سد النهضة .. من قوة «الموقف» إلى قوة «الرواية»

سد النهضة .. من قوة «الموقف» إلى قوة «الرواية»سعيد صلاح

الرأى27-9-2026 | 16:44

لم يكن لقاء وزير الموارد المائية والري الدكتور هاني سويلم مع هذا العدد الكبير من المراسلين الأجانب مجرد مؤتمر صحفى آخر حول سد النهضة، كما أنه لم يكن إعلانًا عن تغيير فى الموقف المصري، فمصر لم تبدأ أمس فى الدفاع عن حقوقها المائية، ولم تنتظر هذا اللقاء لكي تكتشف أن لديها قضية قانونية وسياسية قوية.

على مدى سنوات طويلة، ظل الموقف المصري واضحًا وثابتًا: الاعتراف بحق إثيوبيا فى التنمية، مع التمسك بحقوق مصر المائية، واحترام قواعد القانون الدولي للأنهار، ورفض الإجراءات الأحادية التي يمكن أن تلحق ضررًا بدول المصب، وكان التفاوض، وما صاحبه من تحرك دبلوماسي وقانوني وسياسي، جزءًا أساسيًا من إدارة مصر لهذا الملف، لكن الجديد هذه المرة من جهة نظري كان فى طريقة تقديم القضية.
أكثر من 80 مراسلًا يمثلون نحو 45 وسيلة إعلامية أجنبية جلسوا أمام وزير الري، ولم يحصلوا فقط على عرض للموقف المصري، وإنما وضعت أمامهم مجموعة كبيرة من الأرقام والحقائق الفنية والمعلومات المائية التي تنقل النقاش من مستوى الروايات السياسية إلى مساحة أكثر صعوبة وهى مساحة الاختبار بالأرقام، وهنا تحديدًا يمكن قراءة ما جرى باعتباره انتقالًا من قوة «الموقف» إلى قوة «الرواية».
الموقف المصري كان موجودًا وقويًا طوال الوقت، لكن الدولة تبدو الآن أكثر اهتمامًا بأن تروى القضية بالطريقة التي تراها القاهرة أكثر تعبيرًا عن حقيقة الأزمة، لا أن تترك المجال مفتوحًا أمام رواية تختزلها فى صورة دولة مصب تريد الاحتفاظ بحصتها فى المياه، مقابل دولة منبع تبحث عن التنمية، هذه الصورة كانت واحدة من أهم التحديات التي واجهت القضية المصرية فى المجال الإعلامي الدولي، ولهذا كان من اللافت أن يبدأ وزير الري من نقطة ربما تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن سد النهضة نفسه، وهى حقيقة الوضع المائي فى مصر.
مصر، وفق الأرقام التي عرضها الوزير، ليست دولة تملك وفرة مائية يمكنها أن تتعامل مع النيل باعتباره موردًا لا ينضب، فالموارد المائية المتجددة تقدر بنحو 56.8 مليار متر مكعب سنويًا، بينما تصل الاحتياجات إلى نحو 123 مليار متر مكعب، مع نصيب للفرد يقترب من 472 مترًا مكعبًا سنويًا، أي دون خط الفقر المائي المتعارف عليه دوليًا عند 500 متر مكعب، وهذه الأرقام تغير زاوية النظر إلى القضية، فالدولة التي تعيد استخدام المياه، وتوسع مشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي، وتبحث عن موارد إضافية من التحلية والمياه الجوفية، وتستثمر فى نظم الرصد والإنذار المبكر والنماذج الرياضية والاستشعار عن بعد، لا تفعل ذلك لأنها تملك فائضًا من المياه، وإنما لأنها تتعامل مع ندرة مائية حقيقية.
وهنا تظهر إحدى أهم رسائل اللقاء، وهى أن قدرة مصر على إدارة ندرتها المائية لا تعني أنها تملك فائضًا مائيًا، ولا تعني أن نجاحها فى تقليل آثار الأزمة يمكن أن يتحول إلى مبرر لإحداث الأزمة نفسها، بمعنى آخر، قدرة مصر على إدارة الخطر لا تمنح أحدًا حق صناعة الخطر، واللافت أن الوزير لم يكتف بعرض صورة مصر، وإنما ذهب إلى الطرف الآخر من المعادلة «إثيوبيا»، وهنا جاءت أرقام الأمطار والمياه الخضراء والزرقاء لتفتح بابًا مختلفًا تمامًا للنقاش.
إثيوبيا ليست بلدًا فقيرًا بالمياه بالمعنى الذي قد توحي به بعض الروايات السياسية المتداولة، إثيوبيا لديها كميات ضخمة من الأمطار، ومساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وموارد جوفية، وإمكانات كبيرة للزراعة بمياه الأمطار، وبالتالي فإن التنمية الإثيوبية حق أصيل لا يناقشه أحد، لكن اختزال هذه التنمية فى السيطرة على مياه النيل الأزرق وحدها يحتاج إلى مراجعة، وهذه ليست محاولة لإنكار أهمية النيل لإثيوبيا، وإنما لوضعه فى سياقه الحقيقي.
فمفهوم المياه الخضراء، أي مياه الأمطار التي تستخدمها التربة والنباتات، إلى جانب المياه الزرقاء، أي المياه السطحية والجوفية، يوضح أن إدارة الموارد المائية لا تختصر فى الأنهار وحدها، وهذه النقطة مهمة جدًا فى الحوار الدولي، لأنها تنقل القضية من سؤال: «هل تريد مصر منع إثيوبيا من التنمية؟» إلى سؤال أكثر دقة: كيف يمكن تحقيق التنمية الإثيوبية من دون تحويل نهر دولي إلى مجال للقرار المنفرد؟
وهنا لا تتناقض قضيتان، بل تلتقيان.. إثيوبيا لها حق التنمية، ومصر لها حق الحياة والأمن المائي، ودول حوض النيل كلها لها مصالح مشروعة، لكن وجود هذه الحقوق جميعًا هو بالضبط ما يجعل التعاون، وتبادل المعلومات، والإخطار المسبق، والتشاور، ودراسات الآثار، والالتزام بقواعد القانون الدولي، أمورًا لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفاصيل ثانوية، ومن هذه الزاوية، كان مهمًا أن تستحضر مصر نماذج أخرى للتعاون فى دول حوض النيل.
فالقاهرة لا تقول إنها ضد إقامة المشروعات المائية فى دول المنبع، بل لديها تاريخ طويل من التعاون فى حفر الآبار، ومحطات المياه التي تعمل بالطاقة الشمسية، وحصاد مياه الأمطار، والحماية من أخطار السيول، والتدريب وبناء القدرات، ومشروعات أخرى فى دول حوض النيل، ومشروع سد جوليوس نيريري فى تنزانيا يقدم مثالًا مهمًا على إمكانية الجمع بين حق الدولة فى التنمية وبين العمل فى إطار تعاوني يحترم مصالح الأطراف المختلفة، وهذه المقارنة تؤدي وظيفة سياسية وإعلامية شديدة الأهمية: مصر لا ترفض التنمية، وإنما ترفض أن تصبح التنمية مبررًا للعمل الأحادي فى نهر دولي.
وهنا يصل النقاش إلى النقطة الأكثر حساسية: سد النهضة نفسه، السد أصبح حقيقة هندسية قائمة، وهذه حقيقة
لا تتجاهلها مصر، لكن وجود منشأة هندسية لا يعني أن كل ما يتعلق بطريقة تشغيلها أو آثار تشغيلها يصبح تلقائيًا أمرًا محسومًا من الناحية القانونية والسياسية، فالسد قد يكون واقعًا على الأرض، لكن قواعد تشغيله وتأثيراته على دول المصب تظل موضوعًا يرتبط بالقانون الدولي وبمصالح الدول وبضرورة التعاون وتبادل المعلومات، وهذه نقطة تبدو شديدة الأهمية فى إعادة بناء الرواية المصرية: اكتمال السد لا يعني اكتمال القصة، فالقول بأن المشروع أصبح واقعًا لا يجب أن يتحول إلى فكرة أخرى تقول إن هذا الواقع أسقط تلقائيًا كل ما سبقه من حقوق أو تفاوض أو قواعد قانونية ، وهنا يظهر الفرق بين إدارة الدولة المصرية للقضية وبين مجرد التعامل معها باعتبارها معركة سياسية مفتوحة إلى ما لا نهاية، مصر لم تتخلَّ عن التفاوض، ولم تتخلَّ عن القانون، ولم تتخلَّ عن حق إثيوبيا فى التنمية، لكنها فى الوقت نفسه لا تقبل أن يتحول الأمر الواقع إلى بديل عن القانون.
والأهم أن اللقاء لم يكن موجهًا إلى المصريين فى الداخل فقط، فلو كان الهدف مجرد طمأنة الرأي العام المحلي، لما كان وجود عشرات المراسلين الأجانب هو العنصر الأبرز فى المشهد، الرسالة كانت موجهة أيضًا إلى الصحفى الذي يكتب فى عاصمة أوروبية، والمراسل الذي يغطي أفريقيا، والمؤسسة الإعلامية التي تصوغ تقريرًا عن أزمة النيل، وصانع الرأي الذي قد يسمع للمرة الأولى تفاصيل مختلفة عن تلك التي اعتاد سماعها.
وهنا تكمن قيمة الخطوة، المعركة لم تعد فقط على المياه، وإنما أيضًا على القصة التي تُروى عن المياه، وليس المقصود بذلك تحويل الإعلام إلى بديل عن التفاوض، على العكس، التفاوض سيظل هو المسار السياسي والقانوني، لكن التفاوض نفسه لا يجري فى فراغ، الرأي العام الدولي، والتغطية الإعلامية، والصورة التي تتشكل لدى المؤسسات الدولية، كلها عناصر تؤثر فى البيئة التي تتحرك فيها الدول.
ولسنوات، كانت مصر تقدم موقفها فى المحافل السياسية والتفاوضية، وتشرح حقوقها ومخاوفها، أما الآن، فإن ما حدث هو توسيع لمساحة الخطاب بحيث لا تظل القضية أسيرة البيانات الرسمية أو التصريحات الدبلوماسية، وإنما تصبح أمام الإعلام الدولي قضية قابلة للفحص بالأرقام والبيانات والمقارنات، وهذا لا يعني أن كل مشكلة إعلامية فى الملف قد انتهت، ولا يعني أن الرواية المصرية ستنتصر لمجرد عرض الأرقام، الإعلام الدولي أكثر تعقيدًا من ذلك، والقضية نفسها شديدة الحساسية والتشابك، لكن الفرق أن الدولة بدأت تتعامل مع الرواية باعتبارها جزءًا من إدارة القضية، لا مجرد نتيجة تلقائية للموقف السياسي.
وفى النهاية، ربما تكون أهم رسالة فى هذا اللقاء مزدوجة الاتجاه.. إلى الداخل: الدولة تدرك حجم الضغط المائي وتتعامل معه عبر شبكة واسعة من الإجراءات والمشروعات والتكنولوجيا وإعادة الاستخدام، ولا تتعامل مع الأزمة باعتبارها قدرًا لا يمكن إدارته، وإلى الخارج: قدرة مصر على تحمل آثار الندرة لا تعني تنازلها عن حقوقها، وحرصها على التنمية الإثيوبية لا يعني قبولها بالإجراءات الأحادية، ومرونة موقفها التفاوضي لا تعني أن حقوقها قابلة للتناقص بمرور الوقت.
لهذا فإن ما حدث أمام المراسلين الأجانب يمكن فهمه باعتباره فصلًا جديدًا فى إدارة ملف سد النهضة، وليس بداية الملف ولا تصحيحًا لمسار كان ضعيفًا، فالموقف المصري كان حاضرًا فى التفاوض والقانون والدبلوماسية طوال السنوات الماضية، الجديد هو أن هذا الموقف القوي بدأ يُترجم إلى رواية إعلامية أكثر تفصيلًا، وأكثر اعتمادًا على البيانات، وأكثر استعدادًا لمواجهة الروايات المقابلة بلغتها نفسها: الأرقام والحقائق.
وفى قضية بحجم النيل، ربما لا يكفى أن تكون على حق فى غرف التفاوض، فمن المهم أيضًا أن يعرف العالم لماذا تقول إنك على حق، وما الذي تستند إليه، وما الذي تطلبه بالضبط، من هنا يصبح العنوان أكثر دقة من مجرد القول إن مصر انتقلت من الدفاع إلى الهجوم، مصر لم تغيّر موقفها من سد النهضة.. لكنها وسّعت مساحة المعركة.. من قوة «الموقف إلى قوة «الرواية».
حفظ الله الجيش.. حفظ الله الوطن

أضف تعليق

حكاية الحكومة وتوجيهات الرئيس

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان