حين تعود الجريمة إلى الشاشة.. ماذا نتعلم من «لعبة جهنم»؟

حين تعود الجريمة إلى الشاشة.. ماذا نتعلم من «لعبة جهنم»؟د. نجلاء دسوقي

الرأى12-9-2026 | 00:27

أحيانًا لا تكتفي الدراما بإعادة رواية ما حدث، بل تمنح المجتمع فرصة لرؤية ما عجز عن ملاحظته في الوقت المناسب. وعندما تعود جريمة حقيقية إلى الشاشة، فإنها لا تستعيد تفاصيل الماضي فحسب، وإنما تضع الحاضر كله أمام سؤال صعب: هل تعلمنا شيئًا؟ وهل نجحنا في تحويل الصدمة إلى وعي يحمي من تكرارها؟

من هذه الزاوية، تكتسب حكاية «لعبة جهنم»، إحدى حكايات مسلسل «القصة الكاملة.. دراما»، أهمية تتجاوز حدود العمل الفني. فقد عادت الحكاية إلى واجهة الاهتمام العام مع عرضها على منصة «شاهد» في 28 أغسطس 2026، مستلهمة قضية مقتل طفل في شبرا الخيمة عام 2024، التي عُرفت إعلاميًا باسم قضية «الدارك ويب». ومع ذلك، تظل الحكاية الدرامية معالجة فنية مستوحاة من وقائع حقيقية، وليست نقلًا حرفيًا لأوراق التحقيق أو حيثيات الأحكام، إذ جرى تغيير بعض الأسماء والتفاصيل بما يتناسب مع البناء الدرامي.

وبين وقوع الجريمة وعودتها إلى الشاشة أكثر من عامين. وقد يبدو هذا الفاصل الزمني مجرد مدة تفصل بين حادثة مؤلمة وعمل درامي، لكنه في الحقيقة يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا فعلنا خلال هذه الفترة؟ فالتكنولوجيا لم تتوقف عن التطور، والمنصات الرقمية واصلت توسيع حضورها في حياة الأطفال والمراهقين، بينما ظلت المخاطر المرتبطة بها تتغير وتتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا.

لم يعد الخطر الرقمي يظهر دائمًا في صورة تهديد واضح أو اعتداء مباشر. قد يبدأ من لعبة إلكترونية أو تطبيق شائع أو حساب يبدو عاديًا، ثم يتطور عبر محادثة تمنح الطفل اهتمامًا خاصًا وشعورًا زائفًا بالأمان والقبول. وبعد ذلك قد تأتي طلبات مشاركة صور أو معلومات شخصية، أو الإصرار على الاحتفاظ بسر، أو ممارسة ضغط تدريجي يتحول في النهاية إلى تهديد أو ابتزاز.

وتكمن خطورة هذا النوع من الاستدراج في أنه لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل إلى حياة الطفل على مراحل. وقد لا يدرك الطفل أنه أصبح داخل دائرة غير آمنة إلا بعد أن يجد نفسه عاجزًا عن التراجع أو الإفصاح. وفي كثير من الأحيان، لا يمنع الطفل من طلب المساعدة جهله بالخطر فقط، بل خوفه من رد فعل الأسرة، أو اعتقاده بأنه سيتعرض للعقاب واللوم.

هنا تحديدًا، لا ينبغي أن ينحصر دور الأسرة في مراقبة عدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الهاتف أو الحاسوب. الأهم هو بناء حوار مستمر حول طبيعة تفاعله، والأشخاص الذين يتواصل معهم، والمواقف التي تجعله يشعر بالقلق أو الارتباك. فالطفل الذي يعرف أن أسرته ستستمع إليه قبل أن تحاسبه يكون أكثر قدرة على الإبلاغ عن الخطر في بدايته، وقبل أن يتحول التواصل الغامض إلى مأساة.

ولا تعني حماية الطفل مصادرة هاتفه أو عزله عن الإنترنت، كما لا تعني تحويل العلاقة الأسرية إلى عملية تفتيش دائم. فالرقابة العقابية قد تدفع الطفل إلى إخفاء ما يواجهه، وتزيد المسافة بينه وبين والديه. أما الحماية الحقيقية فتبدأ من الثقة، ومن إقناع الطفل بأن طلب المساعدة ليس اعترافًا بالذنب، وأن التعرض للخداع أو التهديد لا يجعله مسؤولًا عن الجريمة التي قد يتعرض لها.

يمكن لأسئلة بسيطة أن تفتح أبوابًا واسعة للحوار: ماذا تفعل إذا طلب منك شخص أن تحتفظ بسر عن والديك؟ كيف تتصرف إذا طلب منك أحد صورة أو معلومة خاصة؟ إلى من تلجأ إذا حاول شخص تهديدك أو ابتزازك؟ هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُطرح بوصفها تحقيقًا، بل باعتبارها تدريبًا مبكرًا على الوعي والحدود الشخصية والقدرة على طلب النجدة.

