أصبحت الثورة الرقمية جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة اليومية، ولم يعد تأثيرها قاصرًا على أنماط التواصل والحصول على المعلومات، بل امتد ليشمل مفاهيم أعمق، من بينها الهوية الوطنية وطريقة تشكل الوعي والانتماء لدى الأفراد، في ظل عالم رقمي تتداخل فيه الثقافات والمحتويات وتتسارع فيه عملية تداول الأفكار والمعلومات.
وفي هذا السياق، شارك الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، في فعاليات مؤتمر «الهوية الوطنية: جذور راسخة ورؤية متجددة»، المقام تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وذلك ضمن الجلسة العلمية الثانية التي حملت عنوان «المخاطر التي تتعرض لها الهوية الوطنية».
جلسة علمية
وأدار الجلسة الدكتور محمد كمال، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ، بمشاركة الدكتور ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، والسفير محمد أبو بكر صالح، نائب وزير الخارجية المصري.
وشهدت الجلسة مشاركة عدد من المتخصصين، حيث جاءت الكلمات بالترتيب لكل من الدكتورة إيمان رجب، والدكتورة أمل حمادة، والدكتورة ريم بسيوني، والدكتور وليد رشاد، والدكتورة أماني مسعود.
وقدم الدكتور وليد رشاد ورقة بحثية بعنوان « الثورة الرقمية والهوية الوطنية»، تناول خلالها تأثير التحول الرقمي في مفهوم الهوية، والتغيرات التي فرضها الانتشار الواسع للتكنولوجيا ومنصات التواصل والعالم الافتراضي على طريقة تشكل الهوية وممارستها.
هوية متغيرة
وأوضح رشاد أن صلب النقاش الراهن يتمثل في سؤال أساسي: «كيف نحافظ على الهوية في عصر الثورة الرقمية؟»، مشيرًا إلى أن الهوية ليست مجرد شعارات أو مفاهيم نظرية، وإنما هي ممارسة واقعية تظهر في سلوك الأفراد وتفاعلاتهم اليومية.
ولفت إلى أن طبيعة العالم الرقمي جعلت «الفرد» هو الفاعل الأساسي، وليس المؤسسات التقليدية وحدها، وهو ما يجعل الحفاظ على الهوية مسؤولية شخصية تقع أيضًا على عاتق كل مستخدم، من خلال طريقة تعامله مع المحتوى الرقمي، وما يشاركه ويتفاعل معه، وكيفية تكوينه لرؤيته داخل الفضاء الإلكتروني.
مخاطر رقمية
وتناولت الورقة عددًا من التهديدات التي يمكن أن تؤثر في الهوية الوطنية في ظل التحول الرقمي، وفي مقدمتها «الاستقطاب المجتمعي»، الذي حل في المرتبة الرابعة وفقًا لتقرير المخاطر العالمي، لما يمكن أن يسببه من انقسامات داخل المجتمع حول عدد من القضايا الفرعية.
كما أشارت الورقة إلى تفشي ظاهرة «امتناع الهوية»، إلى جانب ظهور أنماط جديدة من الهويات الافتراضية، والتي يمكن أن تتشكل من خلال تقنيات «الأفاتار» المستخدمة في الألعاب والبيئات الرقمية المختلفة.
وتطرقت كذلك إلى تأثير فقاعات الخوارزميات، التي قد تجعل المستخدم يتعرض بصورة متكررة لأنماط محددة من المحتوى والأفكار، بما قد يؤثر في طريقة رؤيته للعالم وتفاعله مع القضايا المختلفة، فضلًا عن طغيان المحتوى غير الجاد في بعض المساحات الرقمية.
حماية متكاملة
وانتهت الورقة إلى مجموعة من التوصيات التي تركز على أهمية تعزيز الحماية الاجتماعية والحماية القانونية في مواجهة المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الهوية الوطنية في عصر الثورة الرقمية.
وأكدت الرؤية المطروحة أن التعامل مع تأثيرات الثورة الرقمية على الهوية يحتاج إلى فهم التحولات التي أحدثها العالم الرقمي في سلوك الأفراد وطريقة تفاعلهم، مع تعزيز أدوار الحماية الاجتماعية والقانونية، بما يواكب طبيعة المخاطر الجديدة التي فرضها التحول الرقمي.