عندما أكدت بريطانيا، سبتمبر الماضي، أنها ستعترف بالدولة الفلسطينية، جاء ذلك في أعقاب فرنسا التي أشارت قبلها ببضعة أشهر إلى أنها تخطط لاتخاذ هذه الخطوة ذات الدلالة الرمزية.
وبعد مرور عام تقريبًا، كانت بريطانيا هي من بادرت بالتحرك ضد انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي الجديدة، فقد أعلنت الحكومة البريطانية، وتبعتها فرنسا وكندا، أنها ستوقف التجارة مع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية المحتلة. بل وذهبت إلى اتهام بعض المستوطنين بالتورط في "التطهير العرقي" للفلسطينيين.
يعكس هذا التسلسل الدبلوماسي جزئيًا السياسة الداخلية في كل دولة من حلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه الاحتلال، كما يشير تحليل لصحيفة "نيويورك تايمز".
ففي العام الماضي، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي كان يقترب من نهاية ولايته، حريصًا على ترسيخ إرثه. أما الآن، فيسعى رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي بيرنام، إلى تهدئة أعضاء حزب العمال الذين يشعرون بالفزع إزاء المعاناة في غزة، والغاضبين من تقاعس بريطانيا عن بذل المزيد من الجهود حيالها.
ومع ذلك، فإن التأثير التراكمي هو ضغط أوروبي موحد بشكل لافت للنظر على إسرائيل. وأدى ذلك إلى عزلة تل أبيب عن أوروبا، وخلافها مع أكبر قوتين عسكريتين بها، واللتين كانتا حليفتين قويتين في السابق، ومواجهتها لعقوبات اقتصادية بينها حظر البضائع القادمة من المستوطنات، التي قال المحللون إنها قد تكون أكثر من مجرد عقوبة رمزية.
لا تمثل صادرات المستوطنات سوى جزء ضئيل من التجارة السنوية بين بريطانيا وإسرائيل، التي تبلغ قيمتها 8 مليارات دولار، على الرغم من صعوبة قياس قيمتها بدقة، وفقًا لتقييم حديث أجراه باحثون في البرلمان البريطاني.
وتشير "نيويورك تايمز" إلى أن الدخل الناتج عن سلع مثل التمور والبلاستيك -بجانب الدعم المقدم من الحكومة الإسرائيلية- يلعب دورًا حيويًا في اقتصادات المستوطنات. وأبرز الحظر اتساع الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة بشأن سياسة الشرق الأوسط.
كما أظهر رد الفعل الإسرائيلي العنيف أنها تنظر إلى تحوّل بريطانيا على أنه أكثر من مجرد إجراء رمزي. وأمرت بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس المحتلة، التي تمثل مصالح بريطانيا في مناطق القدس والضفة الغربية المحتلتين وقطاع غزة. وتُعدّ هذه القنصلية، التي تأسست عام 1839، من أقدم البعثات الدبلوماسية بالمنطقة.
وكذلك حظرت إسرائيل دخول العديد من أعضاء البرلمان البريطاني، ومعظمهم من اليسار، إلى أراضيها، وألغت تدريب بريطانيا لقوات الأمن الفلسطينية، واستبعدت بريطانيا من بعثة التنسيق في غزة، وهي هيئة دولية تقودها الولايات المتحدة وتنسق جهود الإغاثة في غزة ومقرها إسرائيل.
مع هذا، لم تُعلن إسرائيل إجراءات مماثلة ضد فرنسا، رغم أنها هاجمت الرئيس ماكرون، العام الماضي، لقيادته حملة الاعتراف بفلسطين. وشملت حملة ماكرون أيضًا تنظيم مؤتمر مع السعودية، يوليو 2025، لبحث حل الدولتين.
وحظر التجارة مع المستوطنات اليهودية أيدته تسع دول أخرى، إضافة إلى بريطانيا وفرنسا وكندا، وهي الدنمارك وفنلندا وأيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد.
وفي بيان مشترك، قال وزراء خارجية تلك الدول، إنهم اضطروا إلى التحرك بسبب "مستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين وتوسع المستوطنات". وأشاروا إلى الخطط الإسرائيلية لبناء مستوطنة جديدة في E1، وهو ممر إستراتيجي في الضفة الغربية المحتلة يعتبر أساسيًا لبقاء الدولة الفلسطينية.
وبينما أعلنت الدول عزمها سنّ قوانين وطنية، ودعم القوانين الأوروبية، لتقييد التجارة في السلع مع المستوطنات، التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها غير قانونية بموجب القانون الدولي، ذهبت بريطانيا وفرنسا وكندا إلى أبعد من ذلك، إذ أعلنت، إضافة إلى وقف تجارة السلع، أنها ستستهدف الخدمات، وستلاحق "الأفراد والشركات التي تدعم أو تسهل أو تستفيد من أنشطة الاستيطان غير القانونية".
ينقل التقرير عن دانيال ليفي، مدير مشروع "الولايات المتحدة/الشرق الأوسط" -مركز أبحاث في لندن ونيويورك-، الذي انتقد حكومة حزب العمال السابقة لاتخاذها ما وصفه بـ"أنصاف الحلول ضد إسرائيل"، أن رئيس الوزراء البريطاني الجديد بيرنام "أدرك أنه بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد".
ولذلك، بعد توليه منصبه في يوليو بفترة وجيزة، اعتذر عن طريقة تعامل حزب العمال في البداية مع حرب غزة، قائلًا إن الحكومة "لم تُحسن التصرف".
قاد هذا التحول في السياسة وزير خارجيته، إد ميلباند، الذي اتخذ موقفًا أكثر تشددًا تجاه إسرائيل مقارنة بأسلافه. وفي البرلمان أمس الثلاثاء، وصف ميلباند نفسه بأنه "يهودي بريطاني فخور" يدعم إسرائيل. لكنه انتقد بشدة الوضع في الضفة الغربية المحتلة، إذ بلغت هجمات المستوطنين على الفلسطينيين مستويات قياسية في السنوات الأخيرة، ما أدى إلى نزوح الفلسطينيين عبر مناطق إستراتيجية من الأراضي.
وقال: "تقر الحكومة البريطانية بوجود تطهير عرقي للفلسطينيين في مناطق من الضفة الغربية المحتلة، يرتكبه إرهابيون مستوطنون. وكثيرًا ما تغض الحكومة الإسرائيلية الطرف عن هذا الأمر".
وأضاف في حديثه إلى وسائل الإعلام، الأربعاء، أن بريطانيا قيّمت ما إذا كانت تكلفة اتخاذ إجراء تفوق الفائدة، لكنها خلصت إلى أن بريطانيا لا يمكنها "ببساطة الوقوف مكتوفة الأيدي لأننا نخشى رد الفعل الإسرائيلي".
ورفضت بريطانيا الحجة القائلة بضرورة تأجيل الإجراءات إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، أكتوبر المقبل، خشية أن تسهم في حشد الناخبين الإسرائيليين لصالح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وتعزيز سلطة حكومته المتشددة، إذ يتمتع المتشددون بنفوذ كبير بالفعل.