ومع ذلك، لا تقع مسؤولية حماية الأطفال على الأسرة وحدها. فالمنصات الرقمية وشركات التكنولوجيا مطالبة بتوفير بيئات استخدام أكثر أمانًا، وتطبيق مبادئ «الأمان حسب التصميم»، وتقديم أدوات واضحة وسهلة للإبلاغ عن الحسابات والمحتويات والسلوكيات الخطرة، مع حماية بيانات الأطفال وخصوصيتهم. كما أن المؤسسات التعليمية مطالبة بإدماج الثقافة الرقمية في العملية التعليمية، بحيث يتعلم الطلاب ليس فقط كيفية استخدام التكنولوجيا، بل أيضًا كيفية التعامل مع مخاطرها وحماية أنفسهم داخل العالم الافتراضي.

أما الجهات المعنية والمشرعون، فتقع على عاتقهم مسؤولية تطوير آليات الرصد والاستجابة للجرائم الإلكترونية، وتعزيز التعاون بين الجهات المختصة، وتوفير قنوات سريعة وموثوقة للبلاغات. فالجريمة الرقمية قد تعبر الحدود في لحظات، بينما يحتاج الطفل أو أسرته إلى مسار واضح يعرفون من خلاله أين يطلبون المساعدة وكيف يحافظون على حقوقهم وأدلتهم.

وتؤدي الدراما في هذه المنظومة دورًا مهمًا، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن الوقاية أو القانون أو التوعية المتخصصة. فوظيفتها الأساسية أن تجعل الخطر مرئيًا، وأن تفتح نقاشًا عامًا حول ظواهر قد لا تلتفت إليها الأسر إلا بعد وقوع الكارثة. غير أن قيمة العمل الدرامي لا تقاس فقط بحجم المشاهدة أو التفاعل على مواقع التواصل، وإنما بما يتركه من أثر في السلوك والوعي.

حين يشاهد ولي الأمر مشهدًا دراميًا ويسأل نفسه: «هل يمكن أن يتعرض طفلي لهذا الخطر؟»، تكون الدراما قد غادرت مساحة الإمتاع إلى مساحة أوسع من التوعية والوقاية. لكن هذا الأثر يظل ناقصًا إذا أُغلقت الشاشة وانتهى النقاش بانتهاء الحلقة. المطلوب أن تتحول المشاهدة إلى حوار داخل الأسرة، وإلى معرفة لدى الطفل، وإلى مسؤولية تتحملها المدرسة والمنصة والجهة الرسمية كلٌّ في موقعه.

إن القضية ليست في معاداة التكنولوجيا أو عزل الأطفال عنها، بل في تعليمهم شروط استخدامها بأمان، وتعزيز قدرتهم على التمييز بين التواصل الطبيعي والسلوك المريب، وبناء جسور الثقة التي تجعلهم يلجأون إلى أسرهم قبل أن تتفاقم المشكلة. فالكثير من الجرائم لا يبدأ لحظة وقوعها، بل تسبقه إشارات صغيرة قد تمر دون انتباه: تغير مفاجئ في سلوك الطفل، خوف غير مبرر من الهاتف، إخفاء محادثات، أو التمسك بسر لا يستطيع تفسيره. ولا تعني أي علامة منفردة بالضرورة وجود خطر، لكنها تستحق الحوار والملاحظة الهادئة.

لذلك، لا ينبغي أن يظل سؤالنا محصورًا في: من المسؤول بعد وقوع الجريمة؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: ماذا فعلنا قبلها؟ وماذا تعلمنا بعدها؟ وماذا سنفعل الآن؟ فالحادثة التي تعود إلى الشاشة بعد أكثر من عامين لا ينبغي أن تعود إلى الذاكرة فقط، بل إلى منظومة الوعي والممارسة والحماية.

وإذا تعرض طفل لخطر أو استغلال أو ابتزاز، يمكن طلب المساعدة عبر خط نجدة الطفل 16000 التابع للمجلس القومي للطفولة والأمومة. وفي حالات الجرائم الإلكترونية، ينبغي الاحتفاظ بالرسائل والصور وبيانات الحسابات وعدم حذف الأدلة أو الدخول في تفاوض مع المبتز، ثم اللجوء إلى الجهات الرسمية المختصة. ويُتداول الخط الساخن 108 للإبلاغ عن جرائم الحاسبات وشبكات المعلومات، مع ضرورة التحقق من بيانات الاتصال الحالية عبر الجهات الرسمية قبل النشر.

قد تنتهي الحلقة بانتهاء العرض، لكن الرسالة الحقيقية تبدأ بعد ذلك. فالدراما تستطيع أن تدق جرس الإنذار، أما مسؤوليتنا فهي أن نسمع الجرس، وأن نتحرك قبل أن تضطر مأساة جديدة إلى إعادة القصة من البداية.

أضف تعليق