موجات الحر والجفاف تخفض منسوب أكبر أنهار أوروبا وتهدد الصناعة والطاقة والنقل

موجات الحر والجفاف تخفض منسوب أكبر أنهار أوروبا وتهدد الصناعة والطاقة والنقلموجات الحر والجفاف تخفض منسوب أكبر أنهار أوروبا وتهدد الصناعة والطاقة والنقل

عرب وعالم2-8-2026 | 16:43

تشهد أكبر أنهار أوروبا التي تمثل شرايين حيوية للصناعات الثقيلة في القارة، تراجعًا حادًا في منسوب المياه بعد تعرض المنطقة لسلسلة من موجات الحر الشديدة منذ مطلع فصل الصيف الجاري.

ومع انخفاض منسوب المياه في نهري الراين والدانوب إلى مستويات تقترب من أدنى مستوياتها التاريخية، بدأت حركة نقل المواد الكيميائية والمنتجات النفطية وغيرها من البضائع تتعرض للاضطراب، في الوقت الذي ارتفعت فيه تكاليف الشحن.
كما أدت درجات الحرارة المرتفعة إلى تقليص إنتاج الكهرباء في المفاعلات الواقعة على ضفاف الأنهار، من فرنسا إلى المجر، ما رفع أسعار الطاقة وألقى بضغط إضافي على اقتصادات أوروبا الشرقية، بحسب ما أوردته وكالة "بلومبرج" الأمريكية.
وبعد حرائق الغابات التي اجتاحت فرنسا وإسبانيا، تمثل هذه التطورات مؤشرًا جديدًا على التأثير المتزايد لتغير المناخ في أسرع قارات العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة. وأصبحت اضطرابات الأنهار اختبارًا لقدرة أوروبا على تكييف البنية التحتية التي أُنشئت وفق ظروف القرن العشرين مع مناخ يتوقع أن تصبح فيه فترات انخفاض منسوب المياه أكثر شيوعًا.
وقال دومينيك شوماخر المحاضر في قسم علوم الأنظمة البيئية في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ: "لقد جعل الاحترار الناتج عن النشاط البشري هذا الجفاف أكثر حدة مما كان سيكون عليه، كما أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة سيجعل أي نقص مماثل في هطول الأمطار يؤدي إلى موجات جفاف أشد".
وانخفض منسوب المياه عند منطقة كاوب، وهي نقطة عبور رئيسية على نهر الراين للشحنات المتجهة إلى جنوب ألمانيا وسويسرا، إلى 25 سنتيمترًا في وقت سابق من الجمعة الماضية، وهو المستوى نفسه الذي سُجل خلال موجة الجفاف في 2018.
ووفقًا للبيانات الاتحادية الألمانية التي جمعها المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، فإن تراجع المنسوب إلى 24 سنتيمترًا، وهو المستوى المتوقع خلال الأسبوع الجاري، سيشكل أدنى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات في 1880.
ومع استمرار موجة الحر الرابعة التي تضرب أوروبا الغربية هذا الصيف طوال معظم الأسبوع، تتزايد مخاطر تدهور الوضع، بما يخلق اختناقات لوجستية في نهر يمتد لنحو 800 ميل، أي 1,290 كيلومترًا، من جبال الألب السويسرية إلى بحر الشمال.
وفي 2018، اضطرت شركة "باسف" إلى خفض الإنتاج في مجمعها الرئيسي بمدينة لودفيجسهافن الألمانية، بعدما أدى الانخفاض التاريخي في منسوب مياه نهر الراين إلى تقييد حركة السفن، وقال المدير المالي للشركة ديرك إلفيرمان إن الشركة طورت منذ ذلك الحين بدائل للنقل، وإن كانت أكثر تكلفة، وأضاف: "نشعر بالقلق بالطبع بشأن انخفاض منسوب مياه نهر الراين، لكن الوضع لا يزال تحت السيطرة."
وأوضحت ساسكيا مويشلبوك الباحثة في معهد "كيل" للاقتصاد العالمي، أن انخفاض منسوب مياه الراين أدى إلى تقليص الإنتاج الصناعي الألماني بما يصل إلى 1.5% في 2018، إلا أن العديد من الشركات أعادت منذ ذلك الحين هيكلة سلاسل الإمداد الخاصة بها، كما انخفضت حصة النقل النهري من إجمالي حركة الشحن في ألمانيا من 4.7% في 2017 إلى 4.1% في 2024.
وقالت شركة "إن بي دبليو"، التي تشغل محطات كهرباء تعمل بالفحم يتم تزويدها عبر نهر الراين، إنها عملت على زيادة مخزونات الوقود خلال فترات توقف المحطات لضمان توافر احتياطيات كافية، كما أكدت شركة "جروسك رافتفيرك مانهايم" امتلاكها احتياطيات كافية من الفحم، مشيرة إلى أنها قد تقلص أحجام الشحنات في كل سفينة أو تستخدم مراكب أصغر أو تنقل جزءًا من الإمدادات عبر السكك الحديدية إذا استمر انخفاض منسوب المياه.
وقال متحدث باسم شركة "دي بي كارجو" إن مشغل السكك الحديدية يجري اتصالات مستمرة مع العملاء المتضررين من انخفاض منسوب مياه نهر الراين، الذي يعد أكثر الممرات المائية الداخلية ازدحامًا في أوروبا.
ورغم قدرة الشركات على إيجاد مسارات بديلة للإمدادات، فإن ارتفاع التكاليف يهدد بمزيد من تآكل القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية مقارنة بمنافسيها في آسيا وأمريكا الشمالية.
وقال روبرتو سبرانتسي، عضو مجلس إدارة التعاونية الألمانية للنقل النهري الداخلي، التي تمثل نحو 90 سفينة: "قد تصبح بعض السفن النهرية غير قادرة على العمل بسبب قيودها الفنية." وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود، إلى جانب انخفاض منسوب المياه، يؤثر أيضًا في عمليات التشغيل.
وشهد نهرا الراين والدانوب انخفاضًا في منسوب المياه خلال صيف أوروبي اتسم بدرجات حرارة مرتفعة وجفاف غير معتادين، مع تكرار موجات الضغط الجوي المرتفع التي منعت السحب المحملة بالرطوبة من تغذية أحواض الأنهار.
وقال ديفيد هانا، أستاذ علم المياه في جامعة برمنجهام، إن هذه الظاهرة أدت إلى زيادة استهلاك النباتات للمياه، واستنزاف رطوبة التربة التي تمتص بسرعة كميات الأمطار المحدودة قبل وصولها إلى الأنهار، مضيفًا: "يؤدي تغير المناخ إلى تفاقم هذه الظاهرة عبر رفع درجات الحرارة الأساسية، ما يجعل الفترات الحارة والجافة أكثر قدرة على تجفيف الأراضي وتقليل تدفقات الأنهار".
وأظهرت بيانات المفوضية الأوروبية أن ظروف الجفاف ازدادت سوءًا خلال الأسابيع الأخيرة في مناطق وسط وغرب أوروبا، كما تضرر نهر الراين نتيجة انخفاض تدفقات الثلوج والأنهار الجليدية من جبال الألب، التي تمثل مصدرًا مهمًا للمياه في أواخر الصيف، بحسب هانا.
ووصلت بعض أجزاء نهر الدانوب، ثاني أطول أنهار أوروبا، بالفعل إلى أدنى مستوياتها التاريخية، وهو ما أعاق حركة المراكب في رومانيا وسلوفاكيا، كما أثر في إنتاج المفاعلات النووية.
وستغلق المجر بالكامل محطتها النووية الوحيدة لأول مرة خلال 44 عامًا من تشغيلها يوم الأحد، في اختبار لرئيس الوزراء الجديد بيتر ماجيار. وسيحرم ذلك البلاد من 40% من قدرتها على توليد الكهرباء، ما سيدفع الحكومة إلى زيادة واردات الطاقة.
وقال ماجيار في منشور على "فيسبوك" إن الحزب الحاكم في المجر طلب من البرلمان تأجيل جلساته خلال الأسبوع الجاري لتوفير الطاقة. كما سيتم إطفاء الإضاءة الزخرفية في بودابست والمباني الحكومية، بينما ساعدت التخفيضات الطوعية في الإنتاج لدى شركات صناعة السيارات ومصانع البطاريات في تخفيف بعض الضغوط على شبكة الكهرباء.
وفي رومانيا، سيظل قطاع الطاقة في حالة تأهب طوال أغسطس مع تراجع إنتاج الكهرباء، كما ستطلب البلاد دعمًا من أوكرانيا خلال ساعات ذروة الطلب. وقد تضطر أيضًا إلى إيقاف مفاعل ثانٍ في محطة تشرنافودا النووية، بعدما أعاق انخفاض منسوب مياه الدانوب عمليات التبريد.
كما أجبرت موجات الحر هذا الصيف فرنسا على تقليص إنتاج الكهرباء من أسطولها النووي، الذي يمثل العمود الفقري لنظام الكهرباء في أوروبا الغربية. وتعتمد محطات الطاقة على مياه التبريد من أنهار مثل الرون وجارون، فيما يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى مخاطر ارتفاع حرارة المياه المعادة إلى الأنهار، بما يهدد الحياة البرية.
وفي مواجهة الجفاف المستمر، دعت الحكومة المجرية المواطنين إلى ترشيد استهلاك الكهرباء والمياه، حيث أدى الضغط على الطلب إلى انقطاع مياه الشرب عن عدة آلاف من السكان في مدينة سينتندري شمال العاصمة، وقال وزير البيئة المجري لازلو جايدوش: "إذا لم نغير سلوكنا، فسنجد أنفسنا قريبًا نعيش في ظروف تشبه الصحراء."
ويواصل نهر بو، أطول أنهار إيطاليا، الانخفاض إلى ما دون مستوياته التاريخية، ما يثير مخاوف بشأن ري الأراضي الزراعية وتسرب المياه المالحة إلى دلتا النهر.
وقال كارستن بريجيسكي، الخبير الاقتصادي في "آي إن جي ديبا": "تمثل الحرارة والجفاف بالتأكيد خطرًا جديدًا على النمو الاقتصادي. فتراجع منسوب الأنهار يسبب أضرارًا اقتصادية حقيقية، كما يجسد تحديات تغير المناخ".
ولا يُتوقع أن تشهد أنهار أوروبا انفراجة كبيرة في المستقبل القريب، إذ تشير التوقعات إلى أن درجات الحرارة في أنحاء القارة ستظل أعلى من المعدلات الطبيعية بما يتراوح بين 2 و8 درجات مئوية حتى أوائل أغسطس، وفقًا لتحليل أعده خبير الأرصاد الجوية ماثيو دروس من شركة فايسالا، كما تدعم نماذج الطقس طويلة الأجل استمرار موجات الضغط الجوي المرتفع، وهو ما قد يعني غياب الأمطار الكافية لإنهاء الجفاف حتى أواخر الخريف.
وقال هانا: "قد تؤدي الأمطار الغزيرة إلى تحسن مؤقت، لكن إذا استمرت التربة الجافة وأنماط الضغط الجوي المرتفع، فإن هذه المكاسب ستكون مؤقتة."

أضف تعليق

حادثة دمياط تكشف قواعد الاشتباك الجديدة

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان