هل يمكن لبعض العادات اليومية البسيطة أن تقلل فرص الإصابة بالعديد من الأمراض وتجنبك رحلة طويلة بين عيادات الأطباء والأدوية؟ الإجابة نعم، فالحفاظ على الصحة لا يبدأ دائمًا من الدواء، وإنما من نمط الحياة الذي نعيشه كل يوم.
ويقدم الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، مجموعة من النصائح العملية التي يمكن أن تساعد على الحفاظ على الصحة وتقليل عوامل الخطورة المرتبطة بعدد من الأمراض المزمنة، مؤكدًا أن الاهتمام بالجسم قبل ظهور المشكلة أسهل كثيرًا من الانتظار حتى يجبرنا المرض على تغيير عاداتنا.
حافظ على وزنك
يقول الدكتور أحمد أبو الريش إن الحفاظ على وزن صحي يجب أن يكون من أهم الأولويات، لأن السمنة ليست مجرد مشكلة تتعلق بالشكل أو الرقم الظاهر على الميزان.
فزيادة الدهون في الجسم، خاصة عندما تكون بدرجات مرتفعة، ترتبط بزيادة احتمالية الإصابة بعدد من المشكلات الصحية، من بينها مرض السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب والأوعية الدموية، إلى جانب بعض أمراض الكبد والكلى.
كما أن المخاطر قد تكون أعلى لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي لبعض هذه الأمراض، نتيجة تداخل العوامل الوراثية مع نمط الحياة والعادات الغذائية.
ولا تتوقف آثار زيادة الوزن عند هذا الحد، إذ يمكن أن تزيد الأحمال الواقعة على المفاصل، وهو ما قد يؤدي إلى مشكلات وألم وصعوبة في الحركة، خاصة مع التقدم في العمر.
لذلك، فإن الحفاظ على وزن مناسب لا ينبغي أن يكون هدفًا جماليًا فقط، وإنما جزءًا من الوقاية والحفاظ على جودة الحياة.
حرّك جسمك
أما النصيحة الثانية، فهي ممارسة النشاط البدني بانتظام، فالحركة ليست رفاهية أو وسيلة ترفيه فقط، وإنما واحدة من أهم الاستثمارات في الصحة.
ولا يشترط أن تكون الرياضة داخل صالة الألعاب الرياضية، فإذا كان الشخص يستطيع ممارسة السباحة أو الجري أو أي نشاط رياضي مناسب لحالته الصحية، فهذا أمر جيد.
أما إذا كانت قدرته البدنية لا تسمح بممارسة التمارين الشديدة، فيمكن أن تكون البداية بالمشي المنتظم.
والأهم هو أن يتحرك الجسم بصورة مستمرة ومنتظمة، لأن النشاط البدني يساعد في الحفاظ على اللياقة، ودعم صحة القلب، وتحسين حساسية الجسم للإنسولين، والمساعدة في التحكم في الوزن، فضلًا عن فوائده للصحة النفسية والمزاج.
اقترب من الطبيعة
وينصح أخصائي التغذية العلاجية أيضًا بأن يكون الطعام أقرب إلى صورته الطبيعية قدر الإمكان.
ويعني ذلك زيادة الاعتماد على الخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة، إلى جانب الحصول على كمية مناسبة من البروتين ومصادر الدهون الصحية.
وفي المقابل، من الأفضل تقليل الاعتماد على الأطعمة فائقة التصنيع والوجبات السريعة والجاهزة التي تحتوي على مكونات كثيرة، وقد تكون مرتفعة في السكريات أو الدهون غير الصحية أو الصوديوم والسعرات الحرارية.
والهدف ليس منع نوع معين من الطعام بشكل مطلق، وإنما أن تكون الأطعمة الأقل تصنيعًا هي الأساس في النظام الغذائي، مع تناول الأطعمة المصنعة بصورة أقل وضمن حدود مناسبة.
لا تأكل بشراهة
ويرتبط ذلك أيضًا بطريقة تناول الطعام وكميته، فليس كل ما هو متاح أمامنا يحتاج إلى أن نأكله.
ويقول الدكتور أحمد أبو الريش إن الإنسان لا ينبغي أن يأكل لمجرد وجود الطعام، وإنما يحاول الاستجابة لإشارات الجوع والشبع، وألا يستمر في تناول الطعام حتى يصل إلى مرحلة التخمة.
وقد ورد عن النبي ﷺ: «ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه».
وتحقيق التوازن في كمية الطعام يساعد على تجنب الإفراط في تناول السعرات، خاصة عندما يكون الشخص قليل الحركة أو يعتمد بصورة كبيرة على الأطعمة مرتفعة السعرات.
نم جيدًا
ومن النصائح التي قد يتم تجاهلها رغم أهميتها: الحصول على نوم جيد ومنتظم، ومحاولة تقليل مستويات التوتر والضغوط النفسية قدر الإمكان.
فالنوم ليس أمرًا هامشيًا أو رفاهية، وإنما جزء أساسي من الحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية.
كما أن إدارة الضغوط اليومية بصورة أفضل تساعد الإنسان على الحفاظ على صحته النفسية، وقد تسهم في تحسين قدرته على الالتزام بالعادات الصحية، بما فيها التغذية والنشاط البدني والنوم المنتظم.
لذلك، لا يكفي أن نهتم بالطعام والرياضة بينما نهمل النوم ونعيش تحت ضغط مستمر.
الصيام بشروط
ويشير الدكتور أحمد أبو الريش إلى أن الصيام قد يكون مناسبًا لبعض الأشخاص الأصحاء، سواء في صورته الدينية أو ضمن أنظمة الصيام المتقطع، وقد أظهرت بعض الدراسات فوائد محتملة لبعض أنماط تقييد توقيت تناول الطعام في الوزن وبعض المؤشرات الأيضية لدى فئات معينة.
لكن من المهم عدم التعامل مع الصيام باعتباره وسيلة علاجية مناسبة للجميع.
فالصيام المتقطع أو تقييد تناول الطعام قد لا يكون مناسبًا لبعض الأشخاص، خصوصًا من لديهم بعض الأمراض المزمنة أو يتناولون أدوية تحتاج إلى تناولها مع الطعام أو في أوقات محددة، كما تختلف ملاءمته بحسب الحالة الصحية والعمر والنظام الغذائي.
لذلك، إذا كان الشخص يعاني من مرض مزمن أو يتناول أدوية بانتظام، فمن الأفضل استشارة الطبيب قبل البدء في أي نظام صيام متقطع أو تغيير كبير في نمط تناول الطعام.
أما عبارة «صوموا تصحوا»، فهي شائعة على أنها حديث، لكن لا يصح نسبتها إلى النبي ﷺ دون تثبت من صحتها.
لا تنتظر المرض
وتأتي النصيحة الأخيرة لتلخص الفكرة كلها: لا تنتظر حتى تكبر المشكلة.
فالاهتمام بالجسم لا ينبغي أن يبدأ بعد ظهور المرض أو المضاعفات، وإنما من العادات اليومية الصغيرة التي نكررها لسنوات.
الحفاظ على وزن صحي، والحركة المنتظمة، والطعام المتوازن، وتقليل الأطعمة فائقة التصنيع، والانتباه إلى الجوع والشبع، والحصول على نوم كافٍ، والتعامل الأفضل مع الضغوط؛ كلها خطوات قد تبدو بسيطة، لكنها تصنع فارقًا كبيرًا عندما تتحول إلى أسلوب حياة.