في قلب القاهرة، يحتفظ المجمع العلمي المصري بمقتنيات تتجاوز قيمتها حدود الكتب القديمة والوثائق النادرة؛ صفحات وخرائط وأطالس وطبعات تاريخية ظلت تحمل آثار الأزمنة التي خرجت منها، وتقدم عبر تفاصيلها صورة عن مصر والمنطقة كما سجلها المؤلفون والرحالة والعلماء في عصور مختلفة.
من بين هذه المقتنيات تظهر نسخة نادرة من «وصف مصر»، وكتب سبقت الحملة الفرنسية، وخرائط لفلسطين تعود إلى القرن الثامن عشر، وأطلس يوثق ما تعرضت له الإسكندرية خلال القصف البريطاني عام 1882، إلى جانب موسوعات عربية عمرها أكثر من قرن، ووثائق دينية وعلمية وجغرافية تنتمي إلى مراحل مختلفة من التاريخ.

كل كتاب هنا يرتبط بزمن محدد، وكل خريطة تحمل أسماء وملامح جغرافية كما كانت مدونة في عصرها، بينما تكشف الوثائق عن أساليب الكتابة والتوثيق والتجليد والطباعة التي كانت سائدة في أزمنة سابقة.. تكشف لنا أسرار كثيرة من خلال حوار الدكتور محمد الشرنوبي الأمين العام للمجمع العلمي المصري لمجلة أكتوبر.
لماذا ترى أن المجمع تعرض للتهميش لفترة طويلة؟
المجمع العلمي المصري تعرض بالفعل للظلم لفترة طويلة، ويرجع ذلك، فى جانب منه، إلى أن الطريق إليه بالنسبة للباحثين كان يكاد يقتصر على فئة محدودة، وكانت الغالبية العظمى من هؤلاء الباحثين من الأجانب.
الأجانب كانوا يعرفون قيمة المجمع العلمي المصري جيدًا، خاصة لارتباطه ب المجمع العلمي الفرنسي ووجود نوع من التوأمة بين المؤسستين، وكان للمجمع المصري خصوصية واضحة فى تكوينه؛ فرئيس المجمع كان له نائبان، أحدهما مصري والآخر فرنسي، كما كانت محاضر الجلسات تُكتب بالتناوب، مرة باللغة الفرنسية ومرة باللغة العربية.
ومن الشخصيات المصرية المهمة التي ارتبطت بالمجمع الدكتور طه حسين، الذي تولى رئاسته مرتين؛ مرة عندما كان يحمل لقب «بك»، ومرة بعد حصوله على لقب «باشا»، وقبل أن يصبح رئيسًا للمجمع، كان يشغل منصب السكرتير العام أو الأمين العام، وكان يملي محاضر الجلسات على الكاتب ولذلك، كان الباحثون الأجانب يدركون جيدًا أهمية المجمع، وكان بعضهم يأتي إلى مصر خصيصًا للبحث عن معلومات ووثائق ومواد علمية لا يجدونها فى المراجع المتاحة لديهم فى بلادهم.

كيف أثرت التحولات السياسية بعد 1952 فى المجمع؟
التعامل مع المؤسسات العلمية فى مصر أصبح مسيسًا إلى حد ما بعد ثورة 1952، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن جميع مطبوعات المجمع العلمي المصري كانت تصدر تحت الرعاية الملكية، والإصدارات تحمل التاج الملكي، وكانت هذه المطبوعات تصدر برعاية الملك فؤاد، ثم الملك أحمد فؤاد، والرعاية الملكية لم تكن مجرد وضع التاج على المطبوعات، وإنما كانت تعني أيضًا أن الملك مسؤول عن توفير التمويل اللازم للمجمع حتى يتمكن من ممارسة نشاطه العلمي.
لكن بعد عام 1952، أزيل كل ما يحمل رموز الملكية من المؤسسات والمطبوعات، ومن بينها التاج الملكي الذي كان يظهر على إصدارات المجمع، وأعتقد أن عدم إدراك قيمة المجمع العلمي المصري بالشكل الكافي لدى الفئة التي قامت بحركة التطهير، وعلى رأسها محمد نجيب وزملاؤه، أدى إلى عدم حصول هذه المؤسسة على المكانة التي تستحقها.
وهذا أمر مؤسف، لأننا نتحدث عن مؤسسة علمية يكاد يكون عمرها اليوم 225 عامًا، وهي من أقدم المؤسسات العلمية فى مصر والمنطقة، وكان من المفترض أن تحظى برعاية واهتمام يتناسبان مع هذه القيمة التاريخية والعلمية.

متى تأسس المجمع العلمي المصري، ومن كان يتولى رئاسته فى بداياته؟
تأسس المجمع العلمي المصري عام 1798، فى عهد الحملة الفرنسية على مصر، وكان يرأسه فى بدايته العالم الفرنسي «مونج»Monge، الذي ارتبط اسمه أيضًا بـ«حارة مونج» الموجودة خلف المدرسة السنية فى السيدة زينب، وهي المنطقة التي كانت تستخدم لإقامة قوات نابليون بونابرت، والمقر الأساسي للمجمع كان فى «بيت السناري»، والحملة الفرنسية على مصر ما زالت تثير كثيرًا من علامات الاستفهام والجدل: هل كانت حملة عسكرية فقط، أم كانت لها أيضًا أهداف علمية؟ نابليون بونابرت لم يأتِ إلى مصر بالجنود وحدهم، وإنما اصطحب معه عددًا كبيرًا من العلماء، وارتبط ذلك بالمشروع العلمي الذي نتج عنه كتاب «وصف مصر».
لكن ماذا كان وضع المؤسسات العلمية المصرية وقت وصول الحملة الفرنسية؟
كان هناك اعتقاد راسخ لدى كثير من العلماء الأجانب بأن المصريين لم تكن لديهم مؤسسة علمية بالمعنى الذي يعرفونه، باستثناء الأزهر الشريف، ولذلك، كان من الأمور التي حرص نابليون على القيام بها عند وصوله إلى مصر أن يلتقي بعلماء الأزهر، وهناك رواية متداولة تقول إن نابليون دخل الأزهر على ظهر حصان، لكن هذه المعلومة ليست موثقة بشكل كافٍ، وإنما وردت فى بعض الأدبيات المرتبطة بالحملة الفرنسية.
أما المجمع العلمي المصري فى بدايته، فلم ينشأ على يد علماء مصريين، وإنما ارتبط بصورة أساسية بالعلماء الذين رافقوا الحملة الفرنسية إلى مصر.

ماذا حدث للمجمع العلمي المصري بعد انتهاء الحملة الفرنسية، وكيف استمر نشاطه فى السنوات التالية؟
عندما تولى محمد علي باشا الحكم، كان قد تأثر كثيرًا بما عرفه عن الحملة الفرنسية وما تركته من آثار علمية فى مصر، وفي ذلك الوقت، لم يكن هناك فراغ سياسي فرنسي يمكن أن يسمح باستمرار الوجود الفرنسي بالشكل السابق، كما أن الوجود الإنجليزي فى مصر كان فى الأساس ذا طبيعة استراتيجية، إذ كان الهدف الرئيسي منه السيطرة على الطريق المؤدي إلى الهند وإغلاقه أمام القوى الأوروبية المنافسة.
أما العلماء الفرنسيون الذين بقوا فى مصر، فلم يكن عددهم كبيرًا؛ كانوا نحو 20 إلى 25 عالمًا، لكنهم ساهموا فى استمرار النشاط العلمي للمجمع، وإن كان تحت مسميات أخرى، مثل «الجمعية العلمية المصرية» أو «المجمع المصري»، لكن فى تلك المرحلة لم تكن هناك مشاركة حقيقية للثقافة العربية فى نشاط المجمع، وظل الأزهر الشريف هو السلطة العلمية الأساسية فى المجتمع المصري.
هل ظلت عضوية المجمع مقتصرة على الأجانب؟
في البداية لم يكن المجمع يميز فى عضويته على أساس الجنسية؛ فكان يمكن أن تجد بين أعضائه بلجيكيًا أو إنجليزيًا أو مصريًا، ومع مرور الوقت بدأت الأسماء المصرية تظهر بصورة أكبر داخل المجمع، ومن بينها طه حسين، ولطفي السيد، وعلي إبراهيم.
وفي الوقت نفسه، ظلت أسماء العلماء الأجانب حاضرة بقوة فى تاريخ المجمع، وبعضهم ارتبط اسمه بالقاهرة إلى درجة أن شوارع ومواقع مهمة حملت أسماءهم، مثل ماسبيرو ومارييت.
و«ماسبيرو» نفسه ترأس المجمع العلمي المصري أكثر من مرة.
حريق المجمع العلمي
ماذا حدث لهذه الثروة العلمية خلال أحداث 2011؟
هذه نقطة مهمة جدًا، لأننا لا نتحدث فقط عن مبنى تعرض للحريق، وإنما عن كارثة طالت واحدة من أهم مجموعات الكتب والوثائق العلمية والتاريخية فى مصر.
وهناك أفلام وثقت ما حدث أثناء الحريق، وكيف انهار السقف العلوي، أي سقف الطابق الثاني، على الطابق الأول، كما احترقت الأسقف والأرضيات والأرفف الخشبية، وتحول جزء كبير من المبنى ومحتوياته إلى ركام.
والأرقام تؤكد أننا فقدنا معظم المكتبة، كان لدى المجمع أكثر من 90 ألف كتاب، وفقدنا ما لا يقل عن 80 ألف كتاب منها، فنحن نتحدث عن وثائق ومراجع كان بعضها يمثل أصولًا علمية وتاريخية نادرة، ولذلك فإن الخسارة لم تكن مجرد فقدان كتب يمكن تعويضها بسهولة، وكانت منها أمهات الكتب، وترجمات للقرآن الكريم، ومجموعات كاملة لشعراء وكتاب فرنسيين، من بينها مجموعة لفولتير كانت تتكون من 40 جزءًا، إلى جانب مجموعة الدستور الفرنسي فى 8 أجزاء.
كما فقدنا كتابًا مهمًا بعنوان «علم الفراسة»، وهو علم كان له منهج دراسي فى ذلك الوقت، وكانت النسخة الموجودة فى المجمع هي النسخة الوحيدة منه الموجودة فى المكتبات المصرية.
وهنا تكمن خطورة ما حدث؛ فبعض ما فقدناه لم يكن مجرد كتاب له نسخ أخرى يمكن الرجوع إليها، وإنما كان نسخًا نادرة أو وحيدة من نوعها، وبالتالي فإن احتراقها يعني فقدان جزء من الذاكرة العلمية والتاريخية المصرية التي لا يمكن تعويضها بسهولة.
وهل إهداء المكتبات الشخصية للمؤسسات العلمية يحافظ على هذا التراث؟
بالتأكيد، وأنا شخصيًا اتخذت هذا القرار بالنسبة إلى مكتبتي، كان لدي أكثر من ألفي كتاب، وأهديتها بالكامل إلى الكلية التي كنت أعمل بها، وتحديدًا قسم الجغرافيا بكلية الأداب جامعة الفيوم وتوليت التدريس به على مدى نحو 50 عامًا أستاذًا بالجامعة.
فأولادي ليس لديهم اهتمام بالجغرافيا؛ أحدهم مهندس، وإحدى بناتي طبيبة، والأخرى تعمل فى مجال القانون، ولذلك رأيت أن أفضل مكان تذهب إليه هذه الكتب هو الجامعة، لتظل متاحة للباحثين والطلاب، وتكون صدقة جارية.
والجامعة كرمتني وخصصت غرفة تضم 13 دولابًا لحفظ مكتبتي، ومازلت أعمل فيها حتى الآن رغم أنني تجاوزت سن الثمانين، لأنني أؤمن أن قيمة الكتاب الحقيقية ليست فى امتلاكه داخل منزل، وإنما فى أن يظل متاحًا لمن يستطيع أن يستفيد منه ويضيف إليه معرفة جديدة.
ما دور المجمع العلمي؟
لدينا نشاط علمي مستمر، حيث نجتمع مرة كل شهر، فى يوم الاثنين الأخير من كل شهر، ولدينا موسم ثقافي نضع خلاله برنامج المحاضرات والموضوعات العلمية التي يقدمها أعضاء المجمع والباحثين.
ولا تتوقف الاستفادة من هذه المحاضرات عند إلقائها، وإنما نقوم بنشرها فى مجلة المجمع العلمي المصري، وهذه هي المجلة التي توثق نشاطنا العلمي على مدار السنوات، ولدينا مجلة تصدر بصورة سنوية.
وهذا هو جانب من النشاط الذي يقوم به المجمع اليوم: حفظ التراث والكتب والوثائق، واستقبال المكتبات الخاصة، إلى جانب استمرار دوره كمؤسسة علمية تنظم المحاضرات وتنشر الأبحاث والدراسات وتتيحها للباحثين.
هل استحدثتم وسائل جديدة تساعد الباحث على إنجاز عمله داخل المجمع؟
نعم، حاولنا أن نقدم شيئًا جديدًا ومفيدًا للباحثين، جهزنا ملحقًا داخل المجمع وقاعة خاصة وضعنا فيها كتب «وصف مصر» ومنشورات المعهد الفرنسي، وأنشأنا فيها ثماني كبائن بحثية مستقلة.
كل كبينة معزولة عن الأخرى بزجاج سميك، ومجهزة بمكتب وكرسي وحاسب آلي واتصال بالإنترنت، وأي باحث يريد العمل على بحث يمكنه الحصول على إحدى هذه الكبائن مجانًا، ويجلس فيها طوال فترة عمله.
الباحث يستطيع أن يحضر كتبه ومراجعه وأوراقه وأدواته، وباستخدام جهاز الكمبيوتر يمكنه البحث فى الكتب الموجودة بالمجمع، وإذا وجد كتابًا يحتاج إليه، يكتب لنا رقمه، ونحضره له إلى مكانه.
والأهم أننا لا نفرض عليه أن ينهي عمله فى يوم واحد، إذا انتهى وقت العمل ولم ينتهِ الباحث من بحثه، لا نقول له: «انتهى الوقت، خذ أغراضك وارحل»، يستطيع أن يترك أوراقه ومراجعه داخل الكبينة، ويعود فى اليوم التالي أو بعد يومين أو ثلاثة ليستكمل عمله، وتظل الكبينة مخصصة له حتى ينتهي من البحث.
ومن أين جاءت فكرة تخصيص هذه الكبائن للباحثين؟
رأيت هذا النظام فى جامعة أوكسفورد خلال إحدى زياراتي، وأدركت أنه يمكن تطبيقه لدينا أيضًا.
كيف تحافظون على طبيعة المبنى التاريخية فى ظل احتياجات التطوير؟
المبنى أثري، ولذلك كان الحفاظ عليه أولوية بالنسبة لنا، ونحن حريصون على أن يتم التطوير دون المساس بطبيعته أو قيمته التاريخية.
وكانت هناك فى فترات سابقة أفكار لاستخدام ساحة المجمع بشكل مختلف، لكننا تمسكنا بالحفاظ على المبنى وعلى المساحة المرتبطة به، لأن تاريخ المكان لا يمكن فصله عن المبنى وموقعه.
هل لديكم مبادرات أخرى تستهدف توسيع دائرة ارتباط المجتمع بالمجمع العلمي؟
نعم، من المبادرات التي استحدثناها «أصدقاء المجمع العلمي»، وأي شخص مهتم بالثقافة والعلم ويرغب فى أن يكون من أصدقاء المجمع، يستطيع أن يتقدم بطلب هنا، ويقدم صورة شخصية، ويدفع 100 جنيه، وهي قيمة مرتبطة بإصدار البطاقة وتصنيعها، وليس الهدف منها تحقيق دخل للمجمع، ويحصل العضو على بطاقة تحمل اسم «أصدقاء المجمع العلمي»، ويصبح من حقه أن يرتبط بأنشطة المجمع ويشارك فى الفعاليات التي ننظمها.
ولدينا الآن نحو 264 صديقًا من مختلف الجامعات والتخصصات، ومن بينهم صحفيون ومفكرون ومثقفون. وهذه المبادرة مهمة لأنها تجعل المجمع مفتوحًا أمام المجتمع، ولا تحصره فى أعضاء المؤسسة أو الباحثين المتخصصين فقط.
إلى أين وصل المجمع فى ملف الرقمنة ؟
الرقمنة أصبحت موضوعًا ملحًا وحاسمًا، لكن تكلفتها مرتفعة جدًا، إذا توافرت الإمكانات المالية، نستطيع تنفيذ ما نريده، لكن عملية الرقمنة نفسها تحتاج إلى وقت وفريق عمل متخصص.
عندما نقول إننا سنرقمن كتابًا، فهذا يعني التعامل مع كل صفحة على حدة؛ فالكتاب تتم معالجته صفحة صفحة، وهذا يتطلب وقتًا كبيرًا جدًا، ونحن نتحدث عن آلاف الكتب وعشرات الآلاف من الصفحات، وبالتالي نحتاج إلى فريق عمل لا يقل عن عشرة أشخاص، وقد نحتاج إلى سنوات طويلة لإنجاز المشروع بالكامل، من أين سنوفر الوقت والموارد المالية اللازمة لتحويل هذه الثروة الورقية إلى محتوى رقمي متاح للباحثين؟
لكن هل ترى أن الرقمنة، رغم تكلفتها، أصبحت ضرورة لا يمكن تأجيلها؟
بالتأكيد.. الرقمنة تحافظ على المحتوى وتوفر نسخة يمكن الرجوع إليها، وتقلل الحاجة إلى التعامل المتكرر مع الكتب الأصلية، وهو أمر مهم خصوصًا بالنسبة إلى الكتب النادرة والهشة.
لكن يجب أن ندرك أن الرقمنة ليست مجرد وضع كتاب أمام جهاز تصوير؛ هي عملية طويلة تحتاج إلى أجهزة مناسبة، وفنيين، وفهرسة، ومراجعة، وتخزين، ونظام يتيح للباحث الوصول إلى المادة بعد رقمنتها.
هل تعتقد أن الدولة مطالبة بتقديم دعم أكبر للمجمع العلمي فى ملف الرقمنة؟
بالتأكيد، وأنا أرى أن الرقمنة مشروع يحتاج إلى اهتمام ودعم حقيقيين، وحتى عندما ننظر إلى المؤسسات الكبرى التي بدأت بالفعل فى الرقمنة، سنجد أن حجم ما تم إنجازه ما زال محدودًا إذا قورن بحجم المقتنيات الموجودة لديها.
لكن هناك نقطة أخرى مهمة: مهما تطورت الرقمنة، لا أعتقد أننا سنصل إلى مرحلة يصبح فيها الكتاب الأصلي بلا قيمة، هل يمكن فى يوم من الأيام أن يستبدل الإنسان قراءة الكتاب بقراءة شاشة الكمبيوتر بشكل كامل؟ لا أعتقد ذلك.
النسخة الرقمية مهمة جدًا للحفاظ على المحتوى وإتاحته، لكن الكتاب الأصلي يظل وثيقة مادية لها قيمتها التاريخية والعلمية، خصوصًا إذا كان عمره مئات السنين، فالرقمنة مشروع قائم وغير مرفوض، بل هي اتجاه لا بديل عنه فى العصر الذي نعيش فيه، والعالم كله يتجه إليه، لكن القاعدة بالنسبة لنا بسيطة: فى حدود ما يتوفر لك اعمل، إذا وفرت لي الإمكانيات سأعمل بها وأحقق أفضل نتيجة ممكنة.
وماذا عن الكتب التي تحتاج إلى ترميم؟
الكتب التي نجد أنها أصبحت مهترئة نرسلها إلى جهات متخصصة فى التجليد، لإعادة تجليدها والحفاظ على الكتاب فى صورته المادية لكننا نفرق بين التجليد وبين ترميم محتوى الكتاب نفسه؛.
وهل تتعاونون مع جهات رسمية فى هذا المجال؟
نعم، لدينا تعاون مع دار الكتب المصرية، وهي تساعدنا فى بعض أعمال الترميم والحفظ، ويقدمون لنا الدعم فى حدود الإمكانيات المتاحة لديهم.
وهذا النوع من التعاون مهم جدًا بالنسبة لنا، لأن المؤسسات التي تعمل فى مجال حفظ التراث لا يمكن أن تعمل كل واحدة بمعزل عن الأخرى.
وهل سبق أن طالبتم بوضع المجمع العلمي تحت رعاية الدولة بصورة أكبر؟
نعم، سبق أن طلبنا أن يحظى المجمع برعاية أكبر من الدولة، وكانت هناك محاولات فى هذا الاتجاه، لكن لم تكتمل.
ونحن لا نطلب ذلك من أجل إدارة المجمع فقط، وإنما لأن حجم المسؤولية أكبر من إمكانيات المؤسسة وحدها، نحن أمام مبنى تاريخي، ومقتنيات نادرة، وكتب ووثائق لا يمكن تعويضها إذا فقدت.
وهل ما زالت هناك محاولة لإعادة طرح هذا الأمر؟
بدأنا بالفعل فى التواصل مع وزارة الثقافة فى مرحلة سابقة، لكن الظروف والتغييرات التي حدثت حالت دون استكمال الأمر بالشكل الذي كنا نأمله.
وفي النهاية، المجمع يحتاج إلى دعم مؤسسي مستمر، لأن الحفاظ على هذا التراث لا يمكن أن يعتمد على جهود أفراد فقط، نحن نبذل ما نستطيع فى حدود الإمكانيات المتاحة، لكن حجم المهمة أكبر بكثير.
هل يمكن أن نعود إلى ملف رعاية الدولة للمجمع، خصوصًا فى ظل الحاجة إلى تمويل مشروعات مثل الرقمنة؟
موضوع رعاية الدولة للمجمع كبير جدًا، وكانت هناك محاولات سابقة فى هذا الاتجاه، بل وصل الأمر إلى إعداد قانون ثم تغيّر الموقف منه أكثر من مرة، وفي النهاية قيل لنا إن المجمع سيحصل على منحة لمرة واحدة.
قلنا: لا بأس، نحصل عليها ونستخدمها فيما نستطيع، وبالفعل، استطعنا من خلالها توفير بعض الأجهزة والاحتياجات اللازمة للمجمع.
كما حصلنا، من خلال علاقات شخصية، على دعم من الصندوق الكويتي للتنمية، وصل إلى نحو 50 ألف دينار كويتي، واستخدمنا هذا المبلغ فى شراء بعض الأجهزة ومعدات التصوير، إلى جانب شراء كتب وإثراء المكتبة.
ومن يدير المجمع حاليًا؟ وكيف يتم العمل داخل مجلس الإدارة؟
مجلس الإدارة يتكون من تسعة أعضاء، وجميعنا نعمل بشكل تطوعي، ومن أعضاء المجلس الدكتور فاروق إسماعيل، رئيس جامعة القاهرة السابق والرئيس السابق للجامعة الكندية، والدكتور سعد نصار، محافظ الفيوم الأسبق، والدكتور أحمد الدرش، وزير الاقتصاد والتعاون الدولي الأسبق، والدكتور صابر عرب، وزير الثقافة الأسبق، رحمه الله، والدكتور أحمد فؤاد باشا، نائب رئيس جامعة القاهرة الأسبق لشؤون الدراسات العليا، إلى جانب بقية أعضاء المجلس.
وأنا شخصيًا أعتبر وجودي فى هذا المكان شرفًا كبيرًا، أنا لا أتقاضى أجرًا من المجمع، بل أتحمل بعض النفقات حتى أستطيع القيام بعملي هنا، ولا تتصور سعادتي عندما ننجز موسمًا ثقافيًا كاملًا، وأجلس على المنصة لأقدم التقرير الثقافي، هذا بالنسبة لي إنجاز حقيقي، لأنني أشعر أنني أديت واجبي تجاه مؤسسة لها هذا التاريخ.
كيف تستعدون لضمان استمرار المجمع فى المستقبل؟
هذه نقطة مهمة جدًا، نحن لن نعيش إلى الأبد، ولا بد أن يأتي جيل جديد يحمل المسؤولية بعدنا، فأغلب أعضاء المجلس الحاليين فى أعمار متقاربة، تتراوح تقريبًا بين 75 و85 عامًا، ولذلك بدأنا بالفعل فى فتح الباب أمام الشباب، خصوصًا من خلال مبادرة «أصدقاء المجمع العلمي»، ونحن نحاول أن نكتشف من بين هؤلاء الشباب من لديه اهتمام حقيقي بالعمل الثقافي والعلمي، ومن لديه القدرة على تحمل المسؤولية والعمل والتطوع دون مقابل، ندخلهم فى أنشطة المجمع، ونكلفهم ببعض المهام، ونشركهم فى الفعاليات، ونحاول تدريبهم تدريجيًا على العمل داخل المؤسسة، وهم بالفعل يشعرون بالسعادة عندما يشاركون معنا.
لكن المشكلة أن العثور على شباب مستعدين لبذل وقت وجهد حقيقيين فى عمل تطوعي دون أجر ليس أمرًا سهلًا، ولذلك فإن بناء جيل جديد من المتطوعين يمثل تحديًا أساسيًا أمامنا.
كيف يظهر دور المجمع العلمي للمجتمع؟
المجمع ربما لا يكون ظاهرًا بالقدر الكافي فى نظر الجمهور العام، لكنه معروف لدى المثقفين والباحثين، وبابه مفتوح لمن يريد أن يعرفه ويستفيد منه، ونحن نعمل على توسيع دائرة التواصل مع المجتمع من خلال الأنشطة الثقافية والمكتبة والباحثين وأصدقاء المجمع.
أما العضوية نفسها، فلدينا نظام محدد؛ عدد أعضاء المجمع لا يزيد على 120 عضوًا، وكلما خلت عضوية بوفاة أحد الأعضاء، يتم اختيار عضو جديد من كبار العلماء.
لدينا قائمة بأسماء كبار العلماء فى مصر، ونختار منها من يستحق العضوية، وكان من بين أعضاء المجمع العالم الكبير أحمد زويل قبل وفاته، وكذلك عدد من كبار العلماء وأساتذة الجامعات، وأكثر من 60% من أساتذة الجامعات السابقين والمعاصرين أعضاء فى المجمع، وهو ما يعكس مكانته العلمية.
لكن هل كل أعضاء المجمع يشاركون فعليًا فى أنشطته العلمية؟
هنا تكمن المشكلة، هناك أعضاء فاعلون يشاركون فى النشاط العلمي، وهناك آخرون قد يتعاملون مع العضوية باعتبارها قيمة أدبية أو مكانة اجتماعية فقط، قد تجد أحدهم يكتب فى كتابه: «فلان، عضو المجمع العلمي المصري»، ثم ينتهي دوره عند هذه الجملة.
والعضوية فى المجمع مدى الحياة، ولذلك لا أستطيع ببساطة أن ألغي عضوية شخص لأنه لم يشارك بالشكل الذي نريده، لكننا نحتاج دائمًا إلى أن تكون العضوية مرتبطة بالعطاء العلمي والمشاركة الحقيقية، لأن قيمة المجمع فى النهاية ليست فى أسماء أعضائه فقط، وإنما فيما يقدمونه من علم ومعرفة.
هل تحتاج عضوية المجمع إلى تعديل فى اللائحة؟
المسألة ليست فى أن نأخذ من أحد العضوية أو نستبعده، وإنما فى أن نبحث عن الصيغة التي تجعل العضوية أكثر فاعلية، عندما تنظر إلى الأمر عمليًا، ستجد أن عددًا محدودًا من الأعضاء هو الذي يشارك بصورة مستمرة فى أنشطة المجمع، لكن فى المقابل، لدينا تواصل واسع مع المؤسسات العلمية والتعليمية؛ نستقبل زيارات من أقسام الجغرافيا والآثار والفنون فى الجامعات، كما نستقبل طلاب المدارس الفرنسية، وننظم مؤتمرات وفعاليات علمية.
وهل سبق أن كان للمجمع دور فى قضية تاريخية أو وثيقة مهمة أثرت فى حدث عام أو ساهمت فى إظهار حقيقة تاريخية؟
ليس من منهج المجمع أن يتحدث فى قضيتين تحديدًا: الدين والسياسة، نحن نتجنب الدخول فيهما، لأن السياسة لها تيارات واتجاهات مختلفة، ولا نريد أن يتحول المجمع إلى ساحة خلاف بين أعضائه أو بين الجمهور، فالمجمع مكان للعلم والحوار، ولذلك نحاول أن نحافظ على هذه المساحة بعيدًا عن الاستقطاب السياسي أو الديني، وإلا سنجد أنفسنا فى النهاية ندخل فى كل الخلافات، وأهو نبقى ناقص نقعد نقسم الناس أهلي وزمالك!
هل يمكن للمجمع أن يساهم فى مناقشة القوانين؟
عندما يطلب رأينا، ندلي به تطوعًا، والمجمع يضم تخصصات متعددة؛ لدينا متخصصون فى العلوم السياسية والاقتصاد والعلوم المختلفة، وبالتالي يمكن أن يقدم رأيًا علميًا فى أي موضوع يدخل فى نطاق اختصاص أعضائه.
ونحن نأمل أن يكون لدينا داخل مجلس الإدارة أيضًا من لديه خبرة قانونية تساعدنا فى التعامل مع هذه الملفات، ومن المنتظر أن ينضم إلى المجلس عضو جديد خلفًا للدكتور صابر عرب، وهو الدكتور أنس جعفر، محافظ بني سويف الأسبق وأستاذ القانون، وسيكون لوجوده قيمة مهمة فى مناقشة الجوانب القانونية واللوائح، وفي مساعدتنا على طرح ما نحتاج إليه من تعديلات أو مطالب بصورة قانونية سليمة.
المجمع العلمي.. أين موقعه داخل مؤسسات الدولة؟
المجمع تابع للدولة بالفعل، نحن تابعون لوزارة التضامن الاجتماعي، باعتبارنا من مؤسسات المجتمع الأهلي.
لكن هل ترى أن هذه التبعية هي الأنسب لطبيعة المجمع العلمية والثقافية؟
هنا المشكلة، نحن واحد من عدد كبير جدًا من الجمعيات الأهلية التي تتبع وزارة التضامن، وهناك اختلاف كبير فى طبيعة وأهداف هذه المؤسسات.
المجمع العلمي مؤسسة علمية وثقافية لها تاريخ طويل جدًا، وتضم علماء وباحثين من تخصصات مختلفة، لذلك أرى أن وضع المؤسسات الثقافية والعلمية ذات الطبيعة الخاصة كلها فى إطار واحد مع بقية الجمعيات الأهلية لا يعكس طبيعتها الحقيقية.
إذن ما التصور الذي تراه مناسبًا للمجمع وللمؤسسات المشابهة؟
لماذا لا يكون هناك إطار مستقل يجمع الجمعيات والمؤسسات العلمية والثقافية؟ لدينا الجمعية الجغرافية، والجمعية التاريخية، وجمعيات علمية متخصصة فى الجيولوجيا وغيرها، و المجمع العلمي نفسه.
فبدلًا من وضع هذه المؤسسات كلها فى التصنيف نفسه مع مختلف الجمعيات الأهلية، يمكن إنشاء رابطة أو كيان خاص بالمؤسسات العلمية والثقافية، تكون له طبيعة مختلفة تتناسب مع طبيعة عملها.
وأنا لا أطالب بالضرورة بضمنا إلى وزارة الثقافة أو وزارة التعليم العالي؛ لأن المجمع يضم علماء من تخصصات متعددة، وله شخصيته المستقلة وتاريخه الخاص، الأفضل فى رأيي أن نُعطى مساحة من الاستقلال تسمح لنا بإدارة شؤوننا العلمية بأنفسنا، مع استمرار الرقابة والإطار القانوني للدولة.
بمعنى أن المطلوب ليس مجرد تغيير جهة التبعية، وإنما إيجاد إطار يعترف بالطبيعة الخاصة لهذه المؤسسات؟
بالضبط.. المطلوب أن نُعامل بما يتناسب مع طبيعتنا العلمية والثقافية، وأن يكون لدينا إطار يجمع المؤسسات التي تشترك فى هذه الطبيعة، بحيث تستطيع أن تطور نفسها وتقدم دورها للمجتمع بصورة أفضل.
كيف يمكن للمجمع العلمي أن يستعيد حضوره فى المجتمع، خصوصًا أن رسالته الأساسية هي نشر الثقافة العلمية؟
وظيفتنا الأساسية هي نشر الثقافة، والثقافة العلمية على وجه الخصوص، فى مجتمع لا تزال الأمية فيه موجودة بدرجات مختلفة، ولذلك نحن نريد أن نجذب الباحثين إلى المجمع، وأن يعرفوا أن الباب مفتوح أمامهم.
قاعات البحث موجودة، والمراجع موجودة، والأجهزة متاحة، ونحن نحاول أن نوفر للباحث كل ما يحتاج إليه، أحيانًا يذهب الباحث إلى مكان آخر لتصوير ورقة فيُطلب منه مقابل مادي عن كل ورقة، بينما نقول له: تعال إلى المجمع، استخدم ما لدينا، واجلس فى إحدى كبائن الباحثين مجانًا، واعمل على بحثك فى المكان.
وهل هذا متاح لكل التخصصات؟
بالتأكيد.. قل لي فقط: ماذا تدرس؟ فنون؟ آداب؟ علوم أساسية؟ التخصصات الأربعة التي ينص عليها قانون المجمع العلمي أبوابها مفتوحة أمام الباحثين، المهم أن يعرف الباحث طريقه إلى المجمع، وأن يأتي عندما يكون جادًا فى عمله، أما أن تأتي فقط لتضع اسمك وتقول: «أنا عضو فى المجمع العلمي المصري»، فهذا وحده لا يكفي.
بالتأكيد الانتساب إلى المجمع شرف كبير لي ولأي شخص ينتمي إليه، لكن العضوية يجب أن تكون مرتبطة أيضًا بالعطاء والعمل، وأن يكون الإنسان على قدر سمعة المؤسسة التي ينتسب إليها.
وهل وجدت أن هناك من يدعم المجمع من داخل مصر؟
نعم، وهناك من يعطي بسخاء، وأقصد هنا أبناء مصر أنفسهم، لدينا نماذج كثيرة تؤكد أن الناس عندما تعرف قيمة المكان تكون مستعدة للمساعدة.
ومن هذه النماذج ثلاثة عمال موجودون هنا منذ فترة إعادة بناء المجمع بعد الحريق، فى ذلك الوقت كان المهندس إبراهيم محلب رئيسًا لمجلس إدارة شركة المقاولون العرب، قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، وكانت الشركة تتولى إعادة بناء المجمع بتكليف من الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.
عرضت عليه احتياجاتنا، فساعدنا بثلاثة عمال: أحدهم للأمن واثنان للخدمات، وما زال يتحمل أجورهم حتى اليوم.
وهذا نموذج مهم بالنسبة لي؛ لأن المجمع لا يملك موارد كبيرة تسمح له بتعيين عدد كبير من العاملين.
وهل ينطبق ذلك أيضًا على دراسة اللغات والمصادر الأجنبية؟
بالتأكيد.. أنت جئت إلى هنا وستجد قاموسًا بجواري، لن أقول لك: ضع النص فيChatGPT واطلب منه أن يترجمه لك، اقرأ بنفسك، الباحث لا ينبغي أن يكتفي بالحصول على ترجمة جاهزة؛ عليه أن يقرأ ويستزيد من المعرفة بالمصطلحات والمفاهيم وطريقة استخدام اللغة فى المصادر الأصلية، المشكلة أن كثيرًا من الناس لم يعد لديهم الصبر على ذلك.
هل ترى أن هذا الأمر أصبح مشكلة لدى الباحثين الجدد؟
للأسف، أرى أحيانًا قدرًا من الهشاشة لدى بعض الباحثين الجدد، لا يريدون أن يبذلوا الجهد نفسه الذي كان مطلوبًا من الباحث فى الماضي، أنا مثلًا أنجزت رسالتي عن منطقة البرلس فى أقصى شمال مصر، وكنت أذهب إلى هناك وأقيم فى الميدان لفترات طويلة، كنت أحمل معي خيمة وأقيم بالقرب من أحد المساجد وسط الرمال، فى منطقة بها كثبان رملية ومستنقعات، وأبقى هناك بما أحتاج إليه من طعام وشراب وموقد، لأن البحث الجغرافي فى ذلك الوقت كان يتطلب جزءًا ميدانيًا حقيقيًا، المعرفة بالنسبة إلى الجغرافي ليست مجرد قراءة كتاب، وإنما قراءة الظاهرة نفسها، فالجغرافي الحقيقي هو الذي يستطيع أن ينقل الطبيعة إلى الورق، وليس فقط أن ينقل ما فى الورق إلى عقله، أما أن تكتفي بوصف ما قرأته دون أن ترى الظاهرة وتدرسها، فهذا يتحول إلى عمل وصفي فقط.
لكن التكنولوجيا غيّرت أدوات البحث بصورة كبيرة. كيف ترى ذلك؟
هناك مفاهيم وأسس للمعرفة والبحث العلمي يحتاج الباحثون إلى تنشيطها باستمرار، خصوصًا فى عصر الذكاء الاصطناعي، ونظم المعلومات الجغرافية، والاستشعار عن بعد، واليوم أصبحت كمية هائلة من المعلومات متاحة للباحث وهو جالس فى مكانه. تستطيع الوصول إلى صور وخرائط وبيانات لم تكن متاحة للباحث من قبل، وهذه فرصة هائلة للباحثين.
أين اختفت خرائط المجمع؟
للأسف، لا أملك الكثير مما كان موجودًا من قبل، غرفة كاملة كانت مخصصة للخرائط والوثائق احترقت فى حريق المجمع العلمي، كانت لدي خرائط كثيرة جدًا عن مصر ومناطق أخرى، ومن بينها خرائط تحت سطح الأرض مرتبطة بأعمال عمر طوسون، وكل ذلك احترق.
وكيف كان تأثير الحريق على هذه المقتنيات؟
الورق كان هو الوقود الأساسي، إلى جانب الأخشاب التي كانت موجودة فى الأسقف والأرفف.
ثم جاءت مياه الإطفاء لتزيد من حجم التلف، رجل الإطفاء همه الأول أن يطفئ الحريق، وهذا مفهوم، لكن الكتاب الذي تصل إليه المياه بكميات كبيرة قد يتحول إلى عشرات القطع.
ولذلك وجدنا بعد الحريق كتبًا مبللة، وكان علينا أن نحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه وتجفيفه والحفاظ عليه.
وهل نجحتم فى إنقاذ بعض هذه الكتب والوثائق؟
نعم، حاولنا إنقاذ ما يمكن إنقاذه كنا نجد كتبًا مبللة ونقوم بتجفيفها ومعالجتها قدر الإمكان، لكن الخسارة كانت كبيرة جدًا، ولهذا أقول دائمًا إن الحفاظ على ما تبقى ليس رفاهية. الكتاب القديم والوثيقة القديمة لا يمكن تعويضهما بمجرد شراء كتاب جديد؛ لأن القيمة هنا ليست فى الورق وحده، وإنما فى التاريخ الذي يحمله المصدر، ومن هنا تأتي أهمية المجمع العلمي: نحن لا نحفظ كتبًا فقط، وإنما نحاول أن نحفظ أجزاء من ذاكرة مصر والعالم كما وصلت إلينا عبر القرون.
من أبو سمبل إلى وصف مصر الحديثة.. ذاكرة محفوظة فى الكتب والصور، واضح أن كل كتاب أو صورة هنا لها حكاية، وكأننا أمام سجل بصري وتاريخي لمصر.
طبعًا.. انظر مثلًا إلى هذه الصورة لمعبد أبو سمبل، المعبد نفسه مرّ بواحدة من أهم عمليات الإنقاذ الأثري فى التاريخ الحديث، عندما تم نقله من موقعه الأصلي لحمايته من الغرق بعد إنشاء السد العالي وتكوين بحيرة ناصر.
انظر كيف كانت الرمال تغطي أجزاء كبيرة منه، هذه الصور مهمة لأنها لا توثق الأثر فقط، وإنما توثق حالته فى فترة تاريخية معينة، وكيف كان الناس يرونه قبل عمليات الإنقاذ والترميم.
وهنا صورة أخرى مرسومة لأبي الهول، مثل هذه الأعمال كانت تُنجز فى الخارج فى أزمنة قديمة، وكان الأجانب يأتون إلى مصر ويسجلون ما يشاهدونه من آثار ومعالم.
هل تحتفظون بإصدارات حديثة يمكن أن تكون مصادر للباحثين؟
المطبوعات الحديثة مهمة، ومنها ما يصدر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، وهي مطبوعات يجب ألا يستهين بها الباحث.
انظر إلى هذا الكتاب مثلًا؛ ستجد فيه وصفًا حديثًا لمصر، محافظة محافظة، ويضم معلومات تفصيلية عن المحافظات السبع والعشرين، من سوهاج والغربية والبحيرة والدقهلية إلى بورسعيد وكفر الشيخ وغيرها.