د. علي الدكروري يكتب: 30 يونيو .. عندما استعادت الدولة المصرية قدرتها على التخطيط للمستقبل

د. علي الدكروري يكتب:  30 يونيو .. عندما استعادت الدولة المصرية قدرتها على التخطيط للمستقبلد. علي الدكروري

الرأى27-6-2026 | 19:46

تمر السنوات، وتبقى بعض اللحظات فارقة في تاريخ الأمم، ليس فقط بسبب ما شهدته من أحداث، بل بسبب ما ترتب عليها من تحولات أعادت رسم مسار الدولة ومستقبلها.

وتظل ثورة 30 يونيو واحدة من هذه اللحظات الاستثنائية في التاريخ المصري الحديث.

فبعيدًا عن الجدل السياسي الذي ارتبط بها في بداياتها، يمكن النظر اليوم إلى 30 يونيو من زاوية مختلفة، وهي زاوية الدولة وقدرتها على استعادة الاستقرار والانطلاق نحو التخطيط طويل المدى.
فالدول لا تُبنى بالشعارات وحدها، ولا تستطيع تحقيق التنمية في بيئة يسودها الاضطراب وعدم اليقين.

والتجارب الدولية تثبت أن الاستقرار يمثل دائمًا نقطة الانطلاق الأولى لأي مشروع تنموي أو اقتصادي ناجح.

وخلال السنوات التي أعقبت 30 يونيو، شهدت مصر مسارًا واسعًا من إعادة البناء والتطوير في العديد من القطاعات الحيوية.

فقد انطلقت مشروعات قومية كبرى في مجالات البنية التحتية والطرق والطاقة والإسكان والتنمية العمرانية، إلى جانب التوسع في إنشاء المدن الجديدة وتطوير الموانئ والمناطق اللوجستية وشبكات النقل الحديثة.

ولم يكن الهدف من هذه المشروعات مجرد البناء في حد ذاته، بل تأسيس قاعدة تنموية قادرة على خدمة الأجيال القادمة وتهيئة بيئة أكثر قدرة على جذب الاستثمار وتحفيز النمو الاقتصادي.

ومن وجهة نظري، فإن أحد أهم المكاسب التي تحققت خلال هذه المرحلة يتمثل في استعادة مفهوم التخطيط للمستقبل.

فالدول الناجحة لا تكتفي بإدارة الحاضر، بل تعمل على بناء قدراتها لعقود قادمة.

وعندما ننظر إلى مشروعات مثل العاصمة الإدارية الجديدة، والعلمين الجديدة، وشبكات الطرق الحديثة، ومشروعات الطاقة، نجد أنها تعكس رؤية تتجاوز احتياجات اليوم إلى متطلبات المستقبل.

كما شهدت الدولة المصرية توسعًا ملحوظًا في مشروعات التحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية، بما يتماشى مع المتغيرات العالمية ومتطلبات الاقتصاد لحديث.

وفي الوقت ذاته، عززت مصر من حضورها الإقليمي والدولي، وأصبحت طرفًا فاعلًا في العديد من الملفات السياسية والاقتصادية والتنموية، وهو ما انعكس على مكانتها في عدد من المحافل الدولية المهمة.

ولا يعني ذلك أن التحديات قد انتهت، فكل دولة تواجه تحدياتها الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة وأزمات متلاحقة.

لكن الفارق الحقيقي يكمن في امتلاك القدرة على التعامل مع هذه التحديات من موقع الدولة القادرة على التخطيط واتخاذ القرار، وليس من موقع رد الفعل.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن بناء الدول عملية مستمرة لا تتوقف، وأن الإنجازات الحقيقية لا تُقاس بما يتحقق في سنوات قليلة فقط، بل بما تتركه من أثر طويل المدى على حياة المواطنين وقدرة الدولة على المنافسة والنمو.

ولهذا، فإن ذكرى 30 يونيو ليست مجرد استدعاء لحدث تاريخي، بل فرصة للتأمل في رحلة دولة اختارت أن تواجه التحديات عبر البناء والعمل والتخطيط للمستقبل.

فالأمم التي تنظر إلى المستقبل بثقة، هي الأمم القادرة على صناعة مستقبلها بنفسها.

خلاصة الدكروري: الدول العظيمة لا تُقاس بما تتجاوزه من أزمات فقط، بل بما تنجح في بنائه بعدها. وقد أثبتت مصر أن الاستقرار ليس غاية في حد ذاته، بل نقطة البداية نحو التنمية وصناعة المستقبل.

أضف تعليق