«القصص».. عن الخيبات والدوائر المغلقة

«القصص».. عن الخيبات والدوائر المغلقةمحمود عبد الشكور

الرأى29-6-2026 | 11:37

هذا فيلم هام ومن أفضل أفلام الموسم السينمائي، رغم بعض الملاحظات الهامة والأساسية، والتي كان تلافيها سيضع الفيلم في مكانة أعلى وأكبر، لأنه يمتلك فكرة مدهشة، وفيه عناصر تقنية وتمثيلية ممتازة، وينجح في أجزاء كثيرة منه في نقل أجواء وتفاصيل الحياة المصرية، ومعالم شخصية المواطن العادي، وكذلك أجواء التحولات السياسية والإجتماعية في عصور عبد الناصر والسادات ومبارك.

الفيلم بعنوان "القصص" من كتابة وإخراج أبو بكر شوقي، صاحب الفيلم الأول المميز "يوم الدين"، وهو مخرج مصرى من أم نمساوية، يقدم هنا عملا اجتماعيا محوره أسرة مصرية من الطبقة الوسطى، وعبر قصص وحكايات تمتد من العام 1967 حتى العام 1984، متتبعا أثر الهزائم والنكسات والسياسات والوعود على حياة أفراد هذه العائلة المصرية، ومحاولا ربط الخاص بالعام، بل إن أحد إيجابيات الفيلم الكثيرة، أنه لا يرى العام إلا أمرا خاصا جدا، وأن القصص الكبرى فى حياة الشعوب مثل قرارات الحرب والسلام والإنفتاح، تؤثر بقوة على القصص الشخصية والخاصة.
فكرة لامعة ومدهشة تجعل الفيلم متعدد القراءات، فيمكن أن تراه حكاية المواطن المصرى العادى عبر عدة عصور، لم تتغير أحواله، وربما ساءت أيضا، ويمكن أن تقرأ الفيلم باعتباره سيرة الطبقة الوسطى التى تراجعت أحوالها بسبب التغيرات الإقتصادية، ويمكن أن تراه أيضا حكايات مصرية متكررة، ومحاولات للفوز ولو مرة واحدة فى معركة الحياة، بدلا من توارث الأجيال للخيبات والإحباطات والمشاكل، ويُقرأ الفيلم كذلك باعتباره حكايات عن "العائلة"، التى تتعرض لضربات هائلة، ومع ذلك تظل هى المرفأ الوحيد الباقي، والحصن الأخير الصامد أمام الطوفان.
سنوات السبعينيات والثمانينيات بالتحديد أعرفها جيدا، لأنها سنوات التكوين بالنسبة لى ولجيلنا، وقد أصدرت عنها كتابين، ولكن شوقى لم يصنع دراما تسير عاما بعام مع الستيينيات والسبعينيات والثمانينيات، وإنما اختار سنوات محددة بتضفير قصص كبيرة بقصص العائلة الشخصية، كما أنه منح نفسه حرية اختيار أغنيات دالة دراميا عن الفترة كلها، دون تحديد سنة بعينها، وكلها أمور من حق الكاتب والمخرج فى صناعة المعادل الدرامى المطلوب.
نتتبع عائلة تسكن العمرانية هى عائلة راغب (أحمد كمال) ، وزوجته (نيللى كريم)، وأبنائهم الكبار أحمد عازف البيانو (أمير المصري)، وشقيقيه حسن (أحمد الأزعر) مترجم اللغة الروسية، وشرف (خالد مختار) مجنون الكرة ونادى الزمالك، ويأخذ البناء شكل قصص متتالية مرتبطة بسنوات معينة، وتحديدا الأعوام 1967، و1973، و1981، 1984، والأعوام الثلاثة الأولى موفقة تماما، لأنها ترتبط بهزيمة عسكرية، ونصر عسكري، وباغتيال الرئيس السادات، وهى أحداث كبرى فاصلة، بينما لم أفهم لماذا اختار شوق العام 1984 بالتحديد، خروجا على لعبة ربط الأحداث الشخصية، بأحداث كبرى.
لكن الفكرة أتاحت أمرين فى منتهى الذكاء: تأمل الظروف العامة، وقراءة تطور حياة هذه العائلة، التى لا تعرف المكاسب، والتى تشجع نادى الزمالك، المتعثر فى الفوز، رغم المواهب والجهد والسعي، وبالتالى يمكن أيضا الربط بسهولة بين الخيبات العامة، وبين الخيبات الخاصة، بل وصنع ما يقترب من الدائرة المغلقة، وكأن الأجيال تكرر مشوارها، دون تقدم للأمام، رغم نهاية أقرب الى التفاؤل، لا يوجد فى الفيلم ما يؤسس لها عبر القصص السابقة.
لكل شخصية قصة: الأب راغب المسؤول فى وزارة الزراعة شخصية خائفة، تحدث عن الفساد فى السياسة فى حوار تليفزيوني، ولكن أحدا لم يحاسبه بسبب وقوع هزيمة 67، والأم بائسة وعصبية بسبب ظروف الحياة الصعبة، وانتظارها لمولود جديد، وأحمد يراسل فتاة نمساوية اسمها ليزا ، وتبادله الإعجاب، وحسن يجنّد ويستشهد فى حرب أكتوبر، وشرف يفشل فى أن يكون لاعب كرة ناجح، فيقنع بأن يكون عاملا للملابس فى نادى الزمالك، وخال الأولاد حمادة (صبرى فواز) عازف فى فرقة أم كلثوم، يتعرض للبطالة، ويعيش على أمل أن يكسب نادى الزمالك بطولة واحدة.
هكذا رسم الفيلم خريطة واسعة للخسارات العامة والخاصة، مع خطوط فرعية تكمل معا الصورة، أبرزها شقيق راغب المسيطر والمحبط مرعى (شريف دسوقي)، وشمس (كريم قاسم) منافس أحمد على المنصب ، ولولو (عمرو عابد)، الفتوة السابق، والذى عاد مبتور الذراع فى الحرب، ويعمل ساعيا فى مكان عمل أحمد وشمس.
لا يمكن التحدث عن نجاح باستثناء قصة حب أحمد والفتاة النمساوية ليزا، التى تتمسك به، وتتزوجه، وتأتى للعيش معه فى بيت العئلة، وتنجب منه طفلا، وتتابع مسيرته المهنية المتعثرة، بينما يصعد شمس الى رئاسة القسم، ومن أبرز الشخصيات داود (القدير حسن العدل) المذيع الذى يظهر فى التيلفزيون فى كل العصور، حاملا صوتا واحدا مؤيدا ومنافقا لا يتغير.
يؤثر العام على العائلة طوال الوقت، ويمتزج الحزن بالضحكات كعادة المصريين، ويتم الربط بشكل مباشر وساذج أحيانا، ولكن فى أحيان أخرى بطريقة أفضل، مثل ربط لحظة اغتيال السادات، بذهاب أحمد بزوجته ليزا الى المستشفى، واكتشاف أنها حامل، وفى كل القصص المتتالية، نشعر بأثر التغيرات الإقتصادية والسياسية، وليس بتغير الملابس الموضات فحسب، ففى فترة العام 1984 يظهر مثلا أصحاب اللحى، ويزيد حصار العائلة ومأزقها، ولا يتبقى له سوى أمل فوز الزمالك، وزواج أحمد وإنجابه، وطاقة المحبة فيما بينهم، وخصوصا مع أنجاب الأم قبل وفاتها، والتصالح مع الأصدقاء والجيران.
هناك ملاحظات هامة رغم ذلك، فالجزء الأول المؤسس للشخصيات فيه مونتاج سريع مزعج، بينما كنا نحتاج الى مواقف قوية بدلا من ذلك السرد العابر، وجزء النمسا يبدو خروجا من أجواء العائلة، وفيه علاقة حب لا نعرف كيف ولدت عبر الخطابات فقط، ويبدو منطق الأب النمساوى قويا مقارنة بمنطق أحمد، والذى لا نعرف بالضبط لماذا عاد بعد استشهاد أخيه، ودون أن يكمل دراسته؟ وكما أشرت فإن هناك تعبيرات ساذجة كأن يسمع الخال حمادة هتافات تقول: "يسقط الإنفتاح"، وأهم ملاحظة تلك النهاية المتفائلة بإتاحة فرصة العزف لأحمد دون أى مبرر، وخصوصا أن الذى أتاحها له هو منافسه شمس، والذى أعتبره أضعف الشخصيات فى الكتابة، وطبعا لا يمكن تصديق أن يحتفظ شمس بصورته مع عبد الناصر فى عصر مبارك، والحقيقة أن وجود كاتب آخر مع شوقى كان سيثرى الفيلم فى تفاصيله، وفى ضبط لعبة تضفير العام والخاص بشكل أفضل.
لدينا عناصر تقنية كثيرة ممتازة أبرزها ديكورات هند حيدر وملابس ريم العدل، وبراعة أبو بكر شوقى فى خلق الجو العائلي، لأن أفضل مشاهد الفيلم فى القصة الثالثة بعد عودة أحمد، واستقبال ليزا، والفرح العائلى البديع، هنا تتجلى الروح المصرية المقاومة، والتى تفسر سر الصمود رغم الفشل والهزائم.
نجح شوقى أيضا فى إدارة ممثليه، فقدموا أدوارا ممتازة: نيللى كريم، التى تجاوزت شخصية ذات بأن تكون نموذجا للأم المصرية الشقيانة، ووصلت بقدرتها التعبيرية بالعيون وملامح الوجه الى مستوى رفيع حقا، وأحمد كمال، الذى قد قدّم نموذجا دراميا سيعيش طويلا للموظف المصرى الخائف، والذى يسير بجوار الحائط، ولديه مشاهد كثيرة رائعة، وأمير المصرى فى دور صعب متعدد المراحل والتفاصيل، لعبه بحضور ووعي، وصبرى فواز فى دور قصير مؤثر، ويمزج بين الكوميديا والشجن، وحسن العدل فى دور استثنائى لمطبلاتى فى كل العصور، كما كانت الممثلة فاليرى باشنر جيدة فى دور ليزا، وبالذات فى لحظات تفاعلها البسيطة مع نيللى كريم وأحمد كمال.
هذه حواديت مصرية عن الوطن بقدر ما هى حواديت عن المصريين أنفسهم، كتبت وصنعت بكثير من الحب والصراحة، هذه مشاكلنا وسلبياتنا، وهذه الدوائر المفرغة التى ندور فيها، فلماذا لا نكسرها ونغيّرها؟
ينتهى الفيلم بأن الأمل موجود، وبأن عائلة راغب ما زالت تقاوم، ومازالت وفية فى تشجيع الخاسر، ولكن ابن أحمد وليزا ينتظر حظا أفضل، ومناخا أجمل، بدلا مما رأينا فى الفيلم، سواء فى سنوات الحرب، أو فى عصر السلام والوعود التى لم تتحقق بالرخاء.

أضف تعليق

بطل الحكاية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان