إن الهجمات السيبرانية اليوم بالطبع لا تشبه ما كان عليه قبل سنوات، فقد أصبح المهاجم لا يحتاج إلى فريق كبير من المخترقين "الهاكرز"، ولا عدة أيام لاكتشاف ثغرة في نظام ما. ف الذكاء الاصطناعي كسر كل القواعد؛ من خلال تحليل كميات كبيرة من المعلومات في أجزاء من الثانية، واكتشاف نقاط الضعف، وكتابة الأكواد، وإنشاء وتوجيه رسائل التصيد، إلى جانب استخدام الهندسة الاجتماعية المتقدمة، غير أنه قادر على أتمتة جزء كبير من عملية الاختراق. والأكثر قلقًا هو أن التطور ليس نظريًا بعد الآن؛ ففي عام 2026 ظهرت مؤشرات عملية على أن الهجمات المدعومة ب الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر تعقيدًا، مما دفع أجهزة أمن سيبراني وشركات تكنولوجيا عالمية لإطلاق تحذيرات متتالية، مؤكدة على ضرورة الاستعداد الفوري.
وفي تقرير أعدته CrowdStrike، وهي أحد أكبر الشركات العاملة في مجال الأمن السيراني، أشارت فيه إلى ارتفاعًا بنسبة تقدر بنحو 89% في الهجمات التي اعتمدت على أدوات الذكاء الاصطناعي خلال عام 2026. كما ذكر التقرير الذكاء الاصطناعي أصبح «مضاعفًا لقوة» المخترقين، لأنه يسرّع عملية الاستطلاع واكتشاف الثغرات، مما سهّل عملية الاختراق. كما سجل التقرير أن أسرع عملية اختراق لم تتجاوز 27 ثانية فقط، ما يقلص الوقت المتاح للمدافعين لاكتشاف الهجوم أو إيقافه أو حتى محاولة احتوائه.
إن التحذيرات لم تتوقف عند شركات الأمن، ففي يونيو الماضي؛ أصدرت أجهزة الأمن في الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، كندا، أستراليا، ونيوزيلندا تحذيرًا مشتركًا بعنوان "تحول الذكاء الاصطناعي في المخاطر السيبرانية"، والتي أكدت أن الذكاء الاصطناعي تسبب في خفض الحواجز أمام المخترقين، ويزيد من تعقيد الهجمات، وأن الوقت اللازم لاكتشاف أنماط تلك الهجمات أو التعامل مع التهديدات أصبح أشهر أو أيام، لا سنوات، كما دعت أجهزة تلك المؤسسات إلى التحرك العاجل، وتأمين الأنظمة القديمة، وتحديث البرمجيات بسرعة، وتشديد ضوابط الهوية والدخول والاستخدام، والاستعداد المسبق لاحتواء الاختراقات.
وازدادت أهمية تلك التحذيرات مع ظهور تقرير "المنتدى الاقتصادي العالمي للأمن السيبراني"، في مايو الماضي، الذي أشار إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في التوترات الجيوسياسية يعيد تشكيل مشهد المخاطر السيبرانية في العالم، حيث أصبحت الهجمات أكثر تعقيدًا وشراسة، بينما تواجه الحكومات الدول فجوة متزايدة بين سرعة تطور التهديد وقدرة أجهزة تلك الحكومات على الاستجابة.
الأخطر من ذلك، هو تحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة للمهاجم البشري إلى عامل رئيسي قادر على تنفيذ سلاسل من المهام شبه مستقلة في أقل وقت ممكن، منها؛ قدرة بعض الوكلاء المرتبطون بالذكاء اصطناعي في بعض الأنظمة،
AI Agents، من الوصول إلى شبكة المعلومات الدولية "الإنترنت" وإنشاء هجمات خارج بيئات الاختبار، الأمر الذي أثار مخاوف حول قدرة المطورين على السيطرة الكاملة على تلك الأنظمة.
كما أنه في أغسطس الماضي، حذرت أكثر من 100 شركة تعمل في تكنولوجيا المعلومات وتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي، بما فيهم OpenAI، Anthropic، Microsoft، Alphabet، وAmazon، من أن المؤسسات والحكومات قد لا تملك سوى أشهر للاستعداد لموجة جديدة من الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
كما أظهرت عبارات "خروج الهجمات عن السيطرة" أو "خروج أدوات الذكاء الاصطناعي عن سيطرة البشر"، تحذيرًا من فقدان السيطرة التشغيلية في وقت قريب، وليس وصفًا لآلة مستقلة قررت شن حرب، وأصبحت المعضلة في سرعة وقدرة أدوات الهجوم من تجاوز قدرة تأمين الأنظمة التقليدية على مراقبتها واتخاذ القرار، خاصة عندما يصبح اكتشاف الثغرة واستغلالها آليًا وشبه فوريًا.
وفي السياق ذاته، أظهرت الحروب الجارية، تلك الأيام، هذا التحول بوضوح، ففي الحرب الروسية الأوكرانية، استمرت الحرب السيبرانية إلى جانب العمليات العسكرية، وأشارت عدة تقارير إلى استخدام دولة روسيا لأدوات الذكاء الاصطناعي لتطوير برمجيات خبيثة يمكنها توليد أوامر ضارة ديناميكيًا، كما أشارت إلى أن استهداف منشأت الطاقة من أبرز ساحات الصراع السيبراني، مع استهداف مستمر للأنظمة المرتبطة بالطاقة والاتصالات في أوكرانيا وأوروبا.
كما أنه في الحرب على إيران، أصبحت الحرب السيبرانية أكثر وضوحًا، ظهر ذلك جليًا حين أعلنت إسرائيل عن تسجيل نحو خمسة آلاف هجمة سيبرانية مستهدفة منشآت إيرانية خلال يونيو الماضي، مقابل نحو ألف وستمائة اختراق، في يونيو 2025، مع استهداف بنية تحتية حيوية منها؛ مؤسسات حكومية، وشركات صغيرة ومتوسطة. كما قد أشارت تحليلات أمنية إلى أن إيران استخدمت كذلك أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراتها السيبرانية، المعلوماتية، والعسكرية، بما في ذلك تعجيل تطوير البرمجيات الخبيثة وإنشاء رسائل تصيد أكثر إقناعًا وفتكًا.
تلك التطورات تعني أن الحروب المستقبلية لن تكون فقط صواريخ، أو طائرات، أو مسيرات، بل ستكون أيضًا حرب سيبرانية؛ وقد يبدأ الهجوم السيبراني قبل الهجوم العسكري، ويستمر بعد توقفه، ويستهدف الكهرباء، المياه، الاتصالات، المصارف، المستشفيات، سلاسل الإمداد، والأنظمة الحكومية.
أصبح مواجهة هذا التحول، جزءًا من الأمن القومي لأي دولة، ولا تكفي أن تتعامل الحكومات مع الأمن السيبراني كملف تقني تابع لإدارات تكنولوجيا المعلومات؛ ولا باستخدام أدوات الدفاع التقليدي؛ فالمهاجمون يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل، لذلك يجب توظيف الذكاء الاصطناعي في الجانب الدفاعي أيضًا، للكشف المبكر عن سلوكيات غير طبيعية، لتحليل الثغرات، وتسريع استجابة الحوادث.
أن الوقت المتاح للاستعداد يتقلص بسرعة؛ فبحسب تحذيرات أجهزة الأمن السيبراني العالمية، تتطور قدرات الهجمات المدعومة ب الذكاء الاصطناعي بوتيرة تُقاس بالأشهر لا بالسنوات. الأمر الذي يعني إن انتظار وقوع هجوم واسع النطاق قبل التحرك قد يعني مواجهة تهديد أعظم بتكلفة كبيرة، تفوق قدرات بعض الدول.
إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أقوى أداة دفاع سيبراني في العالم، لكنه في الوقت نفسه قد يصبح أخطر أداة هجومية إذا لم تُنظم وتُؤمن قدرة الحكومات على فهم مخاطره والسيطرة عليها.
والسؤال حالياً؛ هل سوف تصبح المؤسسات مستعدة عندما تكون الهجمات أسرع من قدرة تلك المؤسسات على اكتشافها واحتوائها؟عندما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى سلاح سيبراني.. هل استعدت الحكومات للخطوة التالية؟
د. هاني محمد
إن الهجمات السيبرانية اليوم بالطبع لا تشبه ما كان عليه قبل سنوات، فقد أصبح المهاجم لا يحتاج إلى فريق كبير من المخترقين "الهاكرز"، ولا عدة أيام لاكتشاف ثغرة في نظام ما. ف الذكاء الاصطناعي كسر كل القواعد؛ من خلال تحليل كميات كبيرة من المعلومات في أجزاء من الثانية، واكتشاف نقاط الضعف، وكتابة الأكواد، وإنشاء وتوجيه رسائل التصيد، إلى جانب استخدام الهندسة الاجتماعية المتقدمة، غير أنه قادر على أتمتة جزء كبير من عملية الاختراق. والأكثر قلقًا هو أن التطور ليس نظريًا بعد الآن؛ ففي عام 2026 ظهرت مؤشرات عملية على أن الهجمات المدعومة ب الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر تعقيدًا، مما دفع أجهزة أمن سيبراني وشركات تكنولوجيا عالمية لإطلاق تحذيرات متتالية، مؤكدة على ضرورة الاستعداد الفوري.
وفي تقرير أعدته CrowdStrike، وهي أحد أكبر الشركات العاملة في مجال الأمن السيراني، أشارت فيه إلى ارتفاعًا بنسبة تقدر بنحو 89% في الهجمات التي اعتمدت على أدوات الذكاء الاصطناعي خلال عام 2026. كما ذكر التقرير الذكاء الاصطناعي أصبح «مضاعفًا لقوة» المخترقين، لأنه يسرّع عملية الاستطلاع واكتشاف الثغرات، مما سهّل عملية الاختراق. كما سجل التقرير أن أسرع عملية اختراق لم تتجاوز 27 ثانية فقط، ما يقلص الوقت المتاح للمدافعين لاكتشاف الهجوم أو إيقافه أو حتى محاولة احتوائه.
إن التحذيرات لم تتوقف عند شركات الأمن، ففي يونيو الماضي؛ أصدرت أجهزة الأمن في الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، كندا، أستراليا، ونيوزيلندا تحذيرًا مشتركًا بعنوان "تحول الذكاء الاصطناعي في المخاطر السيبرانية"، والتي أكدت أن الذكاء الاصطناعي تسبب في خفض الحواجز أمام المخترقين، ويزيد من تعقيد الهجمات، وأن الوقت اللازم لاكتشاف أنماط تلك الهجمات أو التعامل مع التهديدات أصبح أشهر أو أيام، لا سنوات، كما دعت أجهزة تلك المؤسسات إلى التحرك العاجل، وتأمين الأنظمة القديمة، وتحديث البرمجيات بسرعة، وتشديد ضوابط الهوية والدخول والاستخدام، والاستعداد المسبق لاحتواء الاختراقات.
وازدادت أهمية تلك التحذيرات مع ظهور تقرير "المنتدى الاقتصادي العالمي للأمن السيبراني"، في مايو الماضي، الذي أشار إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في التوترات الجيوسياسية يعيد تشكيل مشهد المخاطر السيبرانية في العالم، حيث أصبحت الهجمات أكثر تعقيدًا وشراسة، بينما تواجه الحكومات الدول فجوة متزايدة بين سرعة تطور التهديد وقدرة أجهزة تلك الحكومات على الاستجابة.
الأخطر من ذلك، هو تحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة للمهاجم البشري إلى عامل رئيسي قادر على تنفيذ سلاسل من المهام شبه مستقلة في أقل وقت ممكن، منها؛ قدرة بعض الوكلاء المرتبطون بالذكاء اصطناعي في بعض الأنظمة،
AI Agents، من الوصول إلى شبكة المعلومات الدولية "الإنترنت" وإنشاء هجمات خارج بيئات الاختبار، الأمر الذي أثار مخاوف حول قدرة المطورين على السيطرة الكاملة على تلك الأنظمة.
كما أنه في أغسطس الماضي، حذرت أكثر من 100 شركة تعمل في تكنولوجيا المعلومات وتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي، بما فيهم OpenAI، Anthropic، Microsoft، Alphabet، وAmazon، من أن المؤسسات والحكومات قد لا تملك سوى أشهر للاستعداد لموجة جديدة من الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
كما أظهرت عبارات "خروج الهجمات عن السيطرة" أو "خروج أدوات الذكاء الاصطناعي عن سيطرة البشر"، تحذيرًا من فقدان السيطرة التشغيلية في وقت قريب، وليس وصفًا لآلة مستقلة قررت شن حرب، وأصبحت المعضلة في سرعة وقدرة أدوات الهجوم من تجاوز قدرة تأمين الأنظمة التقليدية على مراقبتها واتخاذ القرار، خاصة عندما يصبح اكتشاف الثغرة واستغلالها آليًا وشبه فوريًا.
وفي السياق ذاته، أظهرت الحروب الجارية، تلك الأيام، هذا التحول بوضوح، ففي الحرب الروسية الأوكرانية، استمرت الحرب السيبرانية إلى جانب العمليات العسكرية، وأشارت عدة تقارير إلى استخدام دولة روسيا لأدوات الذكاء الاصطناعي لتطوير برمجيات خبيثة يمكنها توليد أوامر ضارة ديناميكيًا، كما أشارت إلى أن استهداف منشأت الطاقة من أبرز ساحات الصراع السيبراني، مع استهداف مستمر للأنظمة المرتبطة بالطاقة والاتصالات في أوكرانيا وأوروبا.
كما أنه في الحرب على إيران، أصبحت الحرب السيبرانية أكثر وضوحًا، ظهر ذلك جليًا حين أعلنت إسرائيل عن تسجيل نحو خمسة آلاف هجمة سيبرانية مستهدفة منشآت إيرانية خلال يونيو الماضي، مقابل نحو ألف وستمائة اختراق، في يونيو 2025، مع استهداف بنية تحتية حيوية منها؛ مؤسسات حكومية، وشركات صغيرة ومتوسطة. كما قد أشارت تحليلات أمنية إلى أن إيران استخدمت كذلك أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراتها السيبرانية، المعلوماتية، والعسكرية، بما في ذلك تعجيل تطوير البرمجيات الخبيثة وإنشاء رسائل تصيد أكثر إقناعًا وفتكًا.
تلك التطورات تعني أن الحروب المستقبلية لن تكون فقط صواريخ، أو طائرات، أو مسيرات، بل ستكون أيضًا حرب سيبرانية؛ وقد يبدأ الهجوم السيبراني قبل الهجوم العسكري، ويستمر بعد توقفه، ويستهدف الكهرباء، المياه، الاتصالات، المصارف، المستشفيات، سلاسل الإمداد، والأنظمة الحكومية.
أصبح مواجهة هذا التحول، جزءًا من الأمن القومي لأي دولة، ولا تكفي أن تتعامل الحكومات مع الأمن السيبراني كملف تقني تابع لإدارات تكنولوجيا المعلومات؛ ولا باستخدام أدوات الدفاع التقليدي؛ فالمهاجمون يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل، لذلك يجب توظيف الذكاء الاصطناعي في الجانب الدفاعي أيضًا، للكشف المبكر عن سلوكيات غير طبيعية، لتحليل الثغرات، وتسريع استجابة الحوادث.
أن الوقت المتاح للاستعداد يتقلص بسرعة؛ فبحسب تحذيرات أجهزة الأمن السيبراني العالمية، تتطور قدرات الهجمات المدعومة ب الذكاء الاصطناعي بوتيرة تُقاس بالأشهر لا بالسنوات. الأمر الذي يعني إن انتظار وقوع هجوم واسع النطاق قبل التحرك قد يعني مواجهة تهديد أعظم بتكلفة كبيرة، تفوق قدرات بعض الدول.
إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أقوى أداة دفاع سيبراني في العالم، لكنه في الوقت نفسه قد يصبح أخطر أداة هجومية إذا لم تُنظم وتُؤمن قدرة الحكومات على فهم مخاطره والسيطرة عليها.
والسؤال حالياً؛ هل سوف تصبح المؤسسات مستعدة عندما تكون الهجمات أسرع من قدرة تلك المؤسسات على اكتشافها واحتوائها؟