يعد العصر المملوكي واحدًا من أكثر العصور ثراءً فى تاريخ الفنون والعمارة الإسلامية، وكان لكل سلطان أو أمير مملوكي تقريبًا مصحف أو أكثر أُعد بأمره، ولا تزال نماذج كثيرة منها محفوظة فى المتاحف والمكتبات الكبرى، ويضم متحف المخطوطات التابع لدار الكتب والوثائق القومية بباب الخلق، ويتم نشر الموضوع كاملا في مجلة أكتوبر، واحدة من أكبر مجموعات المصاحف المملوكية المحفوظة فى مكان واحد على مستوى العالم.
وكانت هذه المصاحف جزءًا من نظام الوقف الذي أقامه السلاطين والأمراء على منشآتهم، فبعد إنشاء المدرسة أو المسجد أو القبة الجنائزية، كان يُخصص مكان لحفظ المصحف داخل خزانة الكتب، وتحدد وثائق الوقف كيفية استخدامه، ومن المسؤول عن قراءته وحفظه وصيانته، وكان يعين قارئ يتلو القرآن من المصحف بشكل يومي على روح صاحب الوقف، إلى جانب موظفين للعناية بالمصحف وترميمه عند الحاجة.
وتكشف وثائق الوقف عن تفاصيل دقيقة لهذا النظام؛ ففي وثيقة وقف السلطان حسن، وردت وظيفة خاصة تعرف بـ»كرسي المصحف»، حيث كان أحد العاملين مسؤولًا عن إخراج المصحف من مكان حفظه ووضعه على الكرسي المخصص وقت القراءة، ثم إعادته بعد انتهاء التلاوة، مقابل أجر شهري بلغ 40 درهمًا، وهو مبلغ كبير نسبيًا فى ذلك العصر.
ومن بين المصاحف الفريدة المعروضة مصحف أمر بكتابته السلطان أبو سعيد الإلخاني، أحد سلاطين الدولة الإلخانية المغولية بعد اعتناقها الإسلام، وذلك لإهدائه إلى السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون، ورغم أن المصحف ليس مملوكي الأصل، فإنه ارتبط بالتراث المملوكي بعدما أهداه السلطان الناصر محمد إلى أحد كبار أمرائه، وهو بكتمر الساقي.
ويتميز هذا المصحف بأنه يتكون من 30 مجلدًا، مكتوبًا بماء الذهب، كما تضم المجموعة مصحف الأمير صرغتمش الناصري، وهو أحد كبار أمراء السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وقد كان هذا المصحف وقفًا على مدرسة صرغتمش الناصري المجاورة لجامع ابن طولون بالقاهرة. ويُعد عصر الناصر محمد بن قلاوون من أكثر العصور تأثيرًا فى شكل القاهرة التاريخية، إذ ارتبط عهده وعهد أمرائه بعدد كبير من أهم الآثار الإسلامية الباقية حتى اليوم. ومن بين النماذج المعروضة مصحف ضخم يتكون من مجلدين فقط، يضم كل مجلد 15 جزءًا من القرآن الكريم.