قال د. شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل ب المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، إن قسم الزلازل يُعد من الأقسام العريقة في المعهد، مشيرًا إلى أن مصر كانت من أوائل الدول التي بدأت تسجيل الزلازل في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا والعالم العربي.
وأوضح أن سجلات الزلازل في مصر تعود إلى بدايات القرن العشرين، حيث توجد تسجيلات لأعوام 1900 و1901 و1903، مؤكدًا أن أول مرصد لتسجيل الزلازل في العالم العربي والشرق الأوسط كان في مصر.

وأشار إلى أن منظومة رصد الزلازل شهدت طفرة مهمة عقب زلزال أسوان الذي وقع في 14 نوفمبر 1981، وكان قريبًا من السد العالي، موضحًا أن الدولة تحركت آنذاك للتوسع في محطات الرصد بدلًا من الاعتماد على محطة واحدة في حلوان، مع التركيز بصورة خاصة على المناطق النشطة زلزاليًا، وفي مقدمتها منطقة أسوان.
وأضاف أنه خلال الفترة من 1982 إلى 1985 جرى إنشاء أول شبكة حديثة ومتكاملة لرصد الزلازل في أسوان ، وضمت نحو 14 محطة، بهدف مراقبة النشاط الزلزالي في محيط السد العالي وبحيرة ناصر، وكانت في ذلك الوقت من أحدث الشبكات على المستوى الدولي.
وأوضح رئيس قسم الزلازل أن الطفرة الثانية جاءت عقب زلزال عام 1992، الذي وصفه بأنه كان كارثة حديثة أسفرت عن وفاة ما بين 500 و600 شخص، فضلًا عن آلاف المصابين وانهيار عشرات الآلاف من المنازل القديمة.
وعقب الزلزال تحركت الدولة لإنشاء شبكة قومية للزلازل، بدأت بعدد محدود من المحطات تراوح بين 15 و20 محطة، ثم واصلت الشبكة تطورها حتى أصبحت تضم نحو 85 محطة موزعة جغرافيًا في مختلف أنحاء الجمهورية، بما يضمن تغطية النشاط الزلزالي في مصر.
وأكد أن هذه المحطات تعمل على مراقبة النشاط الزلزالي لحظيًا على مدار 24 ساعة، مع اهتمام خاص بالمناطق المعروفة بنشاطها الزلزالي.
وبيّن رئيس قسم الزلازل أن من أهم وظائف الشبكة القومية للزلازل دراسة توزيع الزلازل في مصر وإعداد خرائط للخطورة الزلزالية، ثم إتاحة هذه البيانات للجهات المعنية لإجراء الدراسات المرتبطة بها، موضحا أن هذه الدراسات أسهمت، عقب زلزال عام 1992، في تغيير كود المباني في مصر، حيث استفاد معهد بحوث البناء من خرائط النشاط والخطورة الزلزالية في إعداد الجزء الخاص ب الزلازل ضمن كود المباني الذي يعتمد عليه المهندسون في أعمال البناء.
وأكد أن الكود يضع في الاعتبار توزيع النشاط الزلزالي والمناطق الأكثر خطورة، بما يساعد على تصميم المنشآت بحيث تتحمل التأثيرات الزلزالية المتوقعة، مشيرا إلى أن القسم يتعاون، في إطار التعامل مع المخاطر، مع الجهات المعنية ومركز معلومات مجلس الوزراء، حيث يتم إبلاغ الجهات المختصة عند وقوع أي زلزال.
وأوضح أن من أهم المعلومات التي يتم تحديدها ما إذا كان الزلزال قد وقع داخل الأراضي المصرية أو خارجها، مؤكدًا أن تحديد موقع الزلزال بدقة يصبح أكثر أهمية في حالة وقوعه داخل الجمهورية، حتى تتمكن الجهات المعنية من التعامل مع تداعيات الحدث وتوجيه قوات الدفاع المدني إلى موقع الكارثة.
لافتا إلى أن الزلازل الشديدة قد تؤدي إلى انقطاع الاتصالات والكهرباء والمياه، وهو ما يجعل تحديد مركز الزلزال بدقة عنصرًا مهمًا في سرعة الاستجابة والتعامل مع المناطق المتضررة.
وحول إمكانية التنبؤ بالزلازل، أوضح د. شريف الهادي أن هناك فرقًا بين «التوقع الزلزالي» و«التنبؤ الزلزالي»، مؤكدًا أن التنبؤ بالزلزال بالمعنى المعروف، أي تحديد موعد وقوعه ومكانه وقوته مسبقًا، لا يزال أمرًا بالغ الصعوبة وغير متاح على مستوى العالم.
وأشار إلى أن التنبؤ الذي يحدد مسبقًا أن زلزالًا سيقع في يوم معين وبقوة محددة وفي موقع محدد، مع تقدير حجم الدمار الناتج عنه، لم تتمكن أي دولة من تحقيقه حتى الآن.
وأوضح أن هناك، في المقابل، مؤشرات تُعرف باسم «الإرهاصات» التي تحدث قبل بعض الزلازل، ويتم بحثها في المناطق المعروفة بنشاطها الزلزالي المستمر.
وتشمل هذه الدراسات مراقبة سلوك الحيوانات، إلى جانب رصد غاز الرادون، إذ تتم متابعة أي زيادة في تركيزه، فضلًا عن قياس مياه الآبار ودرجات حرارتها وبعض الخواص الفيزيائية للآبار والمناطق محل الدراسة.
كما تتم متابعة الزلازل الصغيرة التي لا يشعر بها الإنسان، من خلال شبكات الرصد الزلزالي، لمعرفة ما إذا كانت وتيرة حدوثها قد شهدت زيادة في منطقة معينة.
وأكد الدكتور شريف أن هذه المؤشرات لا تمثل وسيلة مؤكدة للتنبؤ بوقوع الزلزال، وإنما تدخل ضمن مجموعة من الدراسات التي يمكن أن تعطي مؤشرات على تغير النشاط الزلزالي في منطقة محددة.
وأشار إلى أن تطبيق مثل هذه الدراسات على نطاق واسع في جميع أنحاء الجمهورية يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ارتفاع التكلفة، موضحًا أن المنطقة الواحدة قد تضم أكثر من بؤرة نشطة تحتاج إلى متابعة مستقلة.
وضرب مثالًا بخليج السويس وخليج العقبة، حيث يمكن أن توجد عدة بؤر نشطة، وهو ما يجعل التركيز على كل بؤرة وإجراء مجموعة متكاملة من القياسات والدراسات أمرًا مكلفًا، خاصة في ظل كون مصر، وفق وصفه، دولة ذات نشاط زلزالي محدود نسبيًا.
وأكد أن منظومة الرصد الحالية تظل أداة أساسية لمتابعة النشاط الزلزالي، ودراسة توزيعه، وتقييم مخاطره، وتوفير البيانات التي تحتاج إليها الجهات المعنية في التعامل مع الزلازل وآثارها.
كشف د . محمود الحديدي، رئيس الشبكة القومية للزلازل ب المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، أن غرفة رصد الزلازل ب المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية تعمل على مدار 24 ساعة لاستقبال بيانات النشاط الزلزالي وتحليلها، بهدف تحديد طبيعة الحدث وموقعه وقوته، وإرسال البيانات إلى الجهات المختصة في الحالات التي تستدعي الإبلاغ.
وأوضح أن أي تغير يظهر على أجهزة الرصد لا يعني بالضرورة وقوع زلزال، إذ قد تسجل المحطات تأثيرات محلية مثل ارتطام جسم أو مرور سيارة نقل ثقيلة أو حركة ناتجة عن الرياح وغيرها من المؤثرات القريبة من محطة الرصد.
وأشار إلى أن التمييز بين الزلزال وغيره من المؤثرات يعتمد على تسجيل الإشارة في أكثر من محطة، موضحًا أن الزلزال يظهر على شكل إشارات متشابهة يتم رصدها في عدة محطات، وهو ما يساعد على التأكد من أن الحدث زلزالي وليس مجرد تأثير محلي على إحدى المحطات.
وتضم منظومة الرصد مركزًا رئيسيًا في حلوان، إلى جانب مراكز فرعية ومحطات رصد موزعة على مستوى الجمهورية، من بينها محطات في العريش وبرج العرب والخارجة والغردقة ومرسى علم وأسوان.
وتضم منطقة أسوان مجموعة من المحطات المخصصة لمراقبة النشاط الزلزالي حول السد العالي وخزان أسوان.
وأكد أبو الحديد أن المهمة الأساسية لغرفة الرصد تتمثل في استقبال البيانات وتحليلها، حيث تصل الإشارات من المحطات العاملة إلى الغرفة، ويتم التعامل معها لتحديد طبيعة الأحداث المسجلة.
وأشار إلى أن المعهد يستفيد من الحل الآلي للزلازل التي تقع على مستوى العالم، حيث يوفر النظام بيانات أولية عن الحدث، تشمل موقعه وقوته، مؤكدًا أن هذا الحل يمثل مرحلة مبدئية وسريعة.
وأضاف أن البيانات تخضع بعد ذلك لتحليل يدوي باستخدام البرامج المتخصصة، للتأكد من نتائج الرصد والحصول على بيانات أكثر دقة عن الزلزال.
وأوضح أن الخرائط التي يتم التعامل معها في هذا السياق تغطي مصر ومنطقة البحر المتوسط، وتظهر عليها مواقع الزلازل المسجلة في المنطقة.
وبيّن الحديدي أن ظهور زلزال على أنظمة الرصد لا يعني بالضرورة الإعلان عنه أو إخطار الجهات المختصة، مشيرًا إلى أن الإبلاغ يتم بالنسبة للزلازل المحسوسة والكبيرة.
وضرب مثالًا بزلزال تم تسجيله في خليج السويس خلال ساعات الصباح، موضحًا أن تسجيل الحدث لا يعني إخطار الجهات المختصة تلقائيًا إذا كان غير محسوس.
وتتيح منظومة الرصد تحديد موقع الزلزال ومتابعة بياناته، بما يدعم عملية التقييم والتحليل قبل اتخاذ قرار الإبلاغ عنه للجهات المعنية.