يتردد على مواقع التواصل الاجتماعي بين الحين والآخر ادعاء بأن الجرجير لا يقدم أي قيمة غذائية للإنسان لأنه يحتوي على ألياف من نوع السليلوز لا يستطيع الجسم هضمها، وهو ما يدفع البعض إلى وصفه بأنه "غذاء للحيوانات". لكن خبراء التغذية يؤكدون أن هذا الاعتقاد يخلط بين مفهوم الهضم ووظيفة الألياف داخل الجسم، موضحين أن عدم هضم بعض أنواع الألياف لا يعني أنها عديمة الفائدة، بل على العكس تؤدي أدوارًا مهمة في دعم صحة الجهاز الهضمي والوقاية من العديد من المشكلات الصحية.
وقال الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، إن الاعتقاد بأن الجرجير لا يفيد الإنسان بسبب احتوائه على السليلوز غير صحيح علميًا، موضحًا أن الإنسان بالفعل لا يمتلك الإنزيمات اللازمة لهضم السليلوز، لكن هذه الحقيقة تنطبق أيضًا على نسبة كبيرة من الألياف الموجودة في الشوفان، والنخالة، والخبز المصنوع من الحبوب الكاملة، والتي تُعد من أفضل مصادر الألياف الغذائية.
وأوضح أن القيمة الحقيقية للألياف لا تكمن في هضمها، وإنما في الوظائف الحيوية التي تؤديها داخل الجهاز الهضمي، إذ تساعد على زيادة حجم البراز والحد من الإمساك، كما تُبطئ امتصاص السكريات والدهون، وتزيد الشعور بالشبع، وهو ما يجعلها عنصرًا مهمًا في الأنظمة الغذائية الصحية.
وأشار إلى أن ألياف الجرجير، مثل غيرها من الألياف غير القابلة للهضم، تصل إلى القولون حيث تتخمر بواسطة البكتيريا النافعة، فتنتج أحماضًا دهنية قصيرة السلسلة، مثل حمض "البيوتيرات"، الذي يساهم في دعم صحة القولون وتحسين وظائف الجهاز الهضمي.
وأضاف أن مقارنة الجرجير بغيره من مصادر الألياف توضح أن 100 جرام من الجرجير تحتوي على نحو نصف جرام إلى 1.5 جرام من الألياف، بينما تحتوي الكمية نفسها من الحبوب الكاملة على ما بين 7 و10 جرامات من الألياف، ومع ذلك فإن جزءًا كبيرًا من هذه الألياف أيضًا لا يهضمه الإنسان، وهو ما يؤكد أن عدم الهضم لا يعني انعدام الفائدة.
وأكد أن الجرجير لا يتميز بالألياف فقط، بل يعد من أكثر الخضروات الورقية كثافة بالعناصر الغذائية مقارنة بسعراته الحرارية المنخفضة، إذ يحتوي على كميات جيدة من فيتامين K الضروري للحفاظ على قوة العظام والمساهمة في عملية تجلط الدم الطبيعية.
كما يُعد مصدرًا غنيًا بفيتامين A، الذي يدعم صحة العين، ويعزز كفاءة الجهاز المناعي، ويساعد في الحفاظ على سلامة الجلد والأغشية المخاطية، بالإضافة إلى احتوائه على فيتامين C الذي يعمل كمضاد للأكسدة، ويساعد على تكوين الكولاجين، ويُحسن امتصاص الحديد من المصادر النباتية.
وأوضح أن الجرجير يتميز أيضًا بانخفاض سعراته الحرارية، ما يسمح بتناول كميات كبيرة منه دون زيادة كبيرة في السعرات، وهو ما يجعله خيارًا مناسبًا للراغبين في إنقاص الوزن أو الحفاظ على وزن صحي.
وأشار إلى احتواء الجرجير على النترات الطبيعية، التي قد تساهم في تحسين كفاءة الأوعية الدموية وتدفق الدم، كما قد تدعم الأداء البدني، فضلًا عن احتوائه على مركبات نباتية مثل الجلوكوسينولات والإيزوثيوسيانات، وهي مركبات توجد أيضًا في البروكلي والقرنبيط، وتتميز بخصائصها المضادة للأكسدة، ويجري دراسة دورها في تعزيز الصحة والوقاية من الأمراض.
وشدد الدكتور أحمد أبو الريش على أن تقييم الأغذية يجب أن يعتمد على دورها داخل الجسم وليس على قدرة الجسم على هضم جميع مكوناتها، مؤكدًا أن الجرجير ليس مجرد أوراق خضراء أو ألياف غير قابلة للهضم، بل غذاء غني بالفيتامينات والمعادن والمركبات النباتية المفيدة، ويستحق أن يكون جزءًا من النظام الغذائي اليومي.