أكد الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، أن دارِ الإفتاءِ المصريةِ، ومنْ ورائها الأمانةُ العامةُ لدورِ وهيئاتِ الإفتاءِ في العالمِ، ينطلقان منْ إرثٍ مؤسسيٍّ يمتدُّ لأكثرَ منْ مئةٍ وثلاثينَ عامًا، يدركان منْ خلالهِ أنَّ الفتوى ليستْ مجردَ إجابةٍ عنْ سؤالٍ، بلْ هيَ "إدارةٌ لدفةِ الحياةِ" في ضوءِ الوحيِ الشريفِ.
جاء ذلك خلال كلمة فضيلة مفتي الجمهورية، في افتتاحِ المؤتمرِ الدوليِّ السنويِّ للأمانةِ العامةِ لدورِ وهيئاتِ الإفتاءِ في العالمِ المنعقد تحت عنوان "التحدياتُ الأسريةُ في ظلِّ التحولاتِ الكبرى.. مقاربةٌ إفتائيةٌ لحمايةِ الأسرةِ واستشرافِ مستقبلها وصيانةِ الهويةِ".
وأضاف: "ومن ثم لم تقف دار الإفتاء عندَ حدودِ النقلِ الحرفيِّ والتكييفِ الفقهيِّ بعدَ وقوعِ النزاعِ، بل انتقلت إلى ما نسميهِ "الفقهَ الاستباقيَّ": فقه يعالجُ الأسبابَ قبلَ وقوعِ النتائجِ، ويرصدُ المآلاتِ، ويحصنُ العقولَ قبلَ أنْ تخترقَها الشاشاتُ".
وشدد مفتي الجمهورية على أن الواجب الإفتائي والمقاصدي يفرض علينا تبنيَ مقاربةٍ متكاملةٍ تقومُ على أربعةِ أسسٍ، تتمثل في تفعيل الاجتهادِ المقاصديّ في شؤونِ الأسرةِ، باستلهامِ الغاياتِ الكبرى للشريعةِ لتحقيقِ العدلِ والتراحمِ، والموازنةِ الدقيقةِ بينَ ثوابتِ الدينِ ومتغيراتِ العصرِ، داعيًا إلى أنْ يكونَ "الاجتهادُ المقاصديُّ في شؤونِ الأسرةِ" مادةً أساسيةً تدرسُ لطلابِ الشريعةِ في المرحلتينِ الجامعيةِ والعليا؛ لتخريجِ جيلٍ منَ المفتينَ القادرينَ على تقديمِ فتوى رشيدةٍ، لا تجنحُ إلى جمودِ التقليدِ ولا إلى شذوذِ الانفلاتِ، وخوض معركةِ الوعيِ الرقميِّ، بإنتاجِ محتوًى فقهيٍّ وعلميٍّ موثوقٍ، صحيحٍ وميسرٍ، بلغاتٍ متعددةٍ، يشرحُ المفاهيمَ الأسريةَ بلغةٍ معاصرةٍ واعيةٍ بطبيعةِ التقنيةِ، ليكونَ مرجعيةً أصيلةً تعتمدُ عليها محركاتُ البحثِ وتتغذى عليها تطبيقاتُ الذكاءِ الاصطناعيِّ، بدلًا منْ تركِ الساحةِ للمحتوى المغلوطِ أوِ المنحازِ، فحمايةُ وعيِ الأسرةِ تبدأُ منْ حمايةِ التغذيةِ الرقميةِ التي تشكلُ وعيَ الأجيالِ، و التصحيح الجريء للمفاهيمِ الأسريةِ الخاطئةِ، ومواجهةُ خطاباتِ التشددِ التي تنفرُ الشبابَ، وموجاتِ الإلحادِ الرقميِّ التي تفككُ الأخلاقَ، بخطابٍ وسطيٍّ رحيمٍ يستلهمُ هديَ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ.
ولفت إلى أن ذلك يتصل بتكثيفُ برامجِ التأهيلِ قبلَ الزواجِ، والإرشادِ الأسريِّ بعدهُ، واستعادةُ المساحاتِ المشتركةِ للحوارِ داخلَ البيتِ، ووضعُ حدودٍ واعيةٍ للاستخدامِ الرقميِّ، حتى يستعيدَ الأبناءُ ثقتهمْ بمرجعيةِ الأسرةِ بوصفها حصنًا للحمايةِ والأمانِ، وإطلاق شراكاتٍ مؤسسيةٍ عابرةٍ للتخصصاتِ، تجمعُ بينَ علماءِ الشريعةِ وخبراءِ الاجتماعِ والنفسِ والتربيةِ والتقنيةِ والإعلامِ والقانونِ، لأنَّ الواقع المركب لا تعالجهُ حلولٌ أحاديةٌ.
وأوضح المفتي أنه لمْ يعدْ مُجديًا أنْ تعملَ المؤسساتُ في جزرٍ منعزلةٍ، بلْ نحتاجُ إلى تبادلٍ معرفيٍّ وعقلٍ جمعيٍّ مؤسسيٍّ يجمعُ أصالةَ النصِّ وعمقَ التحليلِ وفهمَ الواقعِ الرقميِّ، تحتَ مظلةِ روحِ الشريعةِ وعدالتها، والدولة المصرية، بقيادتها الحكيمةِ، مشددًا على أن الأمانة ثقيلة والمهمة جسيمة، وأننا مطالبونَ اليومَ بنقلِ الفتوى العلميةِ إلى أفقٍ أرحبَ تلامسُ فيهِ الهمومَ البشريةَ، وفي مقدمتها بنيةُ الأسرةِ؛ ضمنَ رؤيةٍ إفتائيةٍ مستجدةٍ تستشرفُ المستقبلَ، ويتعاضدُ فيها الاستنباطُ الفقهيُّ الحيُّ المرنُ معَ علومِ الطبِّ والنفسِ والاجتماعِ والتقنيةِ والقانونِ، حتى نقدمَ حمايةً تسبقُ الخطرَ، وعلاجًا ينفذُ إلى أسبابهِ، وهويةً منفتحةً على العصرِ منْ غيرِ أنْ تذوبَ فيهِ.
ودعا إلى أن يكون "الاجتهاد المقاصدي في شؤون الأسرة" مادة تدرس لطلاب كليات الشريعة الإسلامية في مرحلة الدراسة الجامعية، والدراسات العليا، الأمر الذي يضمن تأهيل طالب الشريعة لأن يقدم فتوى رشيدة خاصة بالشأن الأسري لا يجنح فيها إلى التقليد أو إلى الشذوذ.