تُعد مرحلة المراهقة من أكثر المراحل العمرية التي تتغير فيها مشاعر الأبناء وطريقة تعاملهم مع الضغوط، وقد يظهر ال قلق خلالها في صورة خوف من المستقبل، أو توتر من الدراسة والامتحانات، أو حساسية زائدة تجاه آراء الآخرين، أو رغبة في الابتعاد عن بعض المواقف التي يشعر المراهق بأنها تفوق قدرته على التعامل معها.
وتوضح الدكتورة بسمة محمود، استشاري نفسي، أن قلق المراهق لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد «دلال» أو مبالغة في رد الفعل، كما لا يصح أن يحاول الأهل إلغاء الشعور تمامًا من خلال طمأنته بشكل متكرر أو حل جميع المشكلات نيابة عنه، موضحة أن الهدف الأساسي هو مساعدة الابن على اكتساب القدرة على التعامل مع مشاعره ومواجهة المواقف التي تثير خوفه بصورة تدريجية. وتقول إن البداية تكون بالاستماع إلى المراهق ومحاولة فهم ما يثير قلقه بدلًا من الإسراع في تقديم الحلول، إذ يحتاج في كثير من الأحيان إلى الشعور بأن مشاعره مفهومة ومقبولة، وليس إلى سماع عبارات تقلل مما يشعر به مثل «أنت مكبر الموضوع» أو «مفيش حاجة تستاهل». وتشير إلى أهمية مساعدة المراهق على تسمية ما يشعر به وفهمه، من خلال أسئلة بسيطة عن الموقف الذي بدأ معه القلق، والأفكار التي تدور في ذهنه وقتها، وما الذي يتوقع حدوثه.
فهذا الحوار يساعده على اكتشاف العلاقة بين أفكاره ومشاعره وتصرفاته، ويجعله أكثر وعيًا بما يحدث داخله بدلًا من الشعور بأنه أمام حالة غامضة لا يستطيع السيطرة عليها. وتؤكد الدكتورة بسمة محمود أن الأهل يجب أن يقدموا الدعم دون أن يتحول الدعم إلى حماية زائدة، موضحة أن قيام الأب أو الأم بحل كل مشكلة يواجهها المراهق قد يمنحه راحة مؤقتة، لكنه قد يرسخ لديه فكرة أنه غير قادر على التعامل مع الصعوبات بمفرده. وتنصح بمنح المراهق فرصة للتفكير في الحلول واتخاذ بعض القرارات المناسبة لسنه، مع وجود الأهل إلى جواره للتوجيه والمساندة. وفي المقابل، إذا كان ال قلق مرتبطًا بالتنمر أو العنف أو التعرض لموقف خطر، فلا ينبغي ترك المراهق لمواجهة الأمر بمفرده، بل يجب أن يتدخل الأهل بصورة واضحة لحمايته.
وتلفت استشاري النفسي إلى أن تجنب المواقف التي تثير ال قلق قد يمنح المراهق شعورًا بالراحة في البداية، لكنه قد يجعل الخوف أكثر رسوخًا مع الوقت، لذلك من الأفضل مساعدته على المواجهة بشكل تدريجي، بدلًا من دفعه إلى خوض الموقف الأصعب دفعة واحدة. فعلى سبيل المثال، إذا كان المراهق يخشى التحدث أمام زملائه، يمكن البدء بخطوة بسيطة مثل التعبير عن رأيه أمام أفراد الأسرة، ثم التحدث مع صديق مقرب، وبعدها المشاركة بصورة محدودة داخل مجموعة أكبر، وصولًا إلى الموقف الذي كان يسبب له ال قلق في البداية. وتوضح الدكتورة بسمة محمود أن استعادة المراهق لخبراته السابقة التي نجح خلالها في تجاوز مواقف صعبة يمكن أن تكون وسيلة فعالة لتعزيز ثقته بنفسه، فمن المهم تذكيره بأنه سبق أن شعر بالخوف أو ال توتر وتمكن رغم ذلك من التعامل مع الموقف. وتشير إلى أن ال قلق قد يدفع المراهق إلى توقع أسوأ السيناريوهات، وهنا يمكن للأهل مساعدته على النظر إلى الاحتمالات بصورة أكثر واقعية، من خلال سؤاله عما يمكن أن يحدث بالفعل، وما الخيارات المتاحة أمامه إذا لم تسر الأمور كما يتمنى، بدلًا من الدخول معه في دائرة من الطمأنة المستمرة.
وتؤكد أن المطلوب ليس إجبار المراهق على التفكير بإيجابية طوال الوقت، وإنما تعليمه أن الأفكار المقلقة ليست بالضرورة حقائق، وأن وجود احتمال سلبي لا يعني أنه سيحدث حتمًا. وتنصح أيضًا بأن تحافظ الأسرة على وجود علاقة طبيعية مع المراهق بعيدًا عن التركيز الدائم على مشكلاته أو مستواه الدراسي أو ما يجب أن يغيره في شخصيته، موضحة أن مشاركة الابن اهتماماته، والاستماع إلى الموسيقى التي يحبها، أو مشاهدة فيلم معه، أو ممارسة نشاط يفضله، كلها أمور تساعد على بناء مساحة آمنة للحوار. وتقول إن المراهق عندما يشعر بأن والديه لا يتواصلان معه فقط عندما تكون هناك مشكلة، يصبح أكثر استعدادًا للحديث عن الأمور التي تزعجه، كما أن العلاقة القوية تساعد الأسرة على اكتشاف أي تغيرات غير معتادة في سلوكه في وقت مبكر. وتشدد الدكتورة بسمة محمود على ضرورة ألا يكون الهدف هو منع ال قلق من الظهور تمامًا، لأن ال قلق شعور طبيعي يمكن أن يمر به الإنسان في مواقف مختلفة، وإنما الأهم هو ألا يتحول إلى عامل يمنع المراهق من الدراسة أو ممارسة أنشطته أو تكوين علاقاته أو القيام بالأمور التي تهمه. وتوضح أن هناك فرقًا بين ال قلق الطبيعي المرتبط بموقف محدد وبين ال قلق الذي يستمر لفترة طويلة أو يصبح شديدًا لدرجة يؤثر فيها على حياة المراهق اليومية، مثل اضطراب النوم، أو تراجع الأداء الدراسي، أو الانسحاب من الأصدقاء والأنشطة، أو تجنب مواقف كثيرة بصورة متزايدة. وفي هذه الحالات، تؤكد أهمية الاستعانة بمتخصص في الصحة النفسية للأطفال والمراهقين لتقييم الحالة وتحديد سبب ال قلق وطريقة التعامل المناسبة معه، بدلًا من الاكتفاء بالنصائح العامة أو انتظار اختفاء المشكلة من تلقاء نفسها.
وتختتم الدكتورة بسمة محمود بالتأكيد على أن أفضل ما يمكن أن يقدمه الأهل للمراهق القَلِق هو مزيج من الاحتواء والثقة؛ أن يشعر بأن هناك من يسمعه ويدعمه، وفي الوقت نفسه أن يكتشف بنفسه أنه قادر على مواجهة الصعوبات وتجاوزها، لأن بناء هذه القدرة قد يكون أكثر فائدة على المدى الطويل من محاولة إبعاد كل مصادر ال قلق عن حياته.