غياب القيم

غياب القيممحسن عليوة

الرأى11-9-2026 | 21:08

في أزمان التحولات الكبرى، وما يحدث فى العام من إهتزازات وارتدادات أخلاقية ربما يكون الاختبار الأقسى الذى تواجهه الدول ليس في ألازمات الاقتصادية أو التعثر التنموى فحسب، بل فى اهتزاز بوصلتها الأخلاقية وتراجع منظومتها القيمية من البعض، وحين تغيب المعاييرالرصينة، وينفرط عقد القيم التى تصون المجتمعات، تتغير وجهة الصدارة، ليجد المرء نفسه أمام مفارقة مؤلمة وهى أن يتصدر المشهد العام من لا يملكون عمقاً ولا فكراً، بينما يختار أصحاب العقول المستنيرة والرواد الإكتفاء والابتعاد.

وهذه الإرتدادات تمثل وتلخص واقعاً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً يتكررعبر التاريخ وفى مجتمعات مختلفة، فحين تفقد المجتمعات بوصلتها الأخلاقية وتتفكك منظومة القيم (من صدق، أمانة، إيثار، احترام للعلم والمعرفة وحفظ المقدرات واحترام القادة وتقدير الرموز والمحافظة على تاريخ وقيمة المجتمعات )، وتصبح المعايير هشة أو مصلحية، يحدث فراغٌ كبير، وفى هذا الفراغ، غالباً ما يتقدم من يملكون الجرأة على التفاهة، ومن يجيدون فنون الاستعراض والسطحية، ليملأوا المشهد العام.

واختلال المعايير أخطر من غيابها ،فغياب المعيار يترك الناس حائرين، أما اختلاله فيجعلهم يصفقون للخطأ وهم يظنون أنهم على صواب فتُصبح التفاهة شجاعة، والوقاحة صراحة، والجهل وجهة نظر ، وإذا علا قدر التافهين. فليس لأنهم ارتفعوا، بل لأن السقف قد انخفض حتى صار فى متناولهم.

في المقابل، يميل أصحاب الفكر المستنير، والعلماء، والمبدعون الحقيقيون، إلى الانكفاء على أنفسهم والابتعاد عن صخب الساحة، إما زهداً فى الدخول فى معارك خاسرة مع الجهل، أو لأنهم لا يجدون أرضية مشتركة لطرح أفكارهم العميقة، فيصبحون كالغرباء في أوطانهم.

وعندما تغيب القيم، لا يُصبح الفراغ فراغاً... بل يمتلئ والذى يملؤه دائماً هو الأسهل، الأخف، الأعلى صوتاً، فالتافهون لا يعلون لأنهم أقوياء ، بل لأن الميزان نفسه إنكسر، فعندما أصبحنا لا نزن الناس بما يصنعون، بما يعرفون، أو بما يحملون من أمانة علمية وفكرية ووطنية ، ولكن وبكل أسف وأسى أصبحنا هناك من يزن الناس بما يلمع أو بعدد المتابعين، أو بجرأة ألسنتهم و قدرتهم على إثارة الضجيج من حولهم ، وهو ضجيج بلا طحين .

فلماذا إذن تغيب القيم ولماذا تختل المعايير؟
إن جذور أزمة إختلال المعايير وغياب القيم ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج عدة عوامل متراكمة أبرزها ، طغيان الماديات و المنفعة السريعة لذا فقد تحول النجاح فى كثير من الأذهان من "القيمة والأثر المستدام" إلى "الربح السريع والشهرة العابرة"، بغض النظر عن الوسيلة أو المحتوى.

كما أن أزمة التربية والتعليم حيث تراجع بشكل ملحوظ دور المؤسسات التعليمية والثقافية فى بناء الوعى وبناء الفكر النقدى الإنسانى ،ذلك النقد القادر على التمييز بين الغث والسمين، واقتصار التعليم أحياناً على التلقين دون غرس للقيم والوعى الفكرى والثقافى المستمد من تاريخ المجتمعات .

وتأتى وسائل التواصل الحديثة وسلطة "التريند " و هيمنة منصات التواصل الاجتماعى وخوارزمياتها التى غالباً ما ترفع من أسهم الإثارة والسطحية ، مما يعطى صوتاً وتأثيراً ضخماً لمن لا يملكون محتوى حقيقياً، فيه إفادة للمجتمع .

ومن أخطر الأسباب ضعف القدوة وتغييب الرموز الحقيقية فعندما تغيب القدوة ويغيب أهل العلم و المفكرون وأصحاب الرؤى و الإنجازات الحقيقية عن واجهة الإعلام والمشهد العام، تُفرغ الساحة ليملأها أدعياء الظهور، وقد أحسنت القيادة السياسية فى إحتفالية مصر بالمولد النبوى الشريف أن دعا المثقفون والمفكرين واصحاب الرؤى لمؤتمر ينقعد فى أكتوبر ولعدة أيام بحضور سيادة الرئيس لمناقشة كافة ما يتعلق بالوطن وتعظيم الإنجاز ومعالجة أى قصور .

إن تصدر التافهين وغير الواعين بعض المشاهد يُحدث هزات مجتمعية تتمثل في تسطيح الوعى الجمعى فتُصبح القضايا التافهة هى الشغل الشاغل للرأى العام ( الترندات ) ، وتتراجع النقاشات الجادة التى تخدم مستقبل الوطن.

وفى تصدر التافهين إحباط لأصحاب الكفاءات فعندما يرى أصحاب الفكر والجهد الحقيقي أن الساحة ممهدة لمن هم دونهم، يُصابون بالإحباط، مما يدفعهم إما للصمت المطبق أو الهجرة الفكرية والجسدية وهذا من الخطورة بمكان حيث أن أعداء الوطن يُحاولون تصدير مؤثرات التشويش على الفكر السليم وبث الشائعات والشبهات حول كل ما يتعلق بالوطن لتثبيط قدرات الشباب فى الإنخراط فى الشأن العام لإفساح المجال أمام التفاهة وأهلها ويساعد على ذلك قنوات ومنصات لا هم لها إلا نشر محتويات فارغة تتضمن رسائل مسمومة ، وأخطر ما فى تصدُر التافهين لبعض المشاهد أن الأجيال الجديدة تفتقد القدرة على التمييز بين النماذج المشرفة والنماذج الهشة.

إن تصحيح هذا المسار لا يحدث باليأس ولا بالإنسحاب الدائم، بل يتطلب عدة طُرق للخلاص واستعادة العافية تتمثل في إعادة الاعتبار للقدوة الحقيقية وذلك بتسليط الضوء إعلامياً ومجتمعياً على النماذج المضيئة وما أكثرها والتى تُقدم أعمالاً حقيقية ذات تأثير مجتمعى إيجابى ،والتمسك بالوعى الفردى والجمعى فالتغيير يبدأ من وعى الأسرة والتربية الذاتية على المعايير الأصيلة والعادات والتقاليد و القيم الأخلاقية إن غياب القدوات يترك الفراغ كاملاً لمن يُفسدونه، بل ويُفسدون الذوق العام ، فإصلاح الكلمة ودراسة الآثار المترتبة للكلمة الطيبة والفكر المستنير هما الحصن الحصين فى وجه السطحية.

والعلاج ليس فى مهاجمة التافهين، فهم نتيجة وليسوا سبباً ، إنما العلاج في إعادة تأسيس الميزان و أن نسمى الأشياء بأسمائها بهدوء، و بلا صراخ وأن نعيد الاعتبار للعمل المتقن، و للكلمة المسؤولة، ف القيم لا تموت، هى فقط تُهجر. وعودتها تبدأ حين يقرر المجتمع ألا يساوم عليها.

إن بقاء الأمم ونهضتها يقاس دائماً بقدرتها على فرز الغث وإكرام السمين، فبدلائل الوعى وبقيمة العلم وتعظيم عوامل الإنتماء تعود للقيم مكانتها، ويتبوأ أهل الفكر مكانهم الطبيعي فى طليعة المشهد.
حفظ الله مصر قيادة وشعباً

أضف تعليق

مصر والصين .. شراكة الحضارات ترسم خريطة المستقبل

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان