تمر علينا اليوم ذكرى رحيل الموسيقار والملحن المصري الكبير كمال الطويل، الذي غادر عالمنا في 9 يوليو عام 2003، بعد رحلة فنية استثنائية ترك خلالها إرثًا خالدًا في تاريخ الموسيقى العربية، استطاع أن يجمع بين الأصالة والتجديد، وأن يصنع ألحانًا أصبحت جزءًا من وجدان المصريين والعرب، سواء في الأغنية العاطفية أو الوطنية أو الدينية، ليظل اسمه واحدًا من أبرز رواد التلحين في القرن العشرين.
وُلد كمال محمود زكي الطويل، الشهير بكمال الطويل، في مدينة طنطا بمحافظة الغربية في 11 أكتوبر عام 1923، ونشأ في أسرة عريقة ذات مكانة اجتماعية وسياسية، ومنذ سنواته الأولى تعلق بالموسيقى والغناء، وبدأ يؤلف ألحانًا بسيطة وهو لا يزال شابًا، وعندما عرض بعضها على الشيخ زكريا أحمد نصحه بأن يتعلم العزف على آلة العود أولًا قبل أن يستكمل طريقه في التلحين، فكانت تلك النصيحة نقطة تحول في حياته.
التحق الطويل بمعهد الموسيقى العربية بالإسكندرية عام 1946، حيث درس العود والمقامات والنوتة الموسيقية على يد الفنان محمد عفيفي لمدة عامين، ثم انتقل إلى القاهرة لاستكمال دراسته في معهد الموسيقى العربية، وتخرج فيه عام 1949، لتبدأ بعدها رحلته الحقيقية مع عالم الموسيقى.
عمل في بداياته بالإذاعة المصرية، ثم شغل منصب مفتش للموسيقى بوزارة المعارف، قبل أن يصبح مديرًا لإدارة الموسيقى والغناء بالإذاعة، إلى أن احترف التلحين بشكل كامل في أوائل الخمسينيات.
ارتبط كمال الطويل بصداقة فنية وإنسانية وثيقة مع العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، وكان من أوائل الملحنين الذين آمنوا بموهبته وأسهموا في انطلاقته الفنية لتنشأ بينهما واحدة من أهم الثنائيات في تاريخ الأغنية العربية حيث قدم له عشرات الأغنيات التي حققت نجاحًا كبيرًا، ومن أبرزها "في يوم في شهر في سنة"، و"بتلوموني ليه"، و"الحلو حياتي"، و"قولوا الحقيقة"، إضافة إلى مجموعة من الأغنيات الوطنية التي ارتبطت بوجدان الشعب المصري.
ولم يقتصر إبداع الطويل مع عبد الحليم، بل تعاون مع نخبة من كبار نجوم الغناء، منهم أم كلثوم، ليلى مراد، نجاة الصغيرة، فايزة أحمد، وردة، محمد قنديل، محمد عبد المطلب، سعاد حسني، ماجدة الرومي، وعبد المنعم مدبولي، كما تعاون مع كبار الشعراء، وفي مقدمتهم صلاح جاهين، مرسي جميل عزيز، مأمون الشناوي، وطاهر أبو فاشا.
ويعد كمال الطويل من أبرز الملحنين الذين ارتبطت ألحانهم بالأغنية الوطنية، إذ وضع لحن نشيد "والله زمان يا سلاحي"، الذي غنته أم كلثوم، وظل السلام الجمهوري الرسمي لمصر حتى عام 1979 ، كما قدم العديد من الأغنيات الوطنية التي صاحبت ثورة يوليو والعدوان الثلاثي وحرب أكتوبر، وأصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية المصرية.
ومن أشهر أعماله أيضًا أغنية "صورة"، التي أصبحت واحدة من أهم الأغنيات الوطنية في تاريخ الغناء المصري، إلى جانب عدد كبير من الألحان التي اتسمت بالابتكار والخروج عن القوالب التقليدية، وهو ما ظهر أيضًا في أغنيات مثل "يا واد يا تقيل" التي غنتها سعاد حسني، و"طيب يا صبر طيب" بصوت عبد المنعم مدبولي، و"ليه خليتني أحبك" التي غنتها ليلى مراد.
كما ترك بصمة مميزة في السينما، حيث وضع الموسيقى التصويرية لفيلم "عودة الابن الضال" للمخرج يوسف شاهين، واعتزل بعدها التلحين لفترة، قبل أن يعود خصيصًا مجاملة ليوسف شاهين ليضع الموسيقى التصويرية لفيلم "المصير"، ثم أعاد شاهين استخدام موسيقى الفيلم في "إسكندرية نيويورك"، مع إهداء خاص لروح كمال الطويل.
وكان آخر أعماله الفنية البارزة تلحين قصيدة "درس خصوصي" للشاعرة الكويتية سعاد الصباح، والتي شدت بها نجاة الصغيرة، واعتبرها كثيرون عودة قوية لروح العصر الذهبي للأغنية العربية.
عرف كمال الطويل بدقته الشديدة في اختيار الكلمات، وحرصه على تقديم عمل متكامل، لذلك لم يكن غزير الإنتاج مقارنة ببعض أبناء جيله، لكنه كان يؤمن بأن قيمة العمل أهم من كثرته، وكان يسعى دائمًا إلى التجديد وعدم تكرار نفسه، وهو ما جعله يحتل مكانة خاصة بين كبار الملحنين.
ورغم امتلاكه صوتًا جيدًا، فإنه لم يتجه إلى الغناء مطلقًا، وكان يرفض تسجيل أي أعمال بصوته، مفضلًا أن تظل ألحانه مرتبطة بأصوات المطربين الذين آمن بقدرتهم على التعبير عنها .
نال الطويل العديد من الجوائز والأوسمة، من بينها وسام الجمهورية للآداب والفنون من الدرجة الأولى، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 2003، إلى جانب تكريمات عربية عديدة، تقديرًا لإسهاماته الكبيرة في إثراء الموسيقى العربية.
وفي التاسع من يوليو عام 2003، رحل كمال الطويل عن عمر ناهز 79 عامًا، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من خمسة عقود، تاركًا خلفه تراثًا موسيقيًا خالدًا ما زال حاضرًا في وجدان الأجيال، لتبقى ألحانه شاهدة على موهبة استثنائية صنعت جزءًا مهمًا من تاريخ الأغنية المصرية والعربية.