في ظل التوسع المتسارع في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي بمختلف المجالات، وما أحدثته هذه التقنيات من تحولات متلاحقة في أساليب ومراحل البحث العلمي، أعلن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية وثيقة «حوكمة توظيف الذكاء الاصطناعي في العلوم الاجتماعية»، بهدف وضع إطار علمي وأخلاقي ينظم الاستفادة من هذه التطبيقات في البحوث الاجتماعية والإنسانية، ويعزز الاستخدام المسؤول لها، مع الحفاظ على أصالة البحث العلمي وخصوصية البيانات والالتزام بالمعايير الأخلاقية.
جاء ذلك خلال جلسة عقدها المركز تحت رعاية الأستاذة الدكتورة هالة رمضان، مديرة المركز، الثلاثاء 29 سبتمبر 2026، في تمام الساعة الحادية عشرة صباحًا، بقاعة ابن خلدون بمقر المركز، وذلك في إطار دوره باعتباره مرجعية علمية متخصصة، وحرصه على مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة المرتبطة بالثورة الصناعية الرابعة، وفي مقدمتها تنامي الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات البحث الاجتماعي.
مسؤولية علمية
استُهلت الفعاليات بكلمة ألقتها الأستاذة الدكتورة هالة رمضان، مديرة المركز، أعربت خلالها عن شكرها وتقديرها لجميع الحضور من مختلف الجهات والمؤسسات الشريكة، مؤكدة أن إطلاق الوثيقة، التي ستتخذ لاحقًا شكل إجراءات عملية، يأتي انطلاقًا من المسؤولية العلمية والأخلاقية التي يضطلع بها المركز.
وأوضحت أن الوثيقة تأتي في إطار حرص المركز على استكمال مسيرته في الحفاظ على الأخلاقيات العلمية والمهنية، والقيام بدوره في مواجهة المخاطر الاجتماعية بمختلف صورها، خاصة مع التوسع في الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في المجالات المختلفة.
وأكدت أن تنامي استخدام هذه التطبيقات يمثل أحد أبرز التحديات التكنولوجية في العصر الحالي، لما قد يفرضه من تحديات على جودة البحث العلمي ودقة المنهجيات العلمية ومصداقيتها، وهو ما يستدعي وضع أطر واضحة للاستخدام الرشيد والمسؤول لهذه التقنيات.
ضوابط البحث
وترأس الجلسة الأستاذ الدكتور أحمد يوسف، أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، الذي أكد خلال كلمته ريادة المركز في التصدي لهذه الإشكالية، من خلال إعداد وثيقة متكاملة تضع ضوابط لتوظيف الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي.
وأشار إلى أن الوثيقة تؤكد حضور المركز في صدارة المؤسسات العلمية والبحثية المعنية بالحفاظ على الأخلاقيات والقواعد المنظمة للعمل البحثي، في ظل التحولات التي فرضتها تطبيقات الذكاء الاصطناعي على العملية البحثية.
خارطة طريق
وشهدت فعاليات الورشة عرضًا قدمه الأستاذ الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع والمشرف على برنامج بحوث الشباب بالمركز، تناول خلاله أبرز ملامح الوثيقة ومحتوياتها.
وجاء إعداد الوثيقة تحت إشراف وتحرير الأستاذة الدكتورة هالة رمضان، أستاذ علم النفس ومديرة المركز، وشارك في إعدادها كل من الأستاذ الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز، والأستاذ الدكتور خالد كاظم أبو دوح، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة سوهاج.
وتهدف الوثيقة بصورة أساسية إلى تقديم عمل علمي رصين يمثل خارطة طريق وطنية للباحثين في مصر والوطن العربي بمختلف تخصصات العلوم الاجتماعية، بما يتيح الاستفادة من القدرات التي توفرها تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحليل الظواهر الاجتماعية والجنائية المعقدة، وفهم التحولات المجتمعية، وتعظيم الاستفادة من هذه التقنيات.
وفي الوقت نفسه، تضع الوثيقة ضوابط تهدف إلى الحفاظ على أصالة البحث العلمي، وخصوصية المجتمع المصري، وحيادية البيانات، وحماية الخصوصية البشرية، وضمان الالتزام بالمعايير الأخلاقية الدولية.
الإعلام والذكاء الاصطناعي
وقدمت الدكتورة هند نبيل، مدرس الإعلام وعضو هيئة الإشراف التنفيذي على المرصد الإعلامي بالمركز، مداخلة استعرضت خلالها آلية وطبيعة عمل المرصد، الذي يعتمد على أسس علمية ومنهجية في تحليل محتوى وسائل الإعلام واستخلاص مؤشرات كمية حول الأجندة الإعلامية.
كما تناولت المداخلة بعض الجوانب الكيفية المتعلقة بالمستجدات والأحداث الجارية، إلى جانب رصد الموضوعات التي يبحث عنها الجمهور عبر «محرك جوجل»، باعتبارها مؤشرات يمكن من خلالها التعرف على اهتمامات مستخدمي الإنترنت وفقًا لكثافة البحث عن موضوعات بعينها، والمقارنة بين أجندة وسائل الإعلام وأجندة الجمهور خلال فترات زمنية مختلفة.
وانتقلت الدكتورة هند نبيل إلى استعراض رؤية هيئة المرصد بشأن توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في عمليات تحليل المحتوى الإعلامي، في ظل التطور المتسارع الذي يشهده هذا المجال، بما يفتح المجال أمام دمج التقنيات الحديثة مع الجهد البشري لإنجاز أعمال الرصد والتحليل بأكبر قدر ممكن من الدقة والسرعة.
واستند العرض إلى عدد من التجارب الدولية والعربية لمراصد إعلامية تستعين ببعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي في رصد وتحليل محتوى وسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية، مع استعراض أبرز التحديات المرتبطة باستخدام هذه الأدوات في تحليل المحتوى الإعلامي.
كما عرضت رؤية هيئة المرصد الإعلامي بالمركز لتطوير آليات العمل، من خلال تصور مقترح يقوم على التكامل بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخبرات والكوادر البشرية.
نقاشات موسعة
وشهدت الورشة عددًا من التعقيبات والمداخلات والمناقشات العلمية حول بنود ومبادئ ومواد الوثيقة، إلى جانب آليات تحويلها إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ.
وشارك في المناقشات نخبة من الخبراء والمتخصصين، من بينهم الأستاذة الدكتورة نجوى خليل، أستاذ الإعلام بالمركز ووزيرة التضامن الاجتماعي الأسبق، والأستاذ الدكتور أحمد زايد، أستاذ الاجتماع بكلية الآداب جامعة القاهرة ومدير مكتبة الإسكندرية، والسفير علاء الدين يوسف زكريا، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، والمستشار محمد عمر الأنصاري، مساعد وزير العدل ومدير المركز القومي للدراسات القضائية الأسبق، والأستاذة الدكتورة سعاد عبد الرحيم، أستاذ علم الاجتماع ومديرة المركز السابقة.
كما شارك الدكتور رامي أحمد فتحي، كبير خبراء الأمن السيبراني الدولي بنيابة الأمن السيبراني، وممثل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، نيابة عن المهندس وليد زكريا، نائب رئيس الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لشئون الأمن السيبراني، والمهندس زياد عبد التواب، خبير التحول الرقمي وأمن المعلومات ومساعد الأمين العام لمجلس الوزراء لنظم المعلومات والتحول الرقمي.
وضمت المناقشات أيضًا المستشارة نجلاء عبد اللطيف، عضو المكتب الفني للمركز القومي للدراسات القضائية بوزارة العدل، والمستشار محمد القاضي، عضو المكتب الفني للمركز القومي للدراسات القضائية بوزارة العدل، واللواء الدكتور أحمد الجيزاوي، مدير كلية الدراسات العليا بأكاديمية الشرطة سابقًا.
وشارك كذلك الأستاذ الدكتور أحمد عبد الموجود الشناوي، أستاذ الأنثروبولوجيا ورئيس شعبة بحوث المجتمعات والفئات الاجتماعية بالمركز، والأستاذ الدكتور سامح المحمدي، أستاذ القانون الجنائي ورئيس شعبة بحوث الجريمة والسياسة الجنائية بالمركز.
كما شهدت الفعاليات مشاركة نخبة من الخبراء والأكاديميين والتنفيذيين وممثلي الجامعات المصرية، من بينهم الأستاذة الدكتورة أماني مجاهد، أستاذ ورئيس قسم المكتبات وتكنولوجيا المعلومات بجامعة المنوفية، والأستاذ الدكتور عصام حسني، الأستاذ المتفرغ بقسم قانون الاقتصاد والمالية العامة بجامعة بنها، والأستاذ الدكتور محمد عبد الباسط، أستاذ الذكاء الاصطناعي بجامعة الزقازيق، والأستاذة الدكتورة كرستين البرت، نيابة عن الأستاذ الدكتور محمد صالح هاشم، رئيس أكاديمية السادات.
وتأتي هذه الوثيقة في إطار توجه المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية نحو مواكبة التحولات التكنولوجية الحديثة، ووضع أطر علمية وأخلاقية تضمن توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في العلوم الاجتماعية بصورة مسؤولة، بما يعزز جودة البحث العلمي، ويحافظ على قواعده المهنية والأخلاقية، ويحقق الاستفادة من الإمكانات التي توفرها هذه التقنيات دون الإخلال بأصالة العمل البحثي أو حقوق وخصوصية الأفراد والمجتمع.