أمريكا أم الصين ؟!.. هذا ليس سؤالًا في القاهرة

أمريكا أم الصين ؟!.. هذا ليس سؤالًا في القاهرةسعيد صلاح

الرأى9-9-2026 | 15:16

فى كل مرة تتقدم فيها الصين خطوة جديدة فى الشرق الأوسط، يظهر السؤال نفسه: هل تقترب مصر من بكين على حساب واشنطن؟! وهل يعني اتساع الشراكة المصرية الصينية أن القاهرة تعيد ترتيب بوصلتها الدولية؟! وربما يتكرر السؤال بصورة أخرى كلما تطورت علاقة مصر بروسيا ، أو اتسعت شراكاتها مع أوروبا، أو تحركت فى اتجاه آسيا وإفريقيا ، لكن الحقيقة أن هذا السؤال، بصيغته هذه، لا يصف طريقة التفكير المصرية.. مصر لا تتعامل مع علاقاتها الدولية باعتبارها مباراة بين قوتين تختار إحداهما وتخسر الأخرى، ولا ترى أن الاقتراب من دولة يعني بالضرورة الابتعاد عن دولة أخرى. المسألة، ببساطة أكثر، هي كيف تحافظ الدولة على مصالحها فى عالم تتنافس فيه القوى الكبرى، وكيف توسع خياراتها من دون أن تفرط فى استقلال قرارها؟!

وزيارة الرئيس الصيني لمصر تقدم مناسبة جيدة للعودة إلى هذه القاعدة، ليس لقراءة العلاقات المصرية الصينية وحدها، إنما لفهم الطريقة التي أدارت بها القاهرة علاقاتها مع الدول الكبرى طوال عقود، فالعلاقة مع الصين ليست وليدة السنوات الأخيرة، ولم تبدأ مع صعود الصين الاقتصادي أو تحولها إلى إحدى أهم القوى المؤثرة فى العالم، جذورها تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما كانت مصر تبحث عن مساحة مستقلة للحركة فى نظام دولي شديد الاستقطاب، وكانت الصين الشعبية تخوض معركتها لتثبيت حضورها والاعتراف بها دوليًا.

فى مايو 1956 أقامت مصر علاقاتها الدبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، وكانت أول دولة عربية وإفريقية تقوم بهذه الخطوة، وفى ذلك الوقت لم يكن القرار منفصلًا عن رؤية أوسع لدى القاهرة لإعادة بناء علاقاتها الدولية على أساس استقلال القرار الوطني وعدم حصر الحركة المصرية فى دائرة قوة واحدة، ثم جاءت أزمة قناة السويس والعدوان الثلاثي فى العام نفسه، لتضع هذه العلاقة أمام اختبار حقيقي، فقد كانت مصر تواجه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل دفاعًا عن سيادتها على قناة السويس وحقها فى اتخاذ قرارها بنفسها، بينما أعلنت الصين دعمها لمصر وأدانت العدوان عليها.

ومن الصعب فهم قيمة ذلك الموقف بعيدًا عن ظروفه، فالعلاقات بين الدول لا تُختبر فقط فى المؤتمرات والزيارات، إنما تظهر حقيقتها عندما تواجه إحدى الدول لحظة صعبة، وفى تلك اللحظة وجدت القاهرة فى بكين موقفًا سياسيًا مساندًا لمعركتها من أجل السيادة والاستقلال، لكن الأهم أن العلاقة لم تتوقف عند حدود تلك اللحظة، ولم تتحول إلى تحالف مغلق ضد طرف ثالث.

تغيرت مصر، وتغير العالم، وجاءت حرب أكتوبر 1973، ثم تبدلت خريطة العلاقات الدولية، وانتهت الحرب الباردة، وسقط الاتحاد السوفيتي، وانفردت أمريكا لسنوات طويلة بموقع القوة الأعظم، ثم بدأ العالم يتحرك من جديد نحو تعددية أكثر تعقيدًا مع صعود الصين وعودة روسيا وتنامي أدوار قوى أخرى، وخلال كل هذه التحولات ظلت العلاقات المصرية الصينية تتطور، وهنا تكمن قيمة التجربة، فالعلاقة التي تستمر سبعة عقود رغم تغير الرؤساء والأنظمة والظروف الدولية لا يمكن تفسيرها فقط بالصداقات الشخصية أو بالظرف السياسي، بل هناك مصالح تراكمت، وثقة متبادلة، وقدرة على تطوير العلاقة كلما ظهرت مجالات جديدة للتعاون.

ولهذا انتقلت العلاقات بين القاهرة وبكين من الصداقة والتنسيق السياسي إلى التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، ثم إلى شراكة استراتيجية شاملة، امتدت إلى الصناعة والبنية الأساسية والطاقة والنقل والاتصالات والتكنولوجيا والاستثمار والتعليم والثقافة وغيرها، وفى السنوات الأخيرة أصبح حضور الصين فى المشهد الاقتصادي المصري أكثر وضوحًا، سواء من خلال الاستثمارات والمشروعات أو من خلال المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، أو فى إطار مبادرة الحزام والطريق، وغيرها من مجالات التعاون التي تتقاطع فيها المصالح المصرية والصينية.

لكن الخطأ هو أن نقرأ كل ذلك باعتباره إعلانًا عن انتقال مصر من محور إلى محور، فمصر لم تتعامل مع الصين باعتبارها بديلًا عن الولايات المتحدة، كما لم تتعامل مع روسيا باعتبارها بديلًا عن الغرب، ولم تعتبر تطوير علاقاتها مع أوروبا خصمًا من علاقاتها العربية أو الإفريقية، هذه ليست هي المعادلة المصرية أصلًا، المعادلة أكثر واقعية، مصر تتعامل مع كل قوة وفق مصالحها الوطنية، وتحدد مستوى الشراكة وفق طبيعة الملف واحتياجات الأمن القومي، قد يكون التعاون مع دولة أكثر عمقًا فى مجال الطاقة، ومع أخرى أكثر أهمية فى الدفاع، ومع ثالثة فى التجارة والاستثمار، ومع رابعة فى التكنولوجيا، وقد تتفق القاهرة مع دولة فى ملف وتختلف معها فى ملف آخر، ولا يوجد فى ذلك تناقض، لأن السياسة الخارجية لا تُدار بمنطق «إما.. أو»، إنما بمنطق المصالح والخيارات.

ولهذا أيضًا فإن القول إن مصر «تقف على مسافة واحدة من الجميع» ليس التعبير الأدق، مصر لا تستخدم مسطرة واحدة لقياس علاقاتها الدولية، علاقاتها بالولايات المتحدة لها طبيعتها وخصوصيتها، وعلاقاتها بروسيا لها طبيعتها، وشراكتها مع الصين لها طبيعتها، وعلاقتها بأوروبا لها حساباتها، كما أن علاقاتها العربية والإفريقية مرتبطة بمحددات تاريخية وجغرافية وأمنية لا يمكن فصلها عن الدولة المصرية، لكن ما يوحد كل هذه الدوائر هو شيء واحد: استقلال القرار المصري، وهنا تصبح عبارة «التوازن الاستراتيجي» أكثر دقة عندما نفهمها باعتبارها قدرة على الحركة، لا مجرد وقوف فى المنتصف.

التوازن ليس أن تضع واشنطن فى كفة وبكين فى كفة وتبحث عن نقطة بينهما، التوازن الحقيقي هو أن تمتلك مصر من الخيارات والشراكات ما يمنحها قدرة أكبر على حماية مصالحها، وأن تظل قادرة على اتخاذ موقفها وفق حساباتها هي، بمعنى آخر: مصر لا تنقل انحيازها– إن صح التعبير - من عاصمة إلى أخرى، إنما تبني شبكة مصالح حول الدولة المصرية.

وهذه المسألة بالنسبة لمصر ليست ترفًا دبلوماسيًا، الجغرافيا وحدها تجعلها فى حاجة إلى سياسة خارجية متعددة الاتجاهات، فهى دولة عربية وإفريقية ومتوسطية، تطل على البحرين الأحمر والمتوسط، وتمتلك قناة السويس، وتقع فى قلب إقليم مضطرب، وتتأثر مباشرة بما يجري فى فلسطين وليبيا والسودان والبحر الأحمر وشرق المتوسط، فضلًا عن ارتباط أمنها المائي بحوض النيل، كل هذه الدوائر ليست ملفات منفصلة عن الأمن القومي المصري، ولذلك لا يمكن لمصر أن تختزل العالم فى علاقة واحدة أو شريك واحد، والدولة التي تضع كل أوراقها فى يد طرف واحد تصبح خياراتها أقل، بينما الدولة التي تنوع شراكاتها وتوسع دوائر تعاونها تمتلك مساحة أكبر للحركة.

لكن تنويع الشراكات لا يعني تنويع الولاءات، وهذه ربما واحدة من أهم النقاط التي ينبغي الانتباه إليها فى قراءة السياسة الخارجية المصرية، فمصر ليست مطالبة بأن تختار بين الصين وأمريكا، ولا بين روسيا والغرب، وهي لا تحتاج إلى أن تعادي قوة دولية حتى تثبت استقلالها، كما لا تحتاج إلى أن تتبنى مواقف دولة أخرى حتى تحافظ على شراكتها معها.

الاستقلال الحقيقي أبسط من ذلك وأصعب فى الوقت نفسه، وهو أن تستطيع الدولة أن تقول «نعم» عندما تتفق المصالح، وأن تقول «لا» عندما يتعارض الأمر مع أمنها القومي، وأن تفاوض عندما يكون التفاوض هو الطريق الأفضل، وأن تتعاون عندما يكون التعاون فى مصلحتها، وهذا ما تفعله مصر.. مصر تحتاج إلى الاستثمارات والتكنولوجيا والصناعة ونقل الخبرات والبنية الأساسية، و الصين تمتلك قدرات هائلة فى هذه المجالات، والصين، فى المقابل، تنظر إلى مصر باعتبارها دولة محورية فى الشرق الأوسط وإفريقيا، وموقعًا مهمًا للتجارة الدولية، وبوابة للأسواق الإقليمية، فضلًا عن الأهمية الاستراتيجية لقناة السويس، إذًا هناك مصلحة مصرية، ومصلحة صينية، ومساحة واسعة للالتقاء، وهذا هو الشكل الطبيعي للعلاقات بين الدول.

الأمر نفسه يمكن رؤيته فى علاقات مصر بروسيا، وفى شراكتها الاستراتيجية مع أمريكا، وفى علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع أوروبا، وفى دوائرها العربية والإفريقية، مصر لا تبحث عن «راعٍ» ولا عن بديل، إنما تسعى إلى بناء علاقات تمنحها ما تحتاج إليه وتفتح أمامها مجالات أوسع للحركة، وفى عالم تغيرت فيه طبيعة القوة نفسها، أصبح هذا التنوع أكثر أهمية، فالقوة اليوم ليست عسكرية فقط، الاقتصاد قوة، والطاقة قوة، والتكنولوجيا قوة، والموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد أدوات نفوذ، والقدرة على جذب الاستثمار وتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا أصبحت جزءًا من معادلة الأمن القومي، ولذلك فإن امتلاك مصر شبكة واسعة من الشراكات ليس مجرد نجاح دبلوماسي، إنما أحد عناصر قدرتها على حماية مصالحها الوطنية.

وفى النهاية، ربما يكون السؤال الصحيح مختلفًا تمامًا: ليس « أمريكا أم الصين؟! وليس «شرق أم غرب؟!» ، السؤال الذي يعني مصر فعلًا هو: كيف نستفيد من علاقاتنا مع الجميع من دون أن يفقد قرارنا استقلاله؟! والإجابة ليست فى اختيار عاصمة دون أخرى، إنما فى بناء دولة قوية تعرف مصالحها، وتمتلك خياراتها، وتحافظ على أمنها القومي. تتغير موازين القوى، وتصعد دول وتتراجع أخرى، وتتبدل خرائط النفوذ والتحالفات، لكن القاعدة التي تحكم السياسة المصرية تظل واضحة:نفتح الأبواب للجميع.. نتعاون مع الجميع.. نحترم مصالح الجميع.. لكن عندما يتعلق الأمر بمصر، يظل القرار فى القاهرة.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله الوطن

أضف تعليق

مصر والصين .. شراكة الحضارات ترسم خريطة المستقبل

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان