ولادنا.. قبل فوات الأوان

ولادنا.. قبل فوات الأوانعاطف عبد الغني

الرأى27-9-2026 | 16:43

فى زاوية صغيرة أسفل العمارة التى تقطنها الأسرة، صلى الفتى المراهق الجمعة رفقة والده، وعندما صعد إلى المنزل، جلس يتابع مسلسلاً دراميًا استلهم جريمة قتل وقعت فى «كمباوند» وشغلت الرأى العام كثيرًا قبل عدة سنوات،

لأن الضحية كانت ابنة شابة لمطربة مشهورة، وفى خيط درامى فرعى بالمسلسل، كان هناك صراع بين أب وابنه الشاب تطور - أو قل اشتعل - لينتهى بقتل الابن لأبيه بصورة بشعة: «قيده وسكب عليه بنزينًا وأشعل فيه النار»!

وهنا ثبّت الكادر من فضلك، واسأل معى: منذ متى عرفنا أو سمعنا عن جرائم قتل الأبناء لآبائهم بهذه الوحشية أو العكس فى المجتمع المصري ؟!

بالتأكيد ليست الدراما هى السبب الوحيد لجرائم «ذروة العقوق»، وافهم جيدًا أن هناك أسبابًا أخرى كثيرة متداخلة قادت إلى مثل هذه الجرائم، التى لم تتحول إلى ظاهرة فى مجتمعنا حتى الآن، لكن، ثمة مؤشرات تنطلق من سلوك الأبناء فى البيوت المصرية تنذر بالخطر، وتظل الدراما أحد أخطر المؤثرات التى تدفع نحو حالة « عقوق الوالدين »، وأظن أننا بحاجة إلى أن نذكّر بوصية الخالق سبحانه وتعالى فى قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وقوله: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾..

هذا ما سمعه الفتى المراهق المسلم فى خطبة الجمعة ، وفى عظة الأحد سمع صنوه المسيحى وصية: «أكرم أباك وأمك»، غير أن تلك الآيات والوصايا لم تصادف استقرارًا فى ضمير المراهق أو عقله الباطن، الذى اختزن النموذج الذى جسده نجمه المفضل؛ بطل الفيلم أو المسلسل الذى يحظى بالشعبية والثراء داخل العمل وخارجه، وهو يتعامل مع والديه بنوع من الندية الفاضحة والنكران!

نحتاج أيضًا إلى أن نذكّر بأن « نظرية الدراما » فى أصلها الإغريقى الأول بُنيت على مبدئى «التطهير والمحاكاة»؛ التطهير بمعنى توليد إحساس الخوف والشفقة لدى المشاهد بما يؤدى إلى تطهير انفعالاته وعواطفه، والمحاكاة بمعنى تقليد الفعل الإنسانى الجاد والكامل، لكن الدراما التى نتحدث عنها هنا لم تقف عند حدود عرض المشكلات الأسرية من منطق التطهير، وانحرفت فى المحاكاة عبر قلب موازين التعاطف؛ فغدت تُصوّر الوالدين فى قالب «الشخصيات الراديكالية المتخلفة» أو «المتحكمين الأنانيين»، وفى المقابل، يُقدَّم الابن العاق أو المتمرد فى صورة «البطل الضحية»، الذى يثور لكرامته وحريته الشخصية! هذا التشوه المعرفى يجعل الجيل الناشئ يربط تلقائيًا بين التمرد على الوالدين وبين إثبات الذات وقوة الشخصية.

في الماضي ، كانت الدراما العربية بمثابة مرآة لتهذيب السلوك وترسيخ القيم الأخلاقية، وكان «بر الوالدين» خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه، وصورة الأب والأم تُحاط بقدسية واحترام شديدين، أما اليوم، ومع تدفق موجات من الأعمال التي توصف بـ «المسفّة» أو الهابطة، تحولت الشاشة فى كثير من الأحيان من أداة للبناء إلى معول لهدم أركان الأسرة.

والخطر الأكبر لا يكمن فقط فى تقديم نماذج سيئة يتلقاها الأبناء، بل فى «تطبيع السلوك»؛ فعندما يعتاد (الأطفال والمراهقين) على رؤية مشاهد الصراخ فى وجه الأب، أو التحدث مع الأم باستهزاء وسخرية، يتسلل هذا السلوك تدريجيًا إلى العقل الباطن، وما كان يراه المتلقي الشاب بالأمس فعلاً صادمًا ومحركاً للشعور بالذنب، يصبح اليوم - بفعل التكرار الشاشاتى - سلوكًا عاديًا ومألوفًا يمكن ممارسته داخل المنزل دون رادع أخلاقى!.. يتحول تلقائيا إلى محاكاته.

ما الحل إذن؟!.. انتظرونا.

أضف تعليق

حكاية الحكومة وتوجيهات الرئيس

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان