درهم الثورة العباسية

درهم الثورة العباسيةدرهم الثورة العباسية

ثقافة9-8-2026 | 12:48

تعد هذه القطعة واحدة من أندر العملات الإسلامية المعروفة على مستوى العالم، والمتواجدة بمتحف المخطوطات التابع لدار الكتب والوثائق القومية بباب الخلق، ويتم نشر الموضوع كاملا في مجلة أكتوبر، إذ تنتمي إلى ما يعرف باسم «دراهم الثورة العباسية»، وهي الدراهم التي سكت خلال مرحلة الدعوة العباسية، قبل قيام الدولة العباسية رسميًا، لتشكل شاهدا ماديا استثنائيًا على بدايات الثورة ضد الحكم الأموي.

وقد ضرب هذا الدرهم فى مدينة جي بإقليم خراسان سنة 128هـ، ويرجح الباحثون أن عملية سكه تمت بإشراف القائد العباسي أبو مسلم الخراساني، الذي كان يقود الدعوة العباسية فى خراسان ويسيطر على نشاطها فى تلك المرحلة، وتكتسب هذه القطعة أهمية استثنائية، لأن تاريخ سكها يعود إلى وقت كانت فيه الدولة الأموية لا تزال قائمة، وهو ما يجعلها دليلا ماديًا واضحا على وجود حركة ثورية منظمة سبقت إعلان قيام الدولة العباسية.
واختلاف هذه القطعة بالكامل عن الطراز الرسمي للنقود الأموية، سواء من حيث التصميم أو الكتابات أو أسلوب السك، يمثل فى حد ذاته إعلانًا سياسيًا بالتمرد على السلطة القائمة، ففى تلك الفترة كانت النقود الأموية تحمل نمطًا موحدًا يكاد لا يتغير من عهد خليفة إلى آخر، ولذلك فإن ظهور إصدار يحمل طرازًا مختلفًا تمامًا يعد مؤشرًا مباشرًا على صدوره عن سلطة منافسة أو حركة معارضة.
ولا تقتصر دلالات القطعة على شكلها الخارجي، بل تمتد إلى النصوص المنقوشة عليها، حيث تحمل الآية القرآنية: ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة فى القربى﴾، وهي آية لم تظهر على النقود الإسلامية التي سبقتها أو لحقتها.
واختيار هذه الآية لم يكن عشوائيًا، بل حمل رسالة سياسية مرتبطة بشعار الدعوة العباسية الداعي إلى «الرضا من آل محمد»، فى إشارة إلى أحقية آل البيت فى قيادة الأمة، وهو الشعار الذي استندت إليه الدعوة العباسية فى بداياتها.
ومن السمات اللافتة أيضًا أن أبا مسلم الخراساني لم يكن يثبت اسمه صراحة على بعض الإصدارات، وإنما استخدم لقب «أمير آل محمد»، وهو تعبير لم يرد على أي نقود أخرى معاصرة، ما يعكس طبيعة المرحلة السرية للدعوة قبل إعلان الدولة، ويؤكد البعد السياسي والدعائي الذي حملته هذه المسكوكات.
وتضم المجموعة كذلك قطعة أخرى تعد من أقدم العملات الإسلامية المعروضة بالمتحف، ورغم خلوها من تاريخ السك، فإن تأريخها لا يمثل صعوبة للمتخصصين، إذ إن تصميمها المميز، الذي يتضمن صورة الحاكم، ينسب مباشرة إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، ويعد عبد الملك الخليفة الوحيد فى المرحلة الإسلامية المبكرة الذي أمر بسك عملات تحمل صورته، متأثرًا بالطراز البيزنطي الذي كان يصور الأباطرة على النقود، قبل أن يشهد العصر الأموي لاحقًا الإصلاح النقدي الذي أرسى الطراز الإسلامي الخالص للعملات.
فهنا لا تُقرأ العملات باعتبارها أثمانًا للسلع، وإنما باعتبارها صفحات من كتاب التاريخ؛ صفحات كُتبت بالذهب والفضة والنحاس، وحفظت أسماء الدول، وسجلت تقلبات الاقتصاد، ووثقت الصراعات السياسية، وأبقت ذاكرة الحضارة الإسلامية حية فى قطعة نقدية لا يتجاوز قطرها بضعة سنتيمترات.

أضف تعليق

اعلان