كثير ما يتنمر البعض على شخص بسيط، كيف أدي هذا الموقف البطولي ، ويغيب عن هؤلاء أن البسطاء يؤدون أفعالهم دون غلو ولا تكلف، ويقومون بها حسب ما يقتضيه الواجب عليهم، ويتسم البسيط بوضوح غير مفرط، وفى نفس الوقت لا تقترن البساطة باللامبالاة، ويفهم الناس أفكار الشخص البسيط بسهولة ليس فيها مبالغة، وكم من مواقف وكلمات بسيطة تزين أصحابها وتزيدهم قبولا، والمجتمع يرددها، والتاريخ يسجلها، وعلى النقيض الشخص المعقد نفسيا غالبا ما يبدو متكلفا، ويسعي بدأب لتأزم الأمر على المحيطين به، وهو شخصية متعجرفة، والعاشق للبساطة ينفر من المعقد المتكبر، ويختلف عنه لأنه إنسان لين الجانب، ولذا يشعر كل من يعاشره براحة وبقبول، وغالبا ما يكون شخصا ناجحا اجتماعيا وعمليا، وحين يخطئ الشخص البسيط لا يراوغ ولا يسرف في مبرراته.
ولا عجب أن يكون الدكتور أحمد زويل أحد عشاق البساطة، هذا ما قال عنه نجله الدكتور هاني زويل، واستطرد فى حديثه عن سيرة والده، وقال إن بيتنا فى أمريكا جعله والده مصريا خالصا، استحق زويل وأمثاله من النوابغ إشادة الحكماء لهم، وقالوا إن أفضل العلماء تواضعا أكثرهم علما، ولذا كانت البساطة شقيقة التواضع، ولا يأنف العلماء من محبي البساطة أن ينسبوا الفضل لنجاحهم إلي فلان وفلان وبشكل علني.
وجاهل من يعتقد أن البساطة خنوع، أو سحق للنفس من أجل الآخرين، وفى ذلك قال تعالي: "وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِى الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، و البساطة كما يعرفها العقلاء طريقا للتصالح مع النفس، والسبيل المختصر لراحة البال، ولا تعني بساطة الشخص أنه ضعيف وفقير فى مظهره، وشهريار ظلمه الحكاؤون، إذا قرأت تاريخه تكتشف أنه كان طالبا منصتا فى مجلس العلماء، ويحكي أن هارون الرشيد بلغ لعلمه أثناء صلاته في المسجد النبوي بوجود الإمام مالك في المسجد، فاستدعي هارون الإمام للحضور إلي مجلسه ليستمع إليه، فجاءه رد الإمام مالك أن العلم لا يأتي إنما يؤتي إليه، فهب متجها إلي درس الإمام، وجلس فى نهاية المجلس على الأرض منصتا.
والجميع يشهد ببساطة الدكتور مصطفى محمود ، فقد استطاع تبسيط العلوم بأسلوب يسير، واستوعبها العامة من الناس، وطرح مفاهيمه الفلسفية بمنتهي البساطة، وربط العلوم ومراحل نشأة الكون بالدين بلغة خالية من التعقيد، وقالوا عن الدكتور محمود أديب الأطباء وطبيب الأدباء، ومن أروع أقواله: ابتسم عندما تجلس مع عائلتك.. فهناك من يتمني عائلة، ابتسم عندما تذهب إلي عملك.. فالكثير مازال يبحث عن وظيفة، وقال: لا تشارك غيورًا حسودًا.. ولا تجاور جاهلا.. ولا تصاحب بخيلا، وتتجلى أجمل أقواله فى وصف الرحمة أنها أعمق من الحب وأصفى وأطهر، وتجمع بين الحب والتضحية.. وفيها إنكار الذات.. وفيها العطف والتسامح.