من خطايا الوعى المعاصر أن ينساق البعض وراء الأكذوبة التى تروج لها جماعة "الإخوان" باعتبارها جماعة دعوية أو تنظيمًا يشتغل بالدين.. والحقيقة الصادمة التى يغفل عنها كثيرون هى أن الإسلام، ببنيته الفكرية والتشريعية، لا يعرف ما يسمى "رجال الدين"، ولا يقر بوجود "كهنوت" احتكارى يمنح صكوك الغفران أو يتحدث باسم السماء، فى الإسلام يوجد فقط "علماء دين" يبصّرون الناس بالحقائق، أما الكهنوت فهو بدعة مضللة اخترعتها طوائف لتوظيفها سلطويا، وهو ما ينهى عنه الإسلام، وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) جملة وتفصيلاً، وفى الخطاب المعاصر سبق للإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر د. أحمد الطيب فى تصريحات إعلامية، وصف سلوك هذه الطوائف وأربابها بالقول: «إن هؤلاء يضغطون على الناس فلا يتحركون خطوة للأمام أو الوراء إلا بمنطق الحلال والحرام»، موضحًا أن خطاباتهم تريد أن تختطف الناس ويتحكمون فى مصائرهم وهى سمة كهنوتية»..
وما كانت دولة الرسول صلى الله عليه وسلم دولة دينية (ثيوقراطية)، وهو من نهى عن الكهانة والكهنوت، ولم يتجاوز الوحى، أو ينازع الله سبحانه وتعالى فى ملكه، ولا تسلط على بشر إعمالا بما رأيناه فى الماضى والحاضر من بشر يعتمدون نظريه الحاكم الإله فى سلوكهم نحو الآخرين.
وفى حياته أقر الرسول صلى الله عليه وسلم مفهوم الأمة الإسلامية التى تقبل فى رحابها المختلفين فى العقيدة من أهل الكتاب (دستور المدينة) وترك صلى الله عليه وسلم دستورًا مفتوحًا للحكم، ولم يترك قالبًا جامدًا أو لائحة تنفيذية تحدد شكلاً حرفيًا للدولة. ولو كانت الإرادة الإلهية تبتغى شكلاً محددًا وثابتًا لنظام الحكم، لورد ذلك بنصوص صريحة قاطعة فى التشريعات القرآنية والرسالية التى نزلت على الإسلام.
وهذا الفراغ الهيكلى المتعمد فى النص كان منحة إلهية تتيح للبشر صياغة أنظمتهم بما يتوافق مع العصر، وهى صيغة فى جوهرها تفسّر وتلخص فى أنها دولة ديمقراطية قائمة على "الشورى" الحقيقية، أو ما يمكن تسميته بـ "ديمقراطية النخبة"، وتختلف هذه الرؤية تمامًا عن الديمقراطية الغربية بمفهومها المعاصر؛ تلك الديمقراطية الشعبية التى تعتمد على العوام، وتتحول فى كثير من الأحيان إلى آلية مخادعة يسهل من خلالها توجيه الجماهير والتلاعب بمشاعرها، وتوظيفها بصورة أو بأخرى لصالح أغراض قد تكون ضد الوطن الذى ينتمون إليه، وفى هذا المشهد، تظهر جماعة الإخوان كحركة سياسية نفعية بامتياز تهدف إلى الوصول للحكم، دون أن تؤمن بشورى النخبة ولا بديمقراطية العوام السائدة فى العالم اليوم (إلا من باب الدعاية الكاذبة)، وهدف الجماعة الأول هو المزاحمة على السلطة الدنيوية (الحكم)، واعتلاء كرسى السلطة، والوسيلة المعتمدة لديهم ليست الصندوق أو التداول السلمي، بل قوة السلاح والغشومية، وتاريخ الجماعة يؤكد هذه العقيدة العنيفة؛ فمنذ مراحل تكوينها المبكر، حرصت على تأسيس ميليشيا خاصة بها موازية للجيش الوطنى للدولة المصرية، لم يكن السلاح عارضًا فى تاريخهم، بل كان أداة استراتيجية للاغتيالات السياسية ومحاربة السلطة الموجودة فى الحكم، واللافت فى سيكولوجية هذا التنظيم المسلح، أنه لم يوجه عنفه فقط نحو صدور المسلمين، بل انقلب على كوادره وأعوانه داخل الجماعة نفسها بمجرد حدوث أى صراع على الرغبة والنفوذ أو خلاف فى الرأى.
إننا أمام تنظيم سياسى بامتياز، يمتلك تنظيمًا مسلحًا موازيًا لجيش الدولة، ويرفض بالكلية فكرة التداول السلمى للسلطة، ويعتمد على القوة للوصول إلى مآربه، ولأن القوة الغاشمة تحتاج إلى غطاء تشريعى يمنحها الشرعية، تلجأ الجماعة إلى أخطر أسلحتها: "محاولة شرعنة القوة بالدين"، عبر تأويل متعسف ومضلل للآيات القرآنية، وهكذا تعيد الجماعة إنتاج الكهنوت المرفوض إسلاميًا، مستهدفة عواطف البسطاء وقليلى العقل لخداعهم وحشدهم خلف راياتها.
إن مواجهة هذا التنظيم تبدأ من الوعى بأننا لا نواجه جماعة دينية، بل حركة سياسية تستخدم الدين كقناع، والسلاح كمنهج، والوصول للحكم كعقيدة ثابتة لا تقبل الشراكة.. وللكلام دائمًا بقية. مات سعد الدين إبراهيم وبقي تاريخه شاهدا عليه، لكن "نور" ما زال يدب على وجه البسيطة، يقتات على السعي خلف التمويل، والقبول بلعب دور "المحلل" لمشاريع الزواج الآثم بين الصهيونية والمستعمرين القدامى والجدد، دون أن يعي أن التاريخ لا يرحم، وأن قطار الوطن تجاوزهم وتجاوز مؤامراتهم إلى غير رجعة.
وللقصة بقية