بالمستندات.. دار المعارف تكشف تفاصيل أزمة مجمع اللغة العربية

بالمستندات.. دار المعارف تكشف تفاصيل أزمة مجمع اللغة العربيةمجمع اللغة العربية

منذ تأسيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة قبل نحو قرن، ارتبط اسمه بحماية اللغة العربية وتطويرها، وتعاقب على عضويته ورئاسته كبار علماء اللغة والفكر والأدب، وظل أحد أبرز رموز القوة الناعمة المصرية فى العالم العربي، غير أن المستندات التي حصلت عليها «مجلة أكتوبر» وتنشرها "بوابة دار المعارف" تكشف عن أزمة ممتدة داخل المؤسسة، تتجاوز مجرد شغور بعض المقاعد أو المناصب، لتطرح أسئلة أعمق حول مستقبل المجمع وقدرته على استكمال هيكله العلمي والإداري ومواصلة أداء دوره، وتوثق المخاطبات الرسمية المتبادلة بين المجمع و وزارة التعليم العالي والجهات المعنية، على مدى سنوات، سلسلة من المطالب المتعلقة بإجراء انتخابات أعضاء المجمع واستكمال المقاعد الشاغرة، وانتخاب رئيس المجمع ونائبه وأمينه العام، فيما تشير أحدث المستندات إلى أن عدد الأعضاء المصريين تراجع إلى 19 عضوًا فقط من أصل 40.

ولا تقف القضية عند حدود الأرقام؛ فالمستندات ترصد كذلك مسارًا طويلًا من المخاطبات، بدأ بعد تعطل انتخابات عام 2020، مرورًا بمخاطبات إلى وزارة التعليم العالي، وهيئة الرقابة الإدارية، ورئاسة مجلس الوزراء، وصولًا إلى خطاب أبريل 2026 الموجه إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وبينما تتضمن بعض الوثائق مطالب بإجراء الانتخابات واستكمال العضوية، يتضمن تقرير للجنة التعليم والبحث العلمي والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس الشيوخ توصيات باستكمال عدد أعضاء المجمع وتعديل القانون المنظم لعمله.

تفتح « مجلة أكتوبر » ملف مجمع اللغة العربية من واقع الوثائق والمكاتبات الرسمية، واضعةً أمام القارئ الوقائع كما وردت فى مستنداتها، مع التمييز بين ما تثبته الأوراق وما يمثل وجهة نظر أصحاب الشأن.. فماذا حدث؟ ولماذا طال أمد الأزمة؟ وإلى أين يتجه مستقبل واحدة من أعرق المؤسسات العلمية والثقافية فى مصر؟

أسباب تعطل الانتخابات

بتاريخ 4 سبتمبر 2024، وجّه مجمع اللغة العربية بالقاهرة خطابًا إلى إحدى الجهات الرقابية، ردًا على استفسارها بشأن موقف مجلس المجمع وأسباب عدم إجراء الانتخابات حتى ذلك التاريخ.

ويعرض الخطاب، الذي جاء فى عدة نقاط مدعومة بمرفقات، الإطار القانوني المنظم لعمل المجمع، وتطور أزمة الانتخابات منذ عام 2020، إلى جانب المخاطبات المتبادلة مع وزارة التعليم العالي بشأن استكمال عضوية المجمع وانتخاب قياداته.

وبحسب الخطاب، فإن مجمع اللغة العربية هيئة علمية مستقلة ذات شخصية اعتبارية، لها استقلال مالي وإداري، وتتبع وزير التعليم العالى، ويقع مقرها فى القاهرة، وذلك وفقًا للمادة الأولى من القانون رقم 14 لسنة 1982 بإعادة تنظيم مجمع اللغة العربية، وهو القانون الذي أشار الخطاب إلى أنه التشريع المعمول به حتى تاريخ إرساله.

نقطة الخلاف

يرصد الخطاب أن اختيار أعضاء المجمع يتم عن طريق الانتخاب من جانب أعضاء المجلس، على أن يصدر قرار باعتماد الانتخاب من رئيس الجمهورية، وفقًا للمادة السابعة من قانون إعادة تنظيم المجمع.

كما ينص القانون، وفقًا لما أورده الخطاب، على انتخاب رئيس المجمع ونائب الرئيس والأمين العام من جانب أعضاء المجمع، مع صدور قرار باعتماد انتخاب رئيس المجمع من رئيس الجمهورية، واعتماد انتخاب نائب الرئيس والأمين العام من الوزير المختص، وفقًا للمادة العاشرة.

ويشير الخطاب إلى أن انتخابات المجمع جرت طوال تاريخه دون اعتراض من جهة خارجية على إجراءاتها، حتى انتخابات عام 2020، التي يقول المجمع إن اعتراضًا أثير بشأنها بسبب سقوط اسم أحد الأعضاء من لائحة الحضور، رغم حضوره.

ويستند المجمع فى عرضه إلى مرفقين أرفقهما بالخطاب إلى هيئة الرقابة الإدارية ، باعتبارهما من المستندات المؤيدة لما أورده بشأن الواقعة.

ومع ذلك، يوضح الخطاب أن المجمع أرسل إلى الوزارة بتاريخ 22 مارس 2022 خطابًا يتضمن موافقته على حضور مندوب منها جلسة الانتخاب التي كان مقررًا عقدها، إلا أن المجمع يقول إنه لم يتلقَّ ردًا على هذا الخطاب.

مخاطبات متكررة

ويوثق الخطاب عددًا من المكاتبات التي وجهها المجمع إلى وزارة التعليم العالي.

ويتناول الخطاب كذلك مسألة حضور مندوب عن وزارة التعليم العالي للتأكد من سلامة الإجراءات الانتخابية، باعتبارها إحدى النقاط التي ارتبطت بالاعتراض على نتيجة انتخابات رئيس المجمع ونائبه.

ويعرض المجمع فى خطابه موقفه القانوني من هذه المسألة، موضحًا أن القانون، من وجهة نظره، لم ينص على مشاركة مندوب من الوزارة فى جلسات الانتخاب.

ففى 2 مارس 2022، طلب المجمع لقاء وزير التعليم العالي مع لجنة من أعضائه، ثم كرر الطلب فى 13 ديسمبر 2022، بحسب الخطاب، دون أن يتلقى ردًا فى المرتين.

وفى 23 يناير 2023، خاطب المجمع الوزارة بشأن انتخابات الأعضاء، وردت الوزارة فى 22 فبراير 2023 بطلب تأجيل الأمر إلى موعد يُحدد بالتفاهم بين الوزير والمجمع، وفقًا لما أورده الخطاب.

ويشير إلى أن المجمع وافق على هذا الطلب فى 26 فبراير 2023، رغبةً منه فى استكمال إجراءات العضوية.

كما يوضح الخطاب أن وزارة التعليم العالي طلبت، بموجب خطاب مؤرخ فى 30 يناير 2023، بيانات المرشحين للعضوية وصورة الرقم القومي والسيرة الذاتية لكل مرشح، وأن المجمع أرسل البيانات المطلوبة إلى الوزارة بتاريخ 6 فبراير 2023.

أربعة وعشرون عضوًا

ومن أبرز ما يكشفه خطاب 4 سبتمبر 2024 أن عدد أعضاء المجمع فى ذلك الوقت كان 24 عضوًا من أصل 40 عضوًا.

ويشير المجمع فى خطابه إلى أن بعض القرارات تحتاج إلى أغلبية الثلثين، بما يعني ـ وفق الحساب الوارد فى الخطاب ـ الحاجة إلى 26 عضوًا، ويرى أن نقص عدد الأعضاء يؤثر فى قدرة المجمع على أداء بعض أعماله وتشكيل لجانه العلمية.

وهنا تجدر الإشارة، عند صياغة التقرير، إلى أن رقم 24 عضوًا هو الرقم الذي أثبته خطاب المجمع الموجه إلى هيئة الرقابة الإدارية فى 4 سبتمبر 2024، بينما تشير مستندات لاحقة إلى انخفاض العدد إلى 19 عضوًا حاليًا. وبالتالي فالأدق صحفيًا عدم دمج الرقمين، وإنما عرضهما باعتبارهما مرحلتين زمنيتين مختلفتين فى مسار تناقص العضوية.

ويرصد الخطاب كذلك التسلسل الذي مرت به رئاسة المجمع منذ أزمة انتخابات 2020.

فبحسب المستند، ظل المجمع دون رئيس إلى أن صدر تكليف وزير التعليم العالي آنذاك للأستاذ الدكتور صلاح فضل بالقيام بأعمال رئيس المجمع فى 18 نوفمبر 2020 لمدة عام، ثم جُدد التكليف إلى أن توفى فى 10 ديسمبر 2022.

وبعد ذلك، ظل المجمع، وفقًا للخطاب، دون رئيس أو قائم بأعماله إلى أن صدر قرار وزير التعليم العالي فى 19 مارس 2023 بتكليف الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عبد الحافظ بالقيام بأعمال رئيس المجمع، قبل أن يتوفى لاحقًا فى 10 نوفمبر 2024.

وهكذا، يوثق المستند مرحلة من مراحل الأزمة قبل وفاة عبد الوهاب عبد الحافظ، بينما توضح المخاطبات اللاحقة تطورات الوضع بعد شغور المنصب مرة أخرى.
ماذا طلب المجمع من «الرقابة الإدارية»؟

اختتم المجمع خطابه بالتأكيد على أن ما عرضه من وقائع ومخاطبات ومستندات، من وجهة نظره، يؤكد ضرورة العودة إلى إجراء الانتخابات الخاصة برئيس المجمع ونائبه والأمين العام والأعضاء الجدد، بما يسمح باستكمال النصاب القانوني لعضوية المجمع وتمكينه من أداء مهامه.

سري للغاية

وفى 24 يناير 2023 قام مجمع اللغة العربية بإرسال خطاب رقم 31 بتاريخ 2023/1/24 لوزير التعليم العالي بشأن إجراء انتخاب لشغل عدد (13) مقعداً شاغراً بالمجمع، ثم جاء الرد عليه بتاريخ 30 يناير 2023 بموافاة الوزارة ببيانات المرشحين على أن تشمل الآتي: صورة بطاقة الرقم القومي، والسيرة الذاتية، كما أنه فى إطار تحديث البيانات الخاصة بالأعضاء والعاملين بكافة الجهات التابعة للوزارة، فيرجى التفضل بموافاتنا بذات البيانات المشار إليها لأعضاء المجمع والعاملين به.

وبتاريخ 6 فبراير 2023 أرسل المجمع للدكتور محمد أيمن عاشور وزير التعليم العالي والبحث العلمي آنذاك، بأن مجلس المجمع قرر إتاحة الفرصة للوزارة للنظر فى السير الذاتية المرفقة، وتأجيل موعد إجراء الانتخابات على المقاعد الشاغرة فى عضويته إلى يوم الاثنين 27 / 2 / 2023م بدلا من الاثنين 13 / 2 / 2023م.

وفى خطاب بتاريخ 9 يناير 2025 من وزارة التعليم العالي مكتوب عليه من أعلى "سري للغاية" موجه للدكتور عبدالحميد مدكور القائم بأمين عام مجمع اللغة العربية بشأن طلب الموافقة على إجراء انتخابات لمنصب رئيس ونائب رئيس مجمع اللغة العربية واستكمال باقي أعضاء المجلس إلى إرجاء الانتخابات لحين الانتهاء من أعمال اللجنة المشكلة بقطاع التشريع بوزارة العدل للوصول للصياغة النهائية لمشروع القانون المقترح بشأن تنظيم العمل بالمجامع العلمية واللغوية.

مخاطبة عاجلة

وفى 11 أغسطس 2024، أرسل الدكتور عبد الوهاب عبد الحافظ، القائم بعمل رئيس مجمع اللغة العربية، إلى الدكتور محمد أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي آنذاك، خطابًا جاء نصه كالتالي:

«أتشرف بأن أرفق لمعاليكم الكتاب الموجه إلى دولة رئيس الوزراء الأستاذ الدكتور مصطفى مدبولي بشأن الوضع الحالي فى مجمع اللغة العربية.

برجاء التفضل بعرضه على سيادته إعمالًا للتفويض الصادر من السيد رئيس الجمهورية له فى شأن بعض الاختصاصات، ومنها مجمع اللغة العربية.

وأغتنم هذه المناسبة لأعبر عن صادق تهنئتي وتهنئة المجمع بتجديد ثقة السيد الرئيس واستمراركم فى المنصب الجليل».

ثم تابع الخطاب:

«فيطيب لي أن أهنئكم بتجديد ثقة السيد رئيس الجمهورية فى شخصكم الكريم، آملًا أن يوفقكم الله تعالى لمزيد من العطاء المخلص لخدمة الوطن العزيز.

وبمناسبة صدور قرار السيد رئيس الجمهورية رقم 304 لسنة 2024 بتفويض سيادتكم فى بعض الاختصاصات المخولة قانونًا لرئيس الجمهورية، المنصوص عليها فى القوانين واللوائح، ومن بينها قانون مجمع اللغة العربية الصادر بالقانون رقم 14 لسنة 1982؛ فقد رأيت أن أكتب إلى سيادتكم عن الوضع الحالي للمجمع من حيث العضوية:

فالمادة (5) من قانون المجمع تنص على أن: "يتألف مجلس المجمع من أربعين عضوًا على الأكثر من المصريين، ويتألف مؤتمر المجمع من أعضاء المجلس وعدد لا يجاوز العشرين من غير المصريين".

وقد أُجريت آخر انتخابات لعضوية المجمع فى العام المجمعي الخامس والثمانين، سنة 2019–2020م، وفاز فيها بالعضوية الأستاذ الدكتور محمد حماد (رحمه الله)، والأستاذ الدكتور محمد فهمي طلبة».

كما استكمل خطابه:

«ومنذ ذلك التاريخ، أي منذ خمس دورات مجمعية، لم يستطع المجمع إجراء انتخابات للعضوية لأسباب إدارية تعلمها حق العلم وزارة التعليم العالي الموقرة.

وقد كتبنا ل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الموقرة فى هذا الشأن بالخطاب رقم (31) المؤرخ فى 23/1/2023م (مرفق 1)، وجاء رد الوزارة بمخاطبة المجمع لموافاة الوزارة ببيانات المرشحين على أن تشمل صورة الرقم القومي والسيرة الذاتية لكل مرشح (مرفق 2)، وقد وافى المجمع الوزارة بما طلبت فى الخطاب رقم (23) المؤرخ فى 6/2/2023م (مرفق 3).

وجاء رد الوزارة فى الخطاب المؤرخ فى 22/2/2023م بتأجيل موعد الانتخابات إلى موعد يتم تحديده لاحقًا (مرفق 4)، كما خاطب المجمع الوزارة فى الشأن نفسه بتاريخ 26/2/2023م (مرفق 5)، وتاريخ 3/3/2024م (مرفق 6)، ولم يتلقَّ ردًّا على هذا الأمر حتى الآن.

ولما كان عدد أعضاء المجمع الحاليين من المصريين هو (24) عضوًا، وهو عدد لا يكفى للقيام بأعباء العمل العلمي فى اللجان وغيرها، فضلًا عن أنه عدد يتناقص بصورة متوالية بالوفاة وغيرها.

لذلك نرجو التفضل بالنظر بعين العناية إلى هذا الأمر؛ حتى يتيسر للمجمع أداء مهامه فى الحفاظ على اللغة العربية ، والقيام بدوره الثقافى بوصفه أداة بالغة التأثير من أدوات القوة الناعمة لوطننا الحبيب.

ومن ناحية أخرى، فإن منصب رئيس المجمع يُشغل الآن عن طريق التكليف بالقيام بأعمال رئيس المجمع. وتكليف رئيس المجمع بهذا الشكل للقيام بالعمل يؤثر تأثيرًا سلبيًّا لا شك فيه على مكانة المجمع العربية والدولية؛ ذلك أن رئيس المجمع المصري هو رئيس اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربية، وهذا الاتحاد مقره القاهرة، ولا يتصور أن يختار مكلف بالقيام بالعمل رئيسًا للاتحاد، وضياع هذا الموقع من مصر وعلمائها تأثيره غير المحمود على مكانة مصر النافذة فى العالم العربي.

ومن ثم، فإنه من الضروري أن تُجرى الانتخابات على منصب رئيس المجمع ونائب الرئيس، ليتمكن كل منهما من أداء المسؤوليات المنوطة به، وتمثيل مصر تمثيلًا مقبولًا فى علاقة مجمعنا اللغوي بالمجامع والهيئات العلمية العربية والأجنبية.

دولة رئيس مجلس الوزراء.. إني أضع هذا الأمر برمته بين يديكم، بمقتضى التفويض الرئاسي الصادر لدولتكم، وكلي أمل أن يتم النظر إليه بصفة مستعجلة، لما بينته من اعتبارات.

وقد رأيت أن أرسل هذا الالتماس إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي؛ ليكون أقدر على بيان التفاصيل لدولتكم، وبصفته الجهة التي تتواصل مع رئاسة الوزراء فى شأن المجمع».

خطاب جديد

وفى 12 أبريل 2026، وجّه مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ممثلًا فى أمينه العام الدكتور عبد الحميد مدكور، خطابًا إلى الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، عرض فيه ما وصفه المجمع بأوضاع المؤسسة العلمية، مطالبًا باتخاذ الإجراءات اللازمة لاستكمال هيكله العلمي والإداري.

واستند الخطاب فى بدايته إلى المادة 21 من الدستور المصري، التي تنص على أن: «تكفل الدولة استقلال الجامعات والمجامع العلمية واللغوية...»، مؤكدًا أن الهدف من المخاطبة هو تمكين المجمع من أداء رسالته العلمية والوطنية على الوجه الأكمل.

وأشار الخطاب إلى تناقص عدد أعضاء المجمع نتيجة وفاة عدد منهم خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن ذلك أدى، وفق البيانات الواردة فى الخطاب، إلى شغور 20 مقعدًا من أصل 40.

وبحسب الخطاب، لم تُجرَ انتخابات لعضوية المجمع منذ العام المجمعي 2019/2020، وهو ما أدى ـ وقت تحرير الخطاب ـ إلى وجود 20 عضوًا فقط من أصل 40، وهو عدد وصفه المجمع بأنه لا يكفى للقيام بأعباء العمل العلمي، مؤكدًا أن نقص العضوية أصبح مؤثرًا فى مسيرة أعمال المجمع ونشاطه العلمي.

وهنا تبرز أهمية التدقيق الزمني فى عرض الأزمة؛ إذ إن خطاب إحدى الجهات الرقابية المؤرخ 4 سبتمبر 2024 كان قد ذكر أن عدد أعضاء المجمع يبلغ 24 عضوًا، بينما يذكر خطاب 12 أبريل 2026 أن العدد أصبح 20 عضوًا، فى حين تشير مستندات أحدث إلى أن العدد الحالي بلغ 19 عضوًا وبذلك يعكس اختلاف الأرقام تطورًا زمنيًا فى عدد أعضاء المجمع، وليس تناقضًا فى عرض الواقعة.

مخاطبات سابقة

استند الخطاب إلى مخاطبات سابقة بشأن استكمال عضوية المجمع، من بينها خطاب المجمع رقم 31 بتاريخ 24 يناير 2023، الذي طلب فيه فتح باب الترشيح لاختيار أعضاء جدد واستكمال نصاب المجلس.

وبحسب خطاب أبريل 2026، جاء رد الوزارة فى الخطاب رقم 108 بتاريخ 30 يناير 2023 بطلب موافاة الوزارة بالسير الذاتية للمرشحين وأرقامهم القومية، وقام المجمع بإرسال البيانات المطلوبة.

كما أشار الخطاب إلى أن المجمع خاطب رئيس مجلس الوزراء بصفته مفوضًا من رئيس الجمهورية فى بعض الاختصاصات المخولة قانونًا لرئيس الجمهورية، ومن بينها الاختصاصات المتعلقة بقانون مجمع اللغة العربية رقم 14 لسنة 1982، وأن صورة من هذه المخاطبة أُرسلت إلى وزير التعليم العالي فى حينه.

ويرى المجمع، وفق ما ورد فى الخطاب، أن استكمال المقاعد الشاغرة يمثل ضرورة علمية وقانونية، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تعطيل عدد من أعمال المجلس.

كما أشار إلى توصية لجنة التعليم والبحث العلمي والاتصالات بمجلس الشيوخ بشأن استكمال عدد أعضاء المجمع بما يواكب المستجدات المعرفية والأكاديمية، بحسب النص الوارد فى المخاطبة.

وفى ختام هذا الجزء، طلب المجمع توجيه الوزارة نحو اتخاذ الإجراءات اللازمة لفتح باب الترشيح وإجراء انتخابات لأعضاء جدد، مؤكدًا استعداده للتنسيق مع الوزارة فى هذا الشأن.

منصبان شاغران

انتقل الخطاب إلى ملف المناصب القيادية، موضحًا أن منصب رئيس المجمع ظل شاغرًا منذ 10 نوفمبر 2024، عقب وفاة الدكتور عبد الوهاب عبد الحافظ، الذي كان مكلفًا بالقيام بأعمال رئيس المجمع.

كما أشار الخطاب إلى خلو منصب نائب رئيس المجمع منذ عام 2019، معتبرًا أن استمرار خلو المنصبين يؤثر فى سير الأعمال العلمية والإدارية، فضلًا عما وصفه بالتأثير فى مكانة المجمع العربية والدولية.

ويربط الخطاب بين استكمال هذه المناصب وبين الدور الذي يؤديه مجمع اللغة العربية بالقاهرة فى منظومة المجامع العربية، موضحًا أن رئيس المجمع المصري هو رئيس اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربية، وأن أمينه العام يتولى أمانة الاتحاد، بينما يقع مقر الاتحاد فى القاهرة.

وطلب المجمع، فى ضوء ذلك، التوجيه نحو فتح باب الترشيح لاستكمال منصبي الرئيس ونائب الرئيس، بما يمكّنه من أداء دوره.

تسيير الأعمال

يتناول الخطاب كذلك الوضع الإداري الحالي للأمانة العامة، موضحًا أن الدكتور عبد الحميد مدكور يقوم بأعمال الأمين العام للمجمع، وأن مكتب المجمع كلفه، إلى جانب أعمال الأمانة العامة، بتسيير الأعمال بعد وفاة الدكتور عبد الوهاب عبدالحافظ.

وبحسب الخطاب، بدأ هذا التكليف اعتبارًا من 18 نوفمبر 2024، بحيث يباشر الاختصاصات المتعلقة بالأعمال الإدارية والمالية للمجمع، إلى حين اتخاذ قرار من الوزارة بشأن رئيس المجمع.

ويستند المجمع فى ذلك إلى قرار مكتب المجمع رقم 13 الصادر فى جلسته المنعقدة بتاريخ 18 نوفمبر 2024، والذي وافق عليه مجلس المجمع فى جلسته السابعة من الدورة الحادية والتسعين فى التاريخ نفسه.

ويؤكد الخطاب أن هذا التكليف لا يزال ساريًا حتى تاريخ إرسال المخاطبة فى 12 أبريل 2026.

وتكشف هذه الأرقام، بصرف النظر عن أسباب كل حالة وفاة، عن استمرار تناقص عدد أعضاء المجمع فى ظل عدم استكمال الانتخابات، وهي النقطة التي تمثل أحد المحاور الأساسية فى أزمة المؤسسة حاليًا.

وبذلك لا يقف ملف الأزمة عند شغور منصب الرئيس أو نائب الرئيس، وإنما يمتد إلى الهيكل العلمي نفسه، مع استمرار انخفاض عدد الأعضاء وعدم اكتمال العدد المقرر قانونًا، وفق ما تظهره المخاطبات المتتابعة.

وبعد هذا الخطاب توفى عضو آخر من أعضاء المجمع العلمي وبذلك أصبحوا 19 عضو فقط.

تطوير آليات العمل

وتكشف مستندات أخرى حصلت عليها «مجلة أكتوبر» عن تناول مجلس الشيوخ لأوضاع مجمع اللغة العربية، فى إطار تقرير لجنة التعليم والبحث العلمي والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بشأن الاقتراح برغبة المقدم من النائب عيد بلبع، حول «تحديث آليات العمل فى مجمع اللغة العربية لتواكب تطورات الجمهورية الجديدة».

وبحسب الخطاب الصادر من مكتب الأمين العام لمجلس الشيوخ إلى الدكتور عبد الوهاب عبد الحافظ، رئيس مجمع اللغة العربية، فقد أُرفق تقرير اللجنة، مع طلب اتخاذ اللازم بشأن ما ورد به من توصيات، وذلك استنادًا إلى المادة 119 من اللائحة الداخلية لمجلس الشيوخ الصادرة بالقانون رقم 2 لسنة 2021.

ويتضمن التقرير عرضًا لرأي الحكومة، تضمن ما نُسب إلى الدكتور عبد الوهاب عبد الحافظ، القائم بأعمال رئيس مجمع اللغة العربية آنذاك، من أن قانون المجمع لم يُعدّل منذ ثمانينيات القرن الماضي، وأن هناك حاجة إلى تعديله، وبصفة خاصة المواد المتعلقة باختيار رئيس المجمع ونائبه.

كما أشار التقرير إلى أن المجمع يضم 30 لجنة فى مجال مصطلحات العلوم المختلفة، تتعامل مع موضوعات تجمع بين الجانب اللغوي والتخصصات العلمية.

وفيما يتعلق بترجمة الكتب العلمية، أوضح التقرير أن المجمع لا يستطيع منفردًا القيام بهذه المهمة، وأن الأمر يتطلب تكاتف جهود عدد من الجهات، من بينها الجامعات ومؤسسات البحث العلمي وغيرها.

كما تضمن رأي الحكومة أن المجمع يقوم بعمله فى حدود الإمكانات المتاحة، وأن الإدارة لا تتدخل فى أعمال اللجان العلمية، وإنما يقتصر دورها على الجوانب المالية والإدارية.

ثالثًا: رأي السادة الأعضاء:

جاءت مناقشة السادة أعضاء اللجنة بشأن ما تضمنه الاقتراح برغبة على النحو الآتي:

يجب أن يقوم المجمع بدوره والتصدي لظاهرة المسميات الأجنبية الشائعة فى المجتمع وبين أوساط الشباب.

تذليل الصعوبات التي تواجه المجمع عند القيام بدوره لإعادة رونق اللغة العربية واستعادة ريادته على مستوى الوطن العربي.

رابعًا: رأي اللجنة وتوصياتها:

فى ضوء ما تضمنه الاقتراح برغبة من رؤية، وما أبداه السادة الأعضاء من مقترحات، وما جاء فى ردود ممثلي الحكومة، انتهت اللجنة إلى الموافقة على موضوع الاقتراح برغبة، وتوصي بما يلي:

إجراء تعديل تشريعي على القانون رقم (14) لسنة 1982م بإصدار قانون إعادة تنظيم مجمع اللغة العربية، وإضافة أحكام جديدة بالقانون لحماية اللغة العربية، حتى يستطيع المجمع تحقيق أغراضه.

ضرورة قيام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بتفعيل القضايا المنصوص عليها فى القانون ولائحته التنفيذية، كالآتي:

أن يحافظ على سلامة اللغة العربية، وأن يجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون فى تقدمها، ملائمةً على العموم لحاجات الحياة فى العصر الحاضر، وذلك بأن يحدد فى معاجم أو تفاسير خاصة، أو بغير ذلك من الطرق، ما ينبغي استعماله أو تجنبه من الألفاظ والتراكيب.

أن يقوم بوضع معجم تاريخي للغة العربية، وأن ينشر أبحاثًا دقيقة فى تاريخ بعض الكلمات وتغير مدلولاتها.

أن ينظم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة بمصر وغيرها من البلاد العربية.

استكمال عدد أعضاء المجمع، بحيث يواكب تطورات المستجدات المعرفية والإدارية، مع تمثيل كل أطياف المجتمع المصري: المرأة، والشخصيات العامة، والأقباط من ذوي العلم والخبرة فى المجالات ذات الصلة.

واللجنة، إذ ترفع تقريرها إلى المجلس الموقر، لترجو الموافقة على ما ورد به من توصيات.

خمس جولات
تُجرى انتخابات أعضاء مجمع اللغة العربية وفق آلية متعددة المراحل، قد تمتد إلى خمس جولات من التصويت والتصفية، بهدف الوصول إلى المرشحين الذين يحصلون على النسبة المقررة قانونًا من أصوات أعضاء المجلس.

وتبدأ العملية بطرح أسماء المرشحين أمام أعضاء المجمع الذين يحق لهم التصويت، ثم تُجرى عملية الاقتراع، ويُستبعد من لا يحصل على النسبة المطلوبة، وهي ثلثا أصوات أعضاء المجلس الموجودين وقت الانتخاب.

وتُعاد عملية التصويت بعد كل مرحلة من مراحل الاستبعاد، إذ تنتقل الأصوات التي كان يحصل عليها المرشحون المستبعدون إلى دائرة الاختيار فى الجولات التالية، بما يتيح إعادة توزيع الأصوات بين المرشحين المتبقين.

وتستمر عملية التصويت والتصفية عبر الجولات المتتابعة، إلى أن تنتهي العملية باختيار المرشحين الذين تمكنوا من الحصول على النسبة المطلوبة من الأصوات.

وقد تقدم فى إحدى المرات 52 مرشحًا للعضوية، وأُجريت عملية التصفية على مراحل خلال جلسة واحدة، حتى انتهت المنافسة إلى اختيار عضوين فقط، بعد أن تمكنا من الحصول على النسبة المطلوبة من الأصوات.

أما المرشحون الذين لم يحصلوا على النسبة اللازمة، فلا يستمرون فى العملية الانتخابية، ويمكن إعادة فتح باب الترشيح فى العام التالي لاستكمال العدد المطلوب من أعضاء المجمع، مع إتاحة الفرصة أمام أسماء جديدة للتقدم.

وفى كل انتخابات لاحقة، تتكرر الآلية ذاتها؛ إذ تُطرح أسماء المرشحين، وتُجرى جولات التصويت والاستبعاد، ثم تُعلن عضوية من يستوفون النسبة المطلوبة، بينما يخرج الآخرون من المنافسة.

وهكذا، فإن انتخاب عضو واحد أو عدد محدود من أعضاء المجمع قد يتحول إلى عملية انتخابية شديدة الدقة والتعقيد، تمر بعدة جولات من التصويت والتصفية، وقد تصل إلى خمس جولات قبل حسم النتيجة النهائية.

أضف تعليق

مصر والصين .. شراكة الحضارات ترسم خريطة المستقبل

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان