لا يبدو الحديث عن الإذاعة المصرية، مجرد استعادة لذكريات مضت، بقدر ما هو استدعاء لذاكرة وطنية وثقافية امتدت لعقود، حملت خلالها الإذاعة صوت مصر إلى الداخل والخارج، ورافقت أهم محطات تاريخها السياسي والفني والاجتماعي، ومن أرشيف يضم خطابات الزعماء، وتسجيلات المناسبات الوطنية، وروائع الدراما والغناء، إلى أدوار شبكات مثل «صوت العرب» والإذاعات الموجهة والإذاعات الإقليمية، ظلت الإذاعة المصرية شاهدة على تحولات المنطقة وصانعة لجانب مهم من وجدانها.

وفي حوار لـ «أكتوبر» مع عبدالرحمن البسيوني، رئيس الإذاعة المصرية، نفتح ملف كنوز الإذاعة وذاكرتها الممتدة، ونتوقف عند جهود الرقمنة وحماية الأرشيف، وأبرز التسجيلات النادرة التي أعيد اكتشافها، كما تطرق الحوار إلى دور شبكة «صوت العرب» في دعم حركات التحرر العربية، إلى جانب مستقبل الإذاعات المتخصصة، وإعادة اكتشاف المواهب، واستعادة بعض تقاليد الإذاعة التي صنعت أجيالًا من النجوم باعتبارها واحدة من أهم ركائز القوة الناعمة المصرية، وذاكرة مهنية وثقافية تستحق أن تُحفظ وتُتاح للأجيال المقبلة.
بداية... ما وسائل حماية ذاكرة الإذاعة المصرية والحفاظ على تراثها الإذاعي؟
الحقيقة أن لدينا عددًا من المشروعات التى نعمل عليها داخل الإذاعة، انطلاقًا من إدراكنا المبكر لأهمية التراث الإذاعى وضرورة الحفاظ عليه.
وقد سبقت عملية الرقمنة الحديثة خطوات مهمة نحو التحول الإلكتروني، مرّت خلالها الإذاعة المصرية بعدد من المراحل على مدار السنوات الماضية.

وما المراحل التى مرت بها عملية الحفظ والتسجيل فى الإذاعة المصرية؟
بدأت التسجيلات الإذاعية فى مصر باستخدام الأسطوانات، ثم انتقلت بعد ذلك إلى شرائط الريل أو شرائط البكر، ثم إلى شرائط الكاسيت، إلا أن استخدام الكاسيت لم يكن واسعًا داخل الإذاعة، حيث ارتبط بدرجة أكبر بالتسجيلات الخاصة بالمذيعين، بينما ظل الريل هو الوسيط المعتمد رسميًا لتسجيل وحفظ المواد الإذاعية.
ومع التطور التكنولوجي، جرى نقل محتوى شرائط الريل إلى نظام الكمبيوتر المركزى للإذاعة، المعروف باسم «الأوتوميشن»، وهو ما مثّل إحدى الخطوات المهمة فى مسيرة التحول الإلكتروني، التى شهدتها الإذاعة المصرية خلال السنوات الماضية.
وهل تم نقل جميع المواد الإذاعية إلى النظام الإلكتروني؟
تم نقل ما يقرب من 80% من المواد الإذاعية الموجودة فى الإذاعة المصرية إلى نظام «الأوتوميشن»، وهو ما أتاح جزءا كبيرا من التراث الإذاعى فى صورة إلكترونية، وسهّل عمليات حفظه واسترجاعه والاستفادة منه، فالنظام مرتبط بجميع الاستديوهات، وبالتالى يمكن الدخول من أى جهاز كمبيوتر داخل أى استديو والبحث عن أى أغنية أو مادة إذاعية موجودة على النظام والوصول إليها بسهولة.
وماذا عن المشروع الجديد الذى تعمل عليه الدولة للحفاظ على التراث الإذاعي؟
ما تقوم به الدولة حاليًا، فى إطار هذا التوجه الرئاسى الكبير، نعتبره «مشروع القرن» بالنسبة إلى الإذاعة المصرية، لما يمثله من أهمية فى الحفاظ على هذا التراث الإذاعى العريق، وضمان بقائه وإتاحته للأجيال المقبلة، فمشروع الرقمنة، الذى يأتى بتوجيه مباشر ورعاية مباشرة من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذى يتابع خطواته بصورة مستمرة، ويستهدف المشروع الحفاظ على أرشيف ماسبيرو فى صورة رقمية وفق أحدث التقنيات، إلى جانب التحول الرقمى الكامل لاستديوهات ماسبيرو، بما يواكب التطور التكنولوجى فى مجال الرقمنة.
كيف يجرى تنفيذ مشروع الرقمنة؟
يتم تنفيذ المشروع باستخدام أحدث التقنيات والوسائل المتاحة، من خلال تحالف عالمى يضم ثلاث شركات عالمية متخصصة فى هذا المجال، وقد تم بالفعل تجهيز الموقع المخصص للمشروع، وبدأت بعض مراحل التنفيذ، وتتولى هذه الشركات إعادة تسجيل أرشيف ماسبيرو الإذاعى والتليفزيونى باستخدام تقنيات حديثة ومتطورة، وذلك عبر مجموعة من المراحل المتكاملة.
هل بدأ تطبيق هذه التقنيات بالفعل؟
هذا ما سيحدث من خلال المشروع، وهو مشروع ذو مستوى عالمى يستهدف الحفاظ على تراث الإذاعة والتليفزيون المصرى وإتاحته بصورة أكثر تطورًا، بما يضمن الاستفادة منه والحفاظ عليه للأجيال المقبلة، و تنبع أهمية المشروع من أن الإذاعة المصرية تمتلك تراثًا يمتد لأكثر من مائة عام، وهو تراث يمثل جزءًا أساسيًا من ذاكرة مصر والمنطقة العربية، والانطلاقة الرسمية للإذاعة المصرية كانت فى 31 مايو عام 1934، إلا أن هناك توجهًا لإعادة النظر فى بداية تاريخ الإذاعة المصرية إلى فترة أسبق، وتحديدًا إلى عام 1926، مع صدور قانون تنظيم الإذاعة فى عهد الإذاعات الأهلية، وهى الفكرة التى طرحها الأستاذ أحمد المسلماني.
ما الذى يميز أرشيف «صوت العرب»، وما أبرز المحطات التى تعكس دورها التاريخى فى دعم القضايا العربية؟
«صوت العرب» تمتلك أرشيفًا بالغ الأهمية، ليس فقط بالنسبة لمصر، وإنما للمنطقة العربية بأكملها، وهناك تبادل مستمر بينها وبين عدد من الدول العربية للبرامج والمواد الإذاعية، نظرًا إلى القيمة التاريخية التى يمثلها هذا الأرشيف، فقد كان للإذاعة دور بارز فى دعم حركات التحرر العربية ومساندة القضايا الوطنية، وتضم تسجيلات لخطابات عدد من الزعماء العرب منذ مراحل نضالهم الأولى وحتى توليهم رئاسة بلادهم، وهو ما يجعلها شاهدًا مهمًا على جانب كبير من التاريخ السياسى للمنطقة.
كيف بدأت «صوت العرب»، وما الظروف التى أسهمت فى تأسيسها؟
بدأت الإذاعة المصرية عام 1934 بالبرنامج العام، ثم ظهرت الحاجة إلى إنشاء إذاعات أخرى، من بينها البرنامج الثاني، الذى اهتم بالمجالات الثقافية واللغات الأوروبية. ومع قيام ثورة يوليو عام 1952، برز توجه لدعم حركات التحرر فى الدول العربية التى كانت لا تزال خاضعة للاستعمار، فجرى التفكير فى إنشاء إذاعة يكون لها خطاب موجه إلى العالم العربى وتتبنى قضايا التحرر.
ومن هنا أُنشئت «صوت العرب»، وكان مقررًا أن تنطلق فى 23 يوليو 1953، إلا أن الرئيس جمال عبد الناصر قرر الإسراع بإطلاقها بعد اكتمال التجارب والاستعدادات، فانطلقت فى 4 يوليو 1953.
ما أبرز الإذاعات الأخرى التى اضطلعت بأدوار مهمة فى قضايا وطنية وعربية؟
لدينا عدد من الإذاعات التى تؤدى أدوارًا مهمة، سواء داخل مصر أو على المستوى العربي، ومن أبرزها إذاعة «فلسطين» التابعة لشبكة «صوت العرب»، والتى خُصصت بالكامل للقضية الفلسطينية.
وقد جاء إنشاؤها بعد «صوت العرب» بفترة قصيرة بهدف تكثيف التناول الإعلامى للقضية، وتضم مذيعين فلسطينيين ومصريين، ولها حضور واستماع داخل الأراضى الفلسطينية، إلى جانب دورها فى تناول القضية والدفاع عنها.
ما أبرز الإذاعات التى عملت على ربط مصر بمحيطها العربي؟
لدينا إذاعة كانت تُعرف قديمًا باسم «ركن السودان»، وكانت فى السابق أحد الأركان داخل البرنامج العام، ثم استقلت وأصبحت إذاعة مستقلة تحت اسم «إذاعة وادى النيل»، فى إطار اتفاقية بين مصر والسودان.
وتتميز هذه الإذاعة بطبيعة فريدة، إذ يوجد نائب للمدير فى السودان، ومدير فى مصر، كما يعمل بها مذيعون من البلدين، ويتم إعداد خريطة برامجية مشتركة من خلال اجتماعات دورية تُعقد فى القاهرة والخرطوم، فضلًا عن إنتاج البرامج فى البلدين. وهى تجربة فريدة من نوعها لإذاعة مشتركة بين دولتين، ولا أعتقد أن لها مثيلًا فى العالم.
وماذا عن الإذاعات المتخصصة داخل مصر؟
مصر كانت من الدول الرائدة فى إنشاء الإذاعات التعليمية، وكانت الإذاعة التعليمية من أوائل الإذاعات المتخصصة، ولها دور مهم فى تبسيط العملية التعليمية وتقديم المناهج والدروس للمواطنين، مع الاستعانة بأفضل المدرسين فى مختلف التخصصات.
ولدينا أيضًا «البرنامج الثقافى»، وهى إذاعة بالغة الأهمية، وقد أُعيد تقديمها وتطويرها تحت اسم «إذاعة البرنامج الثقافى»، وهناك اهتمام كبير من الدولة بها، إلى جانب القناة الثقافية، لما لهما من دور فى صناعة الثقافة داخل مصر وعلى مستوى المنطقة العربية.
وكان البرنامج الثقافى، فى فترات سابقة، من أكبر منتجى الدراما داخل الإذاعة المصرية، وربما تجاوز فى حجم إنتاجه عددًا من الشبكات الأخرى، نظرًا إلى ما كان يقدمه من دروس ومسرحيات وقصص مقررة على طلاب المدارس، إلى جانب الأعمال المأخوذة عن الأدب العالمي.
كما أن الإذاعة الثقافية تقوم بدور مهم فى مجال الثقافة، من خلال اكتشاف المواهب وتبنيها، واستضافة كبار الأدباء والشعراء والمثقفين فى مصر والعالم العربي.
وهل هناك إذاعات أخرى متخصصة فى مجالات مختلفة؟
بالطبع، لدينا «البرنامج الموسيقي»، وهو إذاعة عريقة متخصصة فى تقديم الموسيقى الكلاسيكية، إلى جانب الإذاعات التى تقدم برامج باللغات الأوروبية، ولدينا أيضًا «شبكة الإذاعات الدولية»، التى كانت تُعرف قديمًا باسم «الإذاعات الموجهة»، وهى من أهم التجارب الإذاعية المصرية ذات الامتداد الدولي.
وما طبيعة الدور الذى تقوم به شبكة الإذاعات الدولية؟
الشبكة تبث حاليًا بـ23 لغة، وتنطلق جميعها من داخل مبنى الإذاعة فى ماسبيرو، وبأصوات أبناء هذه اللغات، أى أن المذيع يخاطب الجمهور بلغته الأم، وهى توجه رسائلها إلى دول فى إفريقيا وآسيا وأوروبا ومناطق مختلفة من العالم، وتنقل الصوت المصرى وتتفاعل مع القضايا التى تهم هذه الشعوب، وكان لهذه الإذاعات دور كبير فى دعم حركات التحرر فى الدول الإفريقية، على غرار الدور الذى قامت به «صوت العرب» فى المنطقة العربية، وقد أُنشئت فى فترة زمنية قريبة من تلك المرحلة، فقد استضافت هذه الإذاعات وتواصلت مع أجيال من أبناء الدول المختلفة، وبعض هؤلاء أصبحوا فيما بعد قادة فى بلادهم، من وزراء ورؤساء دول وغيرهم.
ما أبرز الشبكات والإذاعات التى تضمها الإذاعة المصرية، وما طبيعة الأدوار التى تقوم بها؟
لدينا عدد كبير من الشبكات والإذاعات، من بينها البرنامج العام، وصوت العرب، وإذاعة القرآن الكريم، والشرق الأوسط، والشباب والرياضة، والشبكة الثقافية، وشبكة الإذاعات الموجهة، إلى جانب الإذاعات الإقليمية، وهى من الإذاعات ذات الأهمية الكبيرة.
وما أهمية الإذاعات الإقليمية تحديدًا؟
الإذاعات الإقليمية لها أهمية كبيرة، لأنها منتشرة فى مختلف أنحاء مصر، وكان إنشاء إذاعات خارج القاهرة توجهًا مهمًا منذ البداية، بهدف أن يكون لها دور مباشر فى التنمية المحلية، لأن الإعلام الإقليمى هو إعلام تنموى فى الأساس.
وكانت إذاعة الإسكندرية، التى أنشئت عام 1954، أول إذاعة إقليمية خارج حدود القاهرة، وكانت تجربة مهمة للغاية، ثم توالى إنشاء الإذاعات الإقليمية، خاصة خلال فترة الثمانينيات، فظهرت إذاعة القاهرة الكبرى، وإذاعة الدلتا، وإذاعة القناة، ثم امتد الانتشار إلى مناطق أخرى مثل أسوان والمنيا ومطروح وغيرها، وبالتالى أصبح لدينا عدد كبير من الإذاعات التى تغطى مختلف أنحاء الجمهورية، وصولًا إلى مناطق مثل حلايب، ولكل إذاعة منها طبيعة خاصة وخريطة برامجية مختلفة تتناسب مع طبيعة المنطقة والجمهور الذى تخاطبه، ولذلك لا يوجد تطابق أو تشابه كامل بين هذه الإذاعات.
فيما يتعلق بكنوز الإذاعة المصرية، ما أبرز ما تحرصون على إعادة تقديمه للجمهور؟
نحرص بصورة مستمرة على إعادة تقديم كنوز الإذاعة المصرية وإتاحتها للجمهور، ومن أبرز الأعمال التى أُعيد بثها خلال شهر يوليو مسلسل «فى سبيل الحرية»، وهو العمل الدرامى الوحيد المأخوذ عن قصة كتبها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
وقد كتب عبد الناصر هذه القصة أثناء دراسته فى الكلية الحربية، وكانت تعكس اهتمامه المبكر بقضايا الحرية والاستقلال، واستقلال الدول العربية، وهى الأفكار التى شغلت جانبًا كبيرًا من اهتمامه منذ سنوات شبابه.
وتحولت القصة إلى مسلسل إذاعى فى مناسبتين؛ الأولى فى 31 حلقة، والثانية فى 9 حلقات وبمناسبة ذكرى ثورة يوليو، أعدنا بث النسخة المكونة من تسع حلقات خلال شهر يوليو، وحصلت قناة «نايل دراما» على المسلسل لإعادة تقديمه فى صورة معادل بصري.
وماذا عن التسجيلات التاريخية والسياسية النادرة؟
لدينا تسجيلات تاريخية بالغة الأهمية، وقد أعلن أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام عن أحد هذه الاكتشافات خلال مؤتمر رقمنة ماسبيرو، وهو من أقدم الأسطوانات الموجودة فى أرشيف الإذاعة، ويتضمن خطابًا للزعيم مصطفى باشا النحاس فى لندن عقب توقيع معاهدة 1936، أُرسل إلى مصر وأُذيع عبر الإذاعة المصرية.
هل أسهم هذا الحراك فى تعزيز التعاون بين قطاعات ماسبيرو؟
بالتأكيد.. وأود أن أشير هنا إلى أن أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، أحدث حالة من الحراك داخل ماسبيرو، وأصبح هناك قدر كبير من التنسيق والتناغم بين القطاعات المختلفة، وأصبحنا نتبادل المحتوى فيما بيننا فعلى سبيل المثال، تم الاتفاق بيننا وبين القنوات المتخصصة على تحويل مسلسل «لن أعيش فى جلباب أبي» إلى نسخة صوتية، وإذاعته فى التوقيت نفسه عبر الإذاعة، بالتزامن مع عرضه على القنوات المتخصصة، وهى تجربة جديدة ومهمة؛ لأننا نتيح للجمهور متابعة العمل نفسه عبر أكثر من وسيط وفى التوقيت ذاته، فمن لا يستطيع مشاهدة المسلسل عبر الشاشة يمكنه الاستماع إليه عبر الإذاعة، وهذه صورة من صور التكامل بين الوسائط المختلفة داخل ماسبيرو، والاستفادة من المحتوى الموجود وإعادة تقديمه بأ
شكال متعددة.
هل هناك مشروعات أخرى تعملون عليها إلى جانب الحفاظ على أرشيف الإذاعة ورقمنته؟
بالتأكيد، هناك مشروعات عديدة نعمل عليها لإعادة إحياء عدد من التقاليد والممارسات التى كانت جزءًا أساسيًا من تاريخ الإذاعة المصرية، ومن أبرزها مشروع إعادة فرقة الإذاعة الموسيقية تحت مسمى «فرقة ماسبيرو الموسيقية»، بهدف إعادة إقامة الحفلات الموسيقية الشهرية التى كانت الإذاعة تنظمها فى السابق، كما نعمل على إعادة لجنة اعتماد المطربين والملحنين، باعتبارها إحدى المؤسسات المهمة التى لعبت دورًا تاريخيًا فى اكتشاف المواهب واعتمادها.
هل ترتبط إعادة الفرقة بمشروع إعادة اكتشاف المواهب أيضًا؟
بالتأكيد، نحن نعمل كذلك على إعادة تفعيل لجان اعتماد المطربين والملحنين، وهذه اللجان كانت جزءًا أساسيًا من منظومة العمل الإذاعى فى الماضي، ونعمل حاليًا على هذا الملف، وقريبًا سيتم الإعلان عن لجنة الاعتمادات، بهدف أن تستعيد الإذاعة دورها فى اكتشاف المواهب المصرية وتبنيها وإطلاقها من خلال ماسبيرو.
ففى الماضى كان جميع كبار النجوم يمرون على الإذاعة، وكان لا بد من اعتماد المطرب قبل أن تُذاع له أى أغنية عبر الإذاعة المصرية، وكذلك كان يتم اعتماد الملحن والشاعر الغنائي، فلم يكن مسموحًا بإذاعة أغنية لمطرب جديد عبر الإذاعة إلا بعد اعتماده، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الملحن والشاعر الغنائي، وكانت هذه المنظومة تمثل بوابة أساسية لاكتشاف المواهب وصقلها وتقديمها للجمهور.
هناك حديث عن خطاب ثورة يوليو 1952.. وأن الخطاب الأول لم يكن الرئيس أنور السادات هو من ألقاه.. فما حقيقة ذلك؟
الرئيس أنور السادات هو من ألقى الخطاب الأول بالفعل، وربما يكون قد أُعيد تسجيله فى وقت لاحق، لكن الخطاب الأول كان بصوته وهو الذى ألقاه، ولا تكاد تكون هناك مناسبة مرت بها الدولة المصرية أو الدول العربية إلا وكانت الإذاعة المصرية حاضرة فى المناسبات الرسمية للدولة، سواء داخل مصر أو خارجها، وفى مختلف المناسبات التى شارك فيها رؤساء مصر.
ولدينا بالفعل تسجيلات توثق جانبًا مهمًا من هذا الحضور الإذاعي، وإن لم تكن جميع التسجيلات التاريخية متاحة لدينا، إلا أن ما هو محفوظ يمثل شاهدًا على الدور الذى قامت به الإذاعة المصرية فى توثيق المناسبات والأحداث الرسمية.
كيف تعاملت الإذاعة المصرية، باعتبارها إعلام الدولة، مع فترات التحول السياسى المختلفة التى مرت بها مصر؟
الإذاعة المصرية هى إذاعة الدولة، وهى مؤسسة تقوم على تقاليد مهنية راسخة، ولذلك لا تتعامل مع الأحداث وفق تأثيرات أو اعتبارات خارجية، ونحن نعمل فى إطار من الاستقلال المهني، ولدينا ثوابت ومبادئ تحكم أداءنا الإعلامي، وفى الإعلام القومي، ونحن نفضل وصفه بإعلام الدولة وليس «إعلام الحكومة»، لأن إعلام الدولة ملك للشعب ويعبر عن الدولة ومؤسساتها، هناك ما نسميه ضمير المهنة، وهذا يعنى أن لدينا حرية فى تناول مختلف الموضوعات وطرح الأفكار المتنوعة، سواء كانت مؤيدة أو معارضة، ولكن فى إطار من الحرية المنضبطة والمسئولة، وليس بالضرورة أن يكون التعبير عن الرأى فى صورة هجوم على أحد يمكن طرح الرأى والأفكار المختلفة بأساليب متعددة تحترم المتلقى وتتيح له أن يتفاعل معها، وهذا هو النهج الذى نعمل به فى الإذاعة المصرية، سواء خلال فترة حكم جماعة الإخوان أو فى غيرها من المراحل السياسية؛ فنحن متمسكون بثوابتنا ومبادئنا المهنية، ولا نعمل لصالح أشخاص أو جماعات، وإنما نعمل لصالح الدولة المصرية.
شبكة الإذاعات الموجهة، ما أبرز الخدمات التى تقدمها؟
لدينا داخل شبكة الإذاعات الموجهة عدد كبير من الخدمات التى تبث بلغات مختلفة، وهى تمثل أحد أهم أذرع الإذاعة المصرية فى مخاطبة الجمهور خارج مصر.
ومن أبرز هذه الخدمات البرنامج العبري، وهو من الإذاعات التى تمتلك تاريخًا مهمًا فى علاقة مصر بإسرائيل، وكان له دور بارز خلال حربَى 1967 و1973، وفى متابعة الشأن الإسرائيلى وتقديم صورة دقيقة عما يجرى فى الداخل الإسرائيلي.
هل يمكن القول بأن الخبرات البشرية تمثل أحد أهم كنوز الإذاعة المصرية؟
بالتأكيد، بل أعتقد أن الخبرات البشرية هى من أهم ما تملكه الإذاعة المصرية لدينا خبرات تراكمت عبر عقود طويلة، وهذه الخبرات لم تكن مؤثرة داخل مصر فقط، وإنما أسهم أبناء الإذاعة المصرية فى تأسيس وتطوير الإذاعات والتليفزيونات فى مختلف الدول العربية.
وعلى أكتاف أبناء الإذاعة المصرية نشأت تجارب إذاعية عربية عديدة؛ فقد شاركوا فى تأسيس هذه الإذاعات، ووضعوا نظم العمل بها، ودربوا كوادرها، ولا يزال تأثيرهم ممتدًا حتى اليوم.
ولذلك فإن جزءًا أساسيًا من ذاكرة الإذاعة المصرية لا يتمثل فقط فى التسجيلات والأرشيف، وإنما فى الثروة البشرية والخبرات الإذاعية المتراكمة التى تمثل إرثًا مهنيًا لا يملكه أحد بالقدر نفسه.
كيف لعبت «صوت العرب» دورا مؤثرا فى دعم حركات التحرر العربى من الاستعمار؟
لم تكن إذاعة «صوت العرب» مجرد ميكروفون ينقل الأخبار من القاهرة إلى المستمعين فى أنحاء العالم العربي، بل تحول مع الوقت إلى منبر لحركات التحرر، وصوتٍ للقضايا التى شغلت الشارع العربي.
كانت المغرب من أوائل المحطات فبعد أن نفى الاستعمار الفرنسى الملك محمد الخامس، تبنت «صوت العرب» القضية المغربية، وفتحت استديوهاتها أمام قادة المقاومة، وفى مقدمتهم علال الفاسي، الذى وجه من القاهرة خطاباته إلى الشعب المغربى وحشد التأييد لمواجهة الاستعمار، ومع تصاعد المقاومة، عاد محمد الخامس إلى عرشه، لتصبح التجربة المغربية واحدة من أوائل النجاحات التى عززت حضور «صوت العرب» وتأثيرها.
لكن المحطة الأبرز جاءت مع الثورة الجزائرية، فقبل اندلاع الثورة، وصل أحمد بن بلة إلى مصر متخفيًا باسم آخر، والتقى أحمد سعيد، رئيس «صوت العرب» آنذاك، باعتباره أحد الثوار، وبعد أن نشأت بينهما الثقة، كشف بن بلة عن هويته، فكان اللقاء الذى جمعه بأحمد سعيد ثم بالرئيس جمال عبد الناصر بداية لدعم مصرى واسع للثورة الجزائرية.
ومن القاهرة، بدأ صوت الثورة يصل إلى الجزائريين والعالم العربي. فقد انطلق أول بيان للثورة الجزائرية عبر «صوت العرب»، ثم تحولت استديوهات الإذاعة إلى مساحة لقادة الثورة لإرسال خطاباتهم ورسائلهم، بالتوازى مع إيفاد بعثات إذاعية إلى الجزائر لمتابعة الأحداث من قلبها.
ولم يكن دور الإذاعة يقتصر على نقل ما يحدث؛ فقد أصبحت طرفًا إعلاميًا حاضرًا فى المعركة، تتابع الثورة وتمنح قادتها منبرًا يخاطبون من خلاله شعوبهم. وظل هذا الدعم مستمرًا حتى جاءت اللحظة التى انتظرها الجميع: إعلان استقلال الجزائر عبر أثير «صوت العرب».
ومن الجزائر امتد الميكروفون إلى قضايا أخرى؛ فواصلت تبنيها للقضية الفلسطينية، التى احتلت مكانة متقدمة فى خطابها، قبل إنشاء إذاعة متخصصة لفلسطين لتكثيف التناول الإعلامى للقضية.
وهكذا صنعت «صوت العرب» لنفسها دورًا يتجاوز حدود الإذاعة التقليدية؛ فمن استديوهاتها خرجت خطابات الثوار، وعبر أثيرها وصلت أخبار المعارك وقضايا الشعوب إلى ملايين العرب، لتصبح القاهرة، عبر ميكروفون واحد، مساحة تلتقى فيها أصوات حركات التحرر العربية
كيف استطاع «البرنامج العبري» من القاهرة اختراق جدار إسرائيل؟
لم يكن تأثير «البرنامج العبري» مرتبطًا فقط بوصوله إلى المستمع العربي، بل امتد إلى الداخل الإسرائيلى نفسه، وأصبح مع الوقت قادرًا على جذب اهتمام الجمهور ووسائل الإعلام هناك.
ومن أبرز المواقف التى كشفت قوة البرنامج، الحوار الذى أجراه المذيع أحمد الحمالى مع القائد الإسرائيلى عساف ياجورى بعد أسره خلال حرب أكتوبر، ففى الوقت الذى كانت فيه إسرائيل تنفى وقوع ياجورى فى الأسر، ذهب الحمالى إليه وأجرى معه حوارًا قصيرًا لم يتجاوز نحو ثلاث دقائق، لكنه كان كافيًا لتأكيد الحقيقة.
أحدث الحوار صدى واسعًا داخل إسرائيل، لأنه قدّم دليلًا مباشرًا على أسر ياجوري، وكشف أن ما كانت تعلنه السلطات الإسرائيلية للرأى العام لم يكن يعكس الصورة كاملة.
لم يتوقف الأمر عند هذه الواقعة؛ فقد واصل البرنامج العبرى متابعة تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية داخل إسرائيل، وتحليل ما يجرى فيها من أحداث، حتى أصبح له جمهور يتابعه من داخل إسرائيل نفسها، كما تناولت وسائل إعلام إسرائيلية أداءه وقدرته على قراءة المجتمع الإسرائيلى وتفاصيله بدقة.
فيروز فى القاهرة.. كيف فتحت الإذاعة المصرية باب المجد لصوتٍ استثنائي؟
فى أرشيف الإذاعة المصرية حكايات لا يعرفها كثيرون، بعضها لا يتوقف عند تسجيل أغنية أو برنامج، بل يكشف كيف أسهمت الإذاعة فى صناعة نجوم أصبحوا جزءًا من ذاكرة الفن العربي. ومن بين هذه الحكايات قصة فيروز فى بداياتها، قبل أن تصبح الصوت الذى يعرفه الملايين.
كانت فيروز وقتها فى لبنان، ولم تكن قد وصلت بعد إلى الشهرة العربية الواسعة التى عرفها الجمهور لاحقًا، لكن موهبتها لفتت انتباه أحمد سعيد رئيس إذاعة صوت العرب آنذاك، فقال لنائب رئيس الإذاعة نادية توفيق: إن هناك مطربة لبنانية اسمها فيروز تستحق فرصة.
لم تكتفِ نادية توفيق بالاستماع إلى الحكاية، بل سافرت إلى لبنان، وسجلت مع فيروز برنامجًا، لتبدأ بعدها خطوة أكبر: جاءت فيروز إلى مصر، وتم التعاقد معها من جانب الإذاعة.
ولم تكن الزيارة عابرة؛ فقد استأجرت الإذاعة لفيروز وزوجها والأخوين رحبانى شقة فى القاهرة، وأقامت فى مصر نحو ستة أشهر، كانت خلالها الإذاعة بوابة لمرحلة مهمة من مسيرتها، فسجلت 55 أغنية للإذاعة المصرية.
لكن مفاجآت الأرشيف لم تتوقف عند هذه التسجيلات، فبين المواد التى أعيد اكتشافها عمل غنائى بعنوان «حكايات الربيع» جمع بين فيروز والفنان كارم محمود بمشاركة كورال، وهو عمل لم يكن كثيرون يعرفون بوجوده.
ومع البحث داخل الكنوز القديمة، عادت هذه المادة إلى الضوء، فأُعد لها معادل بصرى وعُرضت عبر « ماسبيرو زمان»، كما أعيد تقديمها من خلال الإذاعة المصرية
.
وتكشف هذه الحكاية جانبًا آخر من قيمة أرشيف الإذاعة: فبين التسجيلات القديمة لا توجد أغنيات منسية فحسب، بل توجد قصص عن فنانين كبار فى بداياتهم، ولحظات سبقت الشهرة، وأعمال نادرة يمكن أن تعيد اكتشاف صفحات مجهولة من تاريخ الفن العربي.
ومن فيروز إلى عبد الغنى السيد، تظهر مفاجآت أخرى، بينها أغنية عن ثورة يوليو تقدم الثورة من زاوية مختلفة عن الصورة التقليدية التى اعتادت عليها الأغنيات الوطنية، وأعيد تقديمها أيضًا عبر « ماسبيرو زمان» و الإذاعة المصرية.
وهكذا، لا يبدو أرشيف الإذاعة مجرد مخزن لتسجيلات الماضي، بل صندوقًا مليئًا بحكايات لم تُروَ كلها بعد؛ وربما تكون داخله أصوات أخرى تنتظر من يفتح لها الميكروفون من جديد.