أحيانًا لا تكشف جولة المسؤول في مدرسةٍ ما عن حال المدرسة فقط، بل تكشف لنا شيئًا أعمق عن فلسفة الإدارة نفسها، فقد تبدأ الجولة بسؤال بسيط عن الزي و النظافة والانضباط، ثم تنتهي بسؤال أكبر بكثير: هل نحن نقيس نجاح المدرسة بما نراه في لحظة الزيارات المفاجئة للمسئول، أم بما تبذله إدارتها طوال العام من أجل بناء بيئة تعليمية آمنة وصالحة لأبنائنا؟، هذا السؤال تفرضه بقوة واقعتان أثارتا اهتمامًا واسعًا الساعات الماضية خلال جولات محافظ القليوبية التفقدية للمدارس استعدادًا للعام الدراسي الجديد، ففي الواقعة الأولى، فوجئ المحافظ بمدير مدرسة يرتدي الجلباب أثناء وجوده في المدرسة، فوجه إليه انتقادًا بسبب مظهره، باعتبار أن مدير المدرسة يمثل واجهة إدارية وتربوية ينبغي أن تلتزم بالانضباط والمظهر الملائم، ومن زاوية إدارية بحتة، يمكن تفهم أهمية أن يلتزم مدير المدرسة بمظهر يليق بموقعه الوظيفي، خصوصًا أثناء استقبال الطلاب وأولياء الأمور والجهات الرسمية، لكن الرواية المتداولة للواقعة تحمل جانبًا آخر يستحق التأمل؛ إذ قيل إن المدير كان يشارك العمال في أعمال تجهيز وتنظيف المدرسة استعدادًا لبدء الدراسة، وهنا يظهر التساؤل: هل ينبغي أن نحاسب المدير على ملابسه فقط؟، أما الواقعة الثانية، المتعلقة بمديرة مدرسة بكفر الجزار، فقد فتحت بابًا أوسع للنقاش، بدأ الأمر بملاحظة تتعلق ب النظافة ووجود بعض المخلفات داخل المدرسة، وهو أمر لا يمكن التقليل من أهميته؛ ف النظافة ليست تفصيلًا ثانويًا في البيئة التعليمية، وإنما جزء من التربية نفسها، فالطفل الذي يدخل مدرسة نظيفة يتعلم، من حيث لا يدري، احترام المكان والنظام والمسؤولية، لكن الحوار، وفق ما تداولته وسائل الإعلام، أخذ منحى مختلفًا عندما أوضحت المديرة أنها أنفقت من مالها الخاص على إدخال خدمات أساسية إلى المدرسة، من بينها الكهرباء والمياه والغاز والصرف الصحي، وقدمت مستندات وإيصالات تؤيد ما ذكرته، وهنا تتغير زاوية النظر بالكامل، فبدلًا من أن يكون السؤال: "لماذا المدرسة غير نظيفة؟"، ينبغي أن تضاف إليه أسئلة أخرى: هل لدى المدرسة الإمكانات الكافية؟هل وصلت المخصصات في الوقت المناسب؟ هل قامت الجهات المختصة بدورها؟، وإذا كانت المديرة قد أنفقت بالفعل من مالها الخاص لإنقاذ المدرسة، فلماذا وصلت الأمور إلى هذه النقطة أصلًا؟، هذه ليست أسئلة لإدانة مسؤول أو تبرئة مسؤول، إنها أسئلة لإصلاح منظومة، والجدير بالذكر أن من أهم مبادئ الإدارة التربوية الحديثة لا أن يتحول المسؤول إلى مجرد باحث عن الأخطاء، فالمدرسة مؤسسة إنسانية معقدة، وفيها مدير، ومعلمون، وعمال، وطلاب، وأولياء أمور، وموارد مالية، وبنية تحتية، ومشكلات يومية، وظروف اجتماعية مختلفة، ولذلك فإن الحكم على أداء مدير المدرسة يحتاج إلى رؤية شاملة، نعم، يجب أن نحاسب المقصر، ونعم، يجب أن نواجه الإهمال، ونعم، يجب أن تكون هناك معايير واضحة للنظافة والانضباط والمظهر والسلوك، لكن في المقابل، يجب أن نسأل أيضًا عن الموارد والأدوات والصلاحيات، فنحن لا نريد مدارس نظيفة في يوم زيارة المحافظ فقط، وإنما نريد مدارس نظيفة طوال العام، ولا نريد مديرًا يرتدي زيه الرسمي فقط عندما يعلم أن هناك جولة تفقدية، وفي الوقت نفسه، لا نريد مديرًا يضطر إلى الإنفاق من ماله الخاص حتى تستمر المدرسة في أداء رسالتها، فقد يرى المسؤول قمامة في فصل فيحاسب مدير المدرسة، وهذا حقه إذا كان المدير مقصرًا، لكن المسؤول التربوي الأكثر عمقًا سيسأل أيضًا: من المسؤول عن النظافة؟ هل العمال موجودون؟ هل المدرسة لديها الأدوات اللازمة؟هل توجد مخصصات؟ هل هناك مشكلة إدارية أو مالية أو لوجستية؟، ثم يأتي الحساب بعد ذلك على أساس عادل.
إن هذه الوقائع، بعيدًا عن الأشخاص، يمكن أن تكون فرصة لإعادة التفكير في منظومة الإدارة المدرسية، ولذلك أرى أهمية العمل على عدة مسارات: أولًا: وضع معايير واضحة ومعلنة للمظهر المهني لمديري المدارس والعاملين، حتى لا تصبح المسألة خاضعة للتقدير الشخصي، ثانيًا: منح المدارس موازنات تشغيلية كافية ومرنة، مع رقابة مالية واضحة، حتى لا يضطر أي مدير إلى تمويل احتياجات المدرسة من ماله الخاص، ثالثًا: إنشاء آلية سريعة للإبلاغ عن احتياجات المدارس العاجلة، خصوصًا المياه والكهرباء والصرف و النظافة والصيانة، مع تحديد جهة مسؤولة ومدة زمنية للاستجابة، رابعًا: عند تقييم مدير المدرسة، ينبغي ألا يقتصر التقييم على المظهر و النظافة فقط، بل يشمل الأداء التعليمي، والانضباط، وحسن إدارة الموارد، وعلاقة الإدارة بالمعلمين والطلاب وأولياء الأمور، خامسًا: تدريب القيادات المدرسية على مهارات القيادة وإدارة الأزمات وإدارة الموارد والتواصل المؤسسي، فمدير المدرسة اليوم يحتاج إلى مهارات القائد أكثر من مجرد مهارات الموظف الإداري، سادسًا: المحاسبة التربوية ينبغي أن تحفظ كرامة الإنسان، خصوصًا أمام المعلمين والطلاب، سابعًا: إذا ثبت أن أحد مديري المدارس تحمل من ماله الخاص نفقات أساسية لإنقاذ مرفق تعليمي، فينبغي التحقيق في سبب حدوث ذلك أولًا، ثم رد الحق لصاحبه وفق الإجراءات القانونية، وتكريم المبادرة إن كانت قد تمت في إطار مشروع، بدلًا من أن يتحول الأمر إلى سابقة تجعل الموظف يدفع من جيبه كلما تعثرت منظومة التمويل، وفي الختام، ليست القضية في الحقيقة قضية جلباب، ولا قضية قمامة، ولا حتى قضية مدير أو مديرة، القضية أكبر من ذلك، إنها قضية كيف ندير مدارسنا؟ وكيف نحاسب قياداتنا؟ وكيف نضمن أن تصل الموارد إلى المكان الذي يحتاجها فعلًا؟، ونحتاج قبل كل ذلك إلى منظومة إدارية تجعل كل مسؤول يعرف حقوقه وواجباته وصلاحياته وحدود مسؤوليته، فالمجتمع لا يبني مدرسة جيدة بكثرة الزيارات المفاجئة وحدها، وإنما يبنيها حين يتكامل الانضباط مع التقدير، والسلطة مع المسؤولية، والقانون مع الإنسانية، وأجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذه الواقعة أن المسؤول عندما يزور المدرسة لا ينبغي أن يبحث فقط عن "خطأ يكتشفه"، وإنما عن مشكلة يحلها، وموهبة يكتشفها، ومخلص يقدره، وخلل إداري يعالجه، فإذا نجحنا في ذلك، لن تصبح زيارة المسؤول للمدرسة مصدر خوف للعاملين فيها، بل ستصبح فرصة حقيقية لتحسين التعليم، فالمدرسة ليست مبنى للزيارات المفاجئة فقط وان كانت هامة ومؤثرة إيجابيا، وإنما مؤسسة نبني فيها الإنسان، وللحديث بقية ان شاء الله.
http://[email protected]