دخل قانون "المساعدة على الموت" في فرنسا حيز التنفيذ، الأربعاء، بعد سنوات من الجدل السياسي والمجتمعي بشأن حق المرضى المصابين بأمراض مستعصية في اختيار إنهاء حياتهم، لتصبح البلاد واحدة من مجموعة محدودة من الدول التي أقرت تشريعات تتيح هذا الخيار.
وأقر المجلس الدستوري الفرنسي القانون في 14 أغسطس، مؤكدًا توافقه مع المبادئ الدستورية، بما في ذلك الحرية الشخصية والكرامة الإنسانية، مع إدخال بعض التوضيحات المتعلقة بتطبيقه.
ومن بين هذه التوضيحات السماح لبعض المؤسسات الطبية والخاصة والدينية بالامتناع عن تنفيذ إجراءات المساعدة على الموت وفق شروط محددة، شريطة ألا يؤدي ذلك إلى حرمان المرضى من إمكانية الوصول إلى الخدمة في مناطقهم. كما أقر المجلس إمكانية لجوء بعض العاملين الصحيين إلى "بند الضمير" في حالات معينة، حسبما أوردت صحيفة "لوموند" الفرنسية.
فعل ذاتي
ويمنح القانون البالغين من المواطنين الفرنسيين أو المقيمين لفترات طويلة في البلاد، ممن يعانون مرضًا عضالًا يتسبب في معاناة شديدة وغير محتملة، إمكانية طلب المساعدة على الموت.
ولا يصبح الطلب نافذًا تلقائيًا، إذ يتعين على طبيب تقييم مدى استيفاء المريض الشروط القانونية، قبل إحالة الطلب إلى لجنة مراجعة للنظر فيه. كما يفرض القانون فترة انتظار إلزامية مدتها يومان للتفكير قبل تنفيذ الإجراء.
ويشترط كذلك أن يكون المريض قادرًا على اتخاذ قرار حر ومدرك بشأن طلبه. وبموجب التشريع، يحصل المريض على مادة قاتلة ليتولى تناولها بنفسه، فيما يمكن للطبيب أو أحد أفراد الطاقم الطبي مساعدته إذا كان عاجزًا جسديًا عن القيام بذلك، كما يجوز للمريض سحب موافقته في أي وقت.
حتى الآن، سمحت فرنسا بالقتل الرحيم السلبي - مثل الامتناع عن استخدام أجهزة دعم الحياة الاصطناعية - والتخدير العميق قبل الموت، لكن الأشخاص الذين يسعون إلى خيارات فعالة لنهاية الحياة اضطروا إلى السفر إلى بلدان أخرى حيث يكون الموت بمساعدة طبية قانونيًا.
تشريع نهاية الحياة
يمثل القانون تحولًا كبيرًا في السياسة الفرنسية المتعلقة بنهاية الحياة، إذ كانت القوانين السابقة تسمح بوقف بعض العلاجات، إلى جانب اللجوء إلى التخدير العميق في حالات محددة، لكنها لم تمنح المرضى حقًا قانونيًا في الحصول على مادة لإنهاء حياتهم.
كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد تعهد خلال حملته لإعادة انتخابه عام 2022 بإطلاق تشريع يتعلق بالمساعدة على الموت، قبل أن يخضع المشروع لسنوات من النقاشات السياسية والأخلاقية والبرلمانية.
وفي 15 يوليو الماضي، أقر البرلمان الفرنسي بصورة نهائية القانون، الذي يسمح بالمساعدة على الموت للبالغين المصابين بأمراض خطيرة ومستعصية، في إطار شروط وضوابط محددة.
جدل أخلاقي وديني
ورغم دخول القانون حيز التنفيذ، لا يزال مثار جدل في فرنسا، إذ ترى الجهات المؤيدة له أنه يمثل تقدمًا في احترام استقلالية المرضى وحقهم في اتخاذ قراراتهم المتعلقة بنهاية حياتهم، خصوصًا في حالات المعاناة التي لا يمكن تخفيفها.
في المقابل، أعربت مؤسسة "جيروم ليجون"، التي تقدم الرعاية مدى الحياة للأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية الوراثية مثل متلازمة داون، عن استيائها إثر إقرار القانون، فيما حذر بعض العاملين في القطاع الصحي من التداعيات الأخلاقية للتشريع، وأبدوا مخاوف بشأن حماية المرضى الأكثر ضعفًا، فضلًا عن الاعتراض على قصر فترة التفكير الإلزامية.
وبانضمامها إلى دول مثل هولندا وبلجيكا وسويسرا وكندا، تدخل فرنسا مرحلة جديدة في التعامل القانوني مع قضايا نهاية الحياة، في خطوة يرجّح أن تبقي النقاش حول حدود الممارسة الطبية وحق الفرد في تقرير مصيره حاضرًا بقوة في المجتمع الفرنسي.