمولية «، تتحول إلى منصة لصناعة التوافق، لأن اختيار زعماء أفارقة للقاهرة كمنصة للحوار فى هذا التوقيت الحرج ليس صدفة، بل هو اعتراف بمكانة مصر كدولة قادرة على الإمساك بزمام المبادرة، لقد نجحت القاهرة فى إعادة بناء صورتها الذهنية لدى العواصم الإفريقية، فلم تعد الدولة التي تكتفى بالخطاب السياسي، بل أصبحت الدولة التي تقدم «خبرات فنية»، وتدرب الكوادر، وتشارك بفعالية فى مشروعات التنمية.
إن هذه «القوة الناعمة» ممزوجة بـ «الواقعية السياسية» صنعت لمصر مساحة حركة لا تملكها قوى أخرى فى القارة، وكما قلت سابقا، بدلاً من الاكتفاء برد الفعل، باتت القاهرة تسبق الأحداث، وتحدد أولويات الأجندة الإقليمية، وقد كشفت التحركات الدبلوماسية الأخيرة ذلك وأكدت أننا أمام «عقيدة إفريقية» مصرية جديدة ، عقيدة قائمة على حماية الأمن القومي من خلال بناء «شبكات أمان» إقليمية تتشابك فيها المصالح الأمنية بالاقتصادية والسياسية.
وبناء على ما سبق يمكن القول إن التحدي الذي يواجه القاهرة فى السنوات المقبلة لن يكون سهلاً، فالقارة السمراء تعج بالمتغيرات والتداخلات الدولية، لكن المؤشرات الراهنة تؤكد أن مصر استعادت زمام المبادرة، وإنها لا تكتفى بكونها جزءاً من إفريقيا، بل تعمل على أن تكون القاطرة التي تقود جزءاً كبيراً من تفاعلاتها، مدركة أن مستقبلها فى عالم مضطرب يبدأ من تعميق جذورها فى عمقها القاري، وتأمين دوائرها الحيوية التي لا يكتمل أمنها القومي إلا بها.
إن القاهرة اليوم لا تدافع فقط عن مصالحها، بل تضع لبنات جديدة فى هيكل التوازنات الإفريقية، معتمدة فى ذلك على رؤية بعيدة المدى، وإدراك عميق بأن القارة الإفريقية هي الساحة الأهم لصياغة دور مصر الإقليمي فى العقود المقبلة.