لم تكن رحلة سارة صدقي مع عسر القراءة «الديسليكسيا» مجرد تجربة تعليمية صعبة، بل كانت رحلة طويلة بدأت منذ طفولتها، وشكلت لاحقًا الدافع وراء تأسيسها مجتمعًا يهدف إلى نشر الوعي بهذه الصعوبة التعليمية وتقديم الدعم للأطفال وأسرهم والمعلمين.
سارة صدقي مصرية هولندية ، ومؤسسة «مجتمع الديسليكسيا العالمي» (DCW)، وهي منصة أطلقتها عام 2019 بهدف نشر الوعي بعسر القراءة في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومساعدة الأشخاص الذين يواجهون هذه الصعوبة على فهمها والتعامل معها بعيدًا عن الوصمة والأحكام الخاطئة.
تشخيص مبكر
بدأت قصة سارة مع الديسليكسيا في سن مبكرة، إذ لاحظت والدتها بعض العلامات عندما كانت في الرابعة من عمرها تقريبًا، قبل أن يتم تشخيص سارة رسميًا بعسر القراءة في سن الثامنة.
وخلال طفولتها، واجهت سارة صعوبات في القراءة والكتابة والإملاء، وكانت أحيانًا تعكس بعض الحروف والكلمات، إلى جانب معاناتها من صعوبة في الذاكرة قصيرة المدى، وهي مشكلة تقول إنها لا تزال تواجهها حتى اليوم.
لكن التحدي الأكبر لم يكن في صعوبة التعلم نفسها، وإنما في غياب الفهم الكافي لحالتها داخل البيئة المدرسية.
مدرسة بلا دعم
تصف سارة سنوات نشأتها الأولى في مصر بأنها كانت صعبة، لأنها لم تجد في المدرسة من يفهم طبيعة الديسليكسيا أو يعرف الطريقة المناسبة لمساعدتها.
ومع تكرار الصعوبات الدراسية، بدأت تشعر بأنها مختلفة عن زملائها وأقل قدرة منهم، كما تعرضت للتنمر من بعض المعلمين والطلاب، فتحولت المدرسة بالنسبة لها من مكان للتعلم إلى تجربة مرتبطة بالخوف والإحراج.
ومن أكثر المواقف التي لا تزال تتذكرها، ما حدث معها عندما كانت في الصف الثاني، حين طلبت منها معلمتها كتابة كلمة «dog»، فكتبتها «bog». وبدلًا من التعامل مع الخطأ باعتباره جزءًا من الصعوبة التي تواجهها، أخذت المعلمة ورقتها وأظهرت الإجابة أمام زملائها، فضحك الطلاب عليها، ثم طلبت منها الجلوس بمفردها في آخر الفصل.
كان الموقف مؤلمًا ومحرجًا بالنسبة إلى سارة، ولم يكن مجرد خطأ في كتابة كلمة، بل تجربة تركت أثرًا في نظرتها إلى نفسها.
أثر نفسي
مع تكرار وصفها بأنها «غبية» أو «كسولة»، بدأت سارة مع الوقت في تصديق هذه الكلمات، لتصبح المشكلة أكبر من مجرد صعوبة في القراءة أو الكتابة.
فغياب التفهم والدعم جعلها تشك في قدراتها، وأثر على ثقتها بنفسها ونظرتها إلى ذاتها، وهو ما يوضح كيف يمكن لطريقة تعامل المحيطين بالطفل مع صعوبات التعلم أن تترك أثرًا طويل المدى في حياته.
لكن نقطة التحول جاءت عندما انتقلت سارة مع عائلتها إلى دبي عام 2007، حيث عاشت هناك لمدة ثلاث سنوات.
نقطة تحول
في دبي، حصلت سارة على دعم من قسم صعوبات التعلم في مدرستها، وكان هذا الدعم نقطة فارقة في حياتها.
للمرة الأولى، وجدت من يساعدها على فهم طبيعة الديسليكسيا والتعامل مع الصعوبات التي تواجهها، كما تعلمت مجموعة من الأدوات والاستراتيجيات التي ساعدتها على تجاوز بعض التحديات المرتبطة بالتعلم.
وعندما عادت إلى مصر، أدركت أن الدعم الذي حصلت عليه في دبي لم يكن متوفرًا بالشكل نفسه أمام كثير من الأطفال الذين يواجهون الديسليكسيا.
ومن هنا بدأت تتشكل لديها رغبة واضحة في نقل التجربة التي مرت بها إلى آخرين، وتوفير مساحة أكثر فهمًا ودعمًا للأطفال والشباب وأسرهم.
من التجربة إلى المبادرة
ركزت سارة في البداية على تعليمها، وحصلت على درجة البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة برايتون في المملكة المتحدة.
وفي اليوم التالي لتخرجها، بدأت خطوة جديدة في رحلتها، وأطلقت منصة «مجتمع الديسليكسيا العالمي» (DCW)، التي تحولت مع الوقت إلى مجتمع يهتم بنشر الوعي بعسر القراءة ودعم الأشخاص الذين يعيشون تجربتها.
ولم تقتصر المنصة على تقديم المعلومات، بل أصبحت مساحة تجمع الأشخاص المصابين بالديسليكسيا وأولياء الأمور والمعلمين، بهدف تبادل الخبرات وفهم طبيعة صعوبات التعلم بصورة أكثر دقة.
مجتمع للدعم
من خلال DCW، تقدم سارة محتوى تعليميًا وقصصًا وتجارب شخصية، إلى جانب جلسات استشارية وورش عمل وندوات تستهدف رفع الوعي وتصحيح المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالديسليكسيا.
كما تركز المنصة على مواجهة الوصمة التي قد تحيط بصعوبات التعلم، والتأكيد على أن الديسليكسيا لا تعني انخفاض الذكاء أو ضعف القدرة على الفهم، وإنما ترتبط بطريقة مختلفة في معالجة المعلومات والتعلم، وتحتاج إلى فهم ودعم واستراتيجيات مناسبة.
خبرات متخصصة
ومع استمرار عملها في هذا المجال، طورت سارة خبراتها من خلال تدريبات قدمتها هيئات ومؤسسات عالمية، واهتمت بمجموعة من المجالات المرتبطة بالتعلم، من بينها الديسليكسيا، والتعلم والذاكرة، والتعليم الشامل، والتنوع العصبي، ودور الأسرة، إلى جانب ريادة الأعمال.
وتحولت تجربتها الشخصية، التي بدأت بطفلة كانت تشعر بأنها مختلفة وتواجه التنمر بسبب صعوبة لم يفهمها المحيطون بها، إلى مشروع يهدف إلى مساعدة آخرين على ألا يعيشوا التجربة نفسها.
فقصة سارة لا تتعلق فقط بالتغلب على صعوبة في القراءة والكتابة، وإنما تكشف أهمية أن يجد الطفل من يفهم اختلافه في التعلم، ويدعمه بدلًا من أن يحكم عليه أو يقلل من قدراته.