عرف طريقه إلى قلوب المصريين قبل أن يعرف طريقه إلى الشهرة، فخرج صوته من المقاهي وورش العمل والمسارح ليحمل أحلام الناس وآلامهم، وحول تفاصيل حياتهم اليومية إلى ألحان بقيت حاضرة رغم مرور السنوات، وبينما بدأ حياته شابا بسيطًا في الإسكندرية، قادته الموهبة والصدفة إلى عالم الفن، حتى أصبح واحدا من أهم المجددين في تاريخ الموسيقى المصرية، وارتبط اسمه بأغان تجاوزت حدود الطرب لتصبح جزءا من الذاكرة الوطنية إنه "فنان الشعب" سيد درويش الذي تحل اليوم ذكرى رحيله في 15 سبتمبر 1923، وهو لم يتجاوز الحادية والثلاثين من عمره، لكنه ترك وراءه تراثا فنيا ظل حيا في وجدان المصريين، وكأن السنوات لم تستطع أن تطفئ صوته أو تغيب ألحانه.
ولد سيد درويش البحر في 17 مارس 1892 بحي كوم الدكة في الإسكندرية، ونشأ في أسرة بسيطة، وبدأت علاقته بالفن في سن مبكرة، إذ كان يميل إلى الغناء والإنشاد ويتأثر بما يسمعه من ألحان المشايخ والفنانين في محيطه. التحق بالكتاب وتعلم القرآن الكريم، ثم واصل تعليمه بالمعهد الديني ب الإسكندرية عام 1905، وهناك ظهرت موهبته الموسيقية بشكل أوضح.
لم تكن بدايته الفنية سهلة، فبعد زواجه في سن السادسة عشرة أصبح مسؤولا عن أسرة، وحاول العمل مع بعض الفرق الموسيقية، لكنه لم يجد الاستقرار، فاتجه إلى العمل في البناء ،وكان يغني أثناء عمله، فلفت صوته انتباه من حوله، حتى شاءت الصدفة أن يستمع إليه الأخوان أمين وسليم عطا الله، اللذان كانا يعملان في المجال الفني، فعرضا عليه السفر معهما إلى بلاد الشام في نهاية عام 1908.
كانت الرحلة نقطة تحول مهمة في حياته، إذ أتاحت له فرصة التعرف بصورة أوسع على الموسيقى وفنونها، كما ساعدته على تطوير قدراته في العزف على العود وقراءة النوتة الموسيقية. وعاد إلى مصر بعد سنوات من التجربة والتعلم ، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته الفنية، كانت بدايتها مع لحن "يا فؤادي ليه بتعشق".
وفي عام 1917 انتقل سيد درويش إلى القاهرة، وهناك بدأت شهرته الحقيقية، خاصة مع نشاطه في الفرق المسرحية بشارع عماد الدين، فتعاون مع فرق نجيب الريحاني وجورج أبيض وعلي الكسار، وقدم ألحانا للمسرح الغنائي، كما ارتبط اسمه بالشاعر بديع خيري في عدد من الأعمال التي أصبحت جزءا من التراث الفني المصري.
ولم يكتف بتقديم الألحان التقليدية، بل سعى إلى تطوير الموسيقى المصرية وإدخال أساليب جديدة إليها، وقدم ألوانا مختلفة من الأدوار والموشحات والطقاطيق والأعمال المسرحية، كما اهتم بالتعبير عن الحياة اليومية للناس، فخرجت ألحانه قريبة من العمال والحرفيين وأبناء الطبقات الشعبية.
ومع اندلاع ثورة 1919، تحول الفن لديه إلى وسيلة للتعبير عن الروح الوطنية، فقدم أغنية "قوم يا مصري" ، التي أصبحت من أشهر الأعمال المرتبطة بالحركة الوطنية ، كما ارتبط اسمه بأغنية "يا بلح زغلول" التي جاءت تحية للزعيم سعد زغلول ودعما للمطالبة بعودته من المنفى.
وكانت من أوائل أغانيه الشهيرة "زوروني كل سنة مرة"، التي ارتبطت بقصة طريفة عن لقائه بإحدى السيدات التي قالت له بعد لقائه بها : "ابقى زورنا ياشيخ سيد ولو كل سنة مرة".
ومن أشهر أعماله كذلك "الحلوة دي"، التي عبر من خلالها عن حياة العمال وكفاحهم، إلى جانب "أنا المصري كريم العنصرين"، وغيرها من الأعمال التي جعلت من الموسيقى لسانا نابضا بحياة المجتمع.
وأحدث سيد درويش تحولا مهما في الموسيقى المصرية من خلال إدخال أساليب التعدد اللحني والتوزيع الموسيقي الحديث ، ومن بينها الغناء البوليفوني في عدد من أوبريتاته وأعماله المسرحية مثل : "العشرة الطيبة"، "شهرزاد" عام 1920، وأوبريت "الباروكة" المعربة عن أوبرا لاما سكوت لاروان ، إلى جانب الفصل الأول من أوبرا «كليوباترا وأنطونيو»، التي أستكملها الموسيقار محمد عبدالوهاب في وقت لاحق .
ومن أكثر ألحانه ارتباطا بالوجدان المصري لحن "بلادي بلادي.. لك حبي وفؤادي " عام 1923، كتب كلماته الشاعر محمد يونس القاضي متأثرا بعبارات من خطب الزعيم مصطفى كامل، وتحول بعد سنوات إلى النشيد الوطني المصري ، بعد أن كلف الرئيس السادات الموسيقار محمد عبدالوهاب بإعادة توزيعه ليكون السلام الوطني الرسمي لمصرعام 1979 بدلا من "والله زمان يا سلاحي" .
وعلى الرغم من قصر حياته، كان إنتاج سيد درويش غزيرا، إذ ترك عشرات الأدوار والموشحات والطقاطيق والأعمال المسرحية ، وأسهم في الانتقال بالموسيقى المصرية من مجرد الطرب إلى مساحة أوسع تتصل بالواقع الاجتماعي والسياسي، كما يعد من أوائل المجددين الذين استفادوا من أساليب التعدد اللحني والتوزيع الموسيقي الحديث.
وعلى المستوى الشخصي، تزوج درويش ثلاث مرات ؛ الأولى وهو في السادسة عشرة من عائشة عبدالعال المعروفة بـ "حياة صبري " وانجب منها محمد البحر درويش -والد الفنان إيمان البحر درويش- ، والثانية من عزيزة محمد الشهيرة بـ "زوزو كايدة العوازل" ، بينما كانت الزيجة الثالثة قبل وفاته بخمس سنوات من "جليلة أم الركب أو "جليلة العالمة" ، وأنجب منها يحيي وحسن .
وفي سبتمبر عام 1923، سافر سيد درويش إلى الإسكندرية للمشاركة في استقبال الزعيم سعد زغلول، حيث أعد لحنا خصيصا للاحتفاء بعودته، كما انتهز فرصة وجوده في مسقط رأسه ليلتقي بأسرته وأصدقائه. ولم يكن يعلم أن تلك الزيارة ستكون الأخيرة له، وأن المدينة التي شهدت ميلاده ستحتضن جسده بعد رحيله.
وأحاط الغموض بوفاة سيد درويش، التي وقعت وهو في ريعان شبابه، إذ ظهرت على مر السنوات روايات مختلفة بشأن أسبابها ؛ فبينما تحدثت إحداها عن تناول جرعة زائدة من المخدرات، وهو ما نفته أسرته، وذهبت روايات أخرى إلى احتمال تعرضه للتسمم، وربطت ذلك بمواقفه الوطنية وأغانيه التي دعمت الحركة الشعبية وثورة 1919، لتظل حقيقة وفاته واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في سيرته.
وقد أطلق عليه الأديب عباس محمود العقاد لقب "إمام الملحنين"، بينما وصفه محمد عبد الوهاب بأنه "ليس مجرد صاحب ألحان، وإنما صاحب فكر وتجديد وثورة في الموسيقى".
ولم تتوقف مظاهر الاحتفاء بإرث سيد درويش عند استعادة أعماله وسيرته الفنية، إذ شهد عام 2025 خطوة جديدة لتخليد اسمه ومكانة الموسيقى المصرية، بعدما أعلنت وزارة الثقافة اعتماد يوم 15 سبتمبر من كل عام "اليوم المصري للموسيقى"، بالتزامن مع ذكرى رحيل "فنان الشعب" ، وجاءت المبادرة استجابة لمقترح المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية ، بهدف تحويل ذكرى الرحيل إلى مناسبة ثقافية سنوية تبرز دور الموسيقى في تشكيل الوعي المصري والتعبير عن مشاعر المجتمع وطموحاته، وشهدت الدورة الأولى للمناسبة في سبتمبر 2025 تنظيم نحو 100 فعالية موسيقية وفنية في أكثر من 80 موقعا بالقاهرة والمحافظات، تحت شعار "مصر بتتكلم موسيقى".
ورغم رحيله المبكر، ظلت ذكرى سيد درويش حاضرة في وجدان المصريين ، ولا تزال ألحانه تحتفظ بمكانتها في الذاكرة الوطنية ، باعتباره أحد أبرز رموز الفن الوطني ومجددي الموسيقى العربية، وواحدا من عباقرة التلحين الذين استطاعوا أن يحولوا مشاعر الشعب وهمومه وآماله إلى ألحان خالدة مهما تعاقبت السنوات